من فضل الله ونعمته عليّ أنني حين كتبت استراحة الاسبوع الماضي عن النساء قد وصفتهن بالرياحين, وصدّرت بهذا الوصف عنوان المقال من باب الاحتياط وسدّ الذرائع , ولم يكن في نيتي اطلاقاً العودة إلى الموضوع أو مواصلة الحديث فيه لولا أن سيلاً من الاستفسارات قد انهمر عليّ ــ من النساء والرجال على حد سواء ــ عن ذلك الشاعر ناقص العقل, عديم الفطنة الذي أشرت إليه في نهاية المقال وعمّا قاله في النساء, وأحمد الله أنني قد أعلنت على رؤوس الاشهاد براءتي منه وعدم اتفاقي معه في الرأي وتسخيفي لتخاريف شياطين فكره وشعره, ولست بالمغفل حتى أتبنى رأيا كرأيه أو أكون مروجاً لذلك الرأي فأعرّض نفسي لانتقام من نوع ذلك الانتقام الذي تعرض له ملك بولندا عندما خرج على طاعة كاترين العظمى امبراطورة روسيا الشهيرة وخالف أوامرها, فما كان منها إلا أن عزلته وسجنته ثم استحضرت عرشه المصنوع من الذهب الخالص وجعلته حماماً لها نكاية فيه علماً بأنني لا أملك عرشاً من الذهب الخالص ولا غير الخالص. أقول إن هذه الاستفسارات دفعتني الى رؤية جانب آخر من الصورة, وألحّ عليّ سؤال ربما خطر ببالكم, وهو لماذا يكتب الرجال دائما عن النساء وتكتب النساء دائماً عن الرجال وكأنهم في خندقي مواجهة يتمترس كل منهم بحججه وبراهينه ويقذف بحمم اتهاماته في جدل لا يزال مستمراً على صفحات المجلات والصحف وربما في قنوات التلفزيون وعلى موجات الاذاعة, وإن كان لم يصل الى مستوى (الاتجاه المعاكس) الذي لا يمنح شهادة الجودة ولا تبدو النشوة على وجوه مذيعيه الا اذا اقتربت الايدي من الاشتباك وطار الشرر من العيون وهمَّ كل طرف بالانقضاض على الآخر. لذلك وفي محاولة لنقد الذات والتجرد من عقدة التفوق النوعي اجدني اقول: ليس كل الرجال ملائكة كما أنه ليست كل النساء من نوعية النماذج التي استعرضناها في المقال السابق, اذ يكفي ان تكون اول جريمة ترتكب في التاريخ البشري من قبل رجل هو قابيل الذي قتل اخاه هابيل, ولا يغير في الموضوع شيئاً ان تكون الجريمة قد ارتكبت بسبب امرأة, أو انها كانت الحلقة الاولى في سلسلة الصراع على الفوز بها, ثم ان النماذج التي ذكرناها من النساء انما كان وبالها غالباً منصباً عليها, بينما تسبب الكثير من الرجال في ويلات ومصائب للبشرية جمعاء, وفي النهاية جروا معهم زوجاتهم وعشيقاتهم الى الهاوية التي سقطوا فيها وهووا اليها, فها هو الدكتاتور الالماني زعيم الحزب النازي مؤسس الرايخ الثالث هتلر على سبيل المثال اشاع الارهاب وفجر حمامات الدم واقام معسكرات الاعتقال لخصومه في بلده المانيا اولاً ليحكم قبضته على مقاليد الامور فيها ويخضعها لحكمه المطلق, ثم قادت سياسته الخارجية ذات الطابع العدواني الى اندلاع الحرب العالمية الثانية بضمه النمسا ثم تشيكوسلوفاكيا, واعلانه الحرب على بولندا ثم روسيا لتندلع السنة النيران في اوروبا, وعندما خرت الجيوش الالمانية صريعة امام هجوم الحلفاء على ألمانيا من كل ناحية لم يكن امامه سوى الانتحار في برلين مع زوجته ايفابراون التي كان قد عقد قرانه عليها حديثا فلم تستمتع بهذه الزيجة المشؤومة, اما حليفه الدكتاتور الايطالي موسوليني مؤسس الفاشية وزعيمها فقد سقط هو الآخر بعد ان أشعل الحروب في أنحاء متفرقة من اوروبا وافريقيا, وعندما انهارت الجيوش الالمانية حاول الفرار الى سويسرا ولكنه أسر بالقرب من كومو, وقدم للمحاكمة, وأعدم رمياً بالرصاص هو وعشيقته كلارا بيتاشي وعلقت جثتاهما في ميدان عام بميلان, وبذلك انتهت محاولته الخيالية لاعادة الامبراطورية الرومانية, اما الامبراطور الروماني نيرون فقد كان صنفاً آخر من الحكام لم تشهد له البشرية مثيلاً, فرغم ان امه اجريبينا الثانية اقنعت كلاوديوس قيصر بعد زواجها منه لتبني ابنها نيرون ليخلفه بعد وفاته الا انها فقدت السيطرة عليه فأخذت تدبر لاحلال بريتانيكوس (ابن كلاوديوس) مكانه فدس السم للصبي, ثم أخذت تصرفاته تتسم بتلك الوحشية التي جعلته مضرباً للأمثال بعد ان اتخذ بوبايا سابينا محظية له ــ وكانت زوجة أحد أصدقائه ــ فقتل امه ثم زوجته اوكتافيا وكان وراء اشعال حريق روما الكبير عام 64م, كما ارتكب سلسلة من أعمال القتل الوحشية كان من ضمن ضحاياها بوبايا وقد وقعت عدة ثورات ضده انضم الحرس الامبراطوري الى احداها فقضى على نيرون, وقد كان يعتقد انه شاعر وفنان كبير حتى انه قال وهو يحتضر (ما أعظم الفنان الذي سيخسره العالم بموتي) . ولعل خير من يمثل هذه الفئة من الطغاة في عصرنا هذا السفاح اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش, هذه نماذج من الرجال الذين تسببوا في كوارث للعالم والبشرية ولم يكتفوا بتدمير انفسهم بل جروا معهم الكثير من النساء الى المصير الاسود الذي انتهوا اليه كان منهن امهاتهم وزوجاتهم ومن تعلقت قلوبهن بهم, ولعل في ذلك انصاف لنماذج النساء اللاتي ذكرناهن في استراحة الاسبوع الماضي. هذا على مستوى الحكام والقادة, اما على مستوى الناس العاديين أمثالنا فانظروا كيف يتصرف الرجال بكثير من الأنانية ويعطون لانفسهم الحق في القدرة على الحكم على جميع الأشياء واتخاذ القرار في جميع المواقف, ثم انهم كثيراً ما يبالغون في تصوير معاناتهم في العمل وكأن المرأة لا تعاني في رعاية البيت وتربية الابناء, وهي مهمة لو تعلمون عظيمة لا يتصدى لها الا من وهبه الله ملكات فطرية وجلداً عظيماً فنذر نفسه للقيام بها مضحياً بالكثير من المتع الشخصية وتحقيق الذات خارج اطار البيت تحت مظلة الطموح الذي ربما كان سرابا لا يستبين زيفه الا بعد فوات الاوان حيث لا مجال لاعادة عجلة الزمن الى الوراء بعد ان تكون العربة قد قطعت الجزء الاكبر من الطريق وكادت تقترب من المحطة الاخيرة, فليت الرجال يدركون ذلك, اذاً لتخلوا عن كثير من غرورهم وعرفوا لهذا الصنف من النساء قيمته وأقاموا لكل واحدة منهن تمثالاً. ثم ها أنذا اقترب من نهاية المقال عاصراً ذهني في محاولة للعثور على بيت شعر واحد قيل في الرجال أختم به على غرار بيت الشعر الذي ختمت به المقال السابق عن النساء فلا أجد هذا البيت الذي ربما لا وجود له الا في باب الهجاء, اما النساء فيكفيهن فخراً وتميزاً على الرجال ان تكون تسعة أعشار ما قيل من شعر في تاريخ البشرية بكل اللغات قد قيل فيهن, حتى انك لتجد كثيراً من شعراء العرب في العصر الجاهلي والعصور التي تلته يبدأون قصائدهم بالتغزل في نسائهم او محبوباتهم وان اختلف الغرض من القصيدة ولنا في شعراء المعلقات السبع ــ او العشر على اختلاف في عددها بين النقاد ــ خير شاهد, فهذا امرؤ القيس يبدأ معلقته بالدعوة للوقوف بكاءً من ذكرى حبيب ومنزل, اما النابغة الذبياني فيدعونا للوقوف تحية لآثار ديار نعم, بينما يبدأ زهير معلقته بذكر زوجته ام أوفى, ويخاطب عنترة دار عبلة بالجواء داعياً إياها للكلام, اما طرفة بن العبد فيبدأها بالوقوف على اطلال خولة ببرقة ثهمد, في حين يستهل صنّاجة العرب الأعشى قصيدته بوداع هريرة واصفاً اياها ذلك الوصف البديع, اما الحارث بن حلزة اليشكري فيبدأ معلقته بفراق أسماء له, كما يفعل لبيد الذي تقطعت به الأسباب لوصل حبيبته نوار, وكذلك حال علقمة الفحل مع حبيبته ليلى, ومن الشعراء من قصروا شعرهم على النساء فقط حتى اقترنت اسماؤهم بهن كمجنون ليلى وكثير عزة وجميل بثينة. وهكذا بعد ان وصفنا النساء بالرياحين يصبح من الجائز لنا ان نصف الرجال بالاشواك التي تحيط بهذه الرياحين, اما لحمايتها من ايدي المتطفلين فيحمد لها ذلك, او لمحاصرتها ومنعها من الميل ذات اليمين او ذات الشمال كلما داعبتها نسمات لا يأمن الرجال جانبها, وهنا تطل الأنانية كاشفة عن وجهها تحت مسمى (الحب) وهل الحب ــ وحق الله ــ سوى قمة الأنانية متمثلة في الرغبة بامتلاك الحبيب؟! أترانا خرجنا عن الموضوع.. أم أننا قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق الصحيح وبدأناه البداية المطلوبة؟ أترك الجواب لكم.