تمتلك الدول الإسلامية كنوزا فنية حية هي الحرف اليدوية للعمارة الإسلامية.. وإذا كانت هذه الحرف تتعرض للانقراض فإن وزارة الثقافة المصرية قامت بإنشاء مراكز لها أهمها هو مركز وكالة الغوري للحرف الذي يتم فيه تدريب أجيال جديدة على النقش على النحاس ـ الخزف ـ التطعيم بالصدف ـ المشربيات ـ الزجاج المعشق. ورغم اهتمام اليونسكو بدعم الحرفيين ماليا لتدريب أجيال جديدة إلا أن الاهتمام العربي مازال محدودا في هذا المجال حول النهوض بالحرف التقليدية. يقول د. أحمد نوار رئيس المركز القومي للفنون ورئيس قطاع المتاحف ـ أن مصر تعتز بريادتها على المستوى الدولي في خلق هذا النموذج الثقافي والحضاري الفريد الذي يجعل الإبداع الفني تيارا متصلا يتجاوز الزمن ويزيل الحواجز بين الفن والمنفعة ويؤكد عمق الهوية المصرية ويجددها. ويضيف نوار.. لقد حرص المركز القومي للفنون على تأكيد هذه الصيغة من خلال مراكز الحرف التقليدية وعلى تقديم الدعم للنهوض بهذه الحرف وتشجيع المبدعين فيها وزيادة عددهم وإتاحة الفرص أمامهم لعرض إبداعهم في شتى المحافل الدولية حتى حققوا انتصارات مبهرة أصبحت أوسمة على صدر الحركة الفنية المصرية. ولم يكتف المركز بذلك بل أقام مهرجانا سنويا لهذه الأنشطة بوكالة الغوري (استضافت مصر المهرجان الدولي للحرف التقليدية به عام 1995 والمهرجان العربي الأول للحرف) كما أن وزارة الثقافة تنوي إقامة (كوادير نيالي) للحرف التقليدية بالقاهرة وهو المهرجان الدولي الذي ستكون دورته الأولى مع بداية العام المقبل وتخصيصها للدول العربية والأفريقية. ويأمل د. نوار أن يتحقق مشروع إقامة مدينة للحرف التقليدية بمنطقة الفسطاط الإسلامية الذي أقره المؤتمر الاقتصادي الدولي بالقاهرة في نوفمبر 1996. ويقول الفنان عز الدين نجيب مدير عام المراكز الفنية : انه إذا كان عمر الآثار يقاس بالقرون فإن فترات النهضة تقاس بالومضات وعمق التحولات.. فوكالة الغوري التي تضم مركز الحرف التقليدية والتي يقام فيها المهرجان السنوي الرابع للحرف والفنون يقترب عمرها من خمسمائة عام ولقد أدت في عصرها الوظيفة التي بنيت من أجلها كمركز تجاري هام ثم طواها النسيان وعوامل الإهمال حتى أعادها للضوء مرة أخرى د. ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري الأسبق. وهكذا أصبحت الوكالة مدرسة فنية يتخرج منها أجيال من الحرفيين المهرة.. كما حافظت على عشرات الحرف الفنية من الاندثار والتدهور. وقد دخلت المنتجات الفنية إلى كل البيوت بل شقت طريقها إلى عواصم الدول المتقدمة بدعوات مصرية للتعرف على الحرف المصرية.. وقد تولدت من هذه المدرسة منظومة من المراكز الفنية في مواقع أثرية عديدة في مجالات الخزف والنسيج والفنون المرتبطة بالحياة اليومية وكذلك بحوث الفنون التقليدية وكل ذلك نحو هدف الحفاظ على القيم التراثية في الفن ووصلها باحتياجات المجتمع وجماليات العصر.. وإتاحة منتجاتها أمام الجماهير العادية لرفع مستوي تذوقها وتشجيعها على اقتنائها. ويشير الفنان عز الدين نجيب إلى الفنانين المصريين الذين قادوا مسيرة العمل في وكالة الغوري ومنهم حامد سعيد وصلاح طاهر وسعيد الصدر وعبد القادر رزق. وكذلك تواجد الفنانين التشكيليين المعاصرين جنبا إلى جنب مع الحرفيين مما يؤكد على معنى حضاري بالغ الرفعة كما يشير إلى وجود عدد كبير من الجمعيات الفنية الأهلية التي تتخذ الوكالة مقرا لها وتضم ما يزيد عن 500 فنانا. وأخيرا يأمل عز الدين نجيب ألا يكون المهرجان الرابع المهرجان الأخير.. فالمشروعات الجديدة ربما تهدد وجود تلك المراكز الفنية في ذات المكان.. وحتى لا يتعرض الفنانون للشتات فإن الوجود الفني الحقيقي سيفرض نفسه. وكالة الغوري بنيت وكالت الغوري عام 1504م في عصر السلطان قنصوه الغوري آخر سلاطين المماليك في مصر وهي ضمن مجموعته التي ضمت قصرا ومسجدا ومدر سة وهي الآن تضم مراكز الحرف التقليدية مثل النجارة الدقيقة ـ النقش على النحاس ـ الأزياء والخيام ـ قسم المصاغ الشعبي ـ خرط ونحت الخشب ـ التطعيم بالصدف ـ الزجاج المعشق.. والوكالة تمثل نواة لمتحف الفنون التقليدية بمدخلها الفسيح الذي تطل عليه المشربيات والذي يضم نافورة في صحنها كما تضم الوكالة 55 مرسما للفنانين و6 مقرات لجمعيات فنية أهلية هي جمعية فناني الغوري ـ نقاد الفن التشكيلي ـ الأهلية للفنون الجميلة ـ أصدقاء المتاحف ـ نقاد الأيكا ـ جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة كما تعتبر الوكالة سوقا للفنون التشكيلية ظلت وكالة الغوري معملا لتفريخ الحرفيين يعد تدريبهم على أيدي كبار شيوخ الصنعة منذ أواخر الخمسينات مثل الأسطى محمد ناجي مدرب النقش على النحاس والشيخ إبراهيم عتمان مدرب الخيام والشيخ عمر عبد النبي مدرب التطعيم بالصدف وتوفيق إدريس مدرب الخرط العربي وحسن مصباح مدرب الزجاج المعشق. وكان المتدربون يلتحقون بالوكالة وهم صبية أقل من 13 سنة ليسهل استيعابهم لأسرار الحرفة منذ الصغر على نفس النظام الذي سار عليه الحرفيون في مصر منذ مئات السنين.. لكنه في وكالة الغوري لم يقتصر على الناحية الحرفية فقط بل شمل الناحية الثقافية والتذوق الفني والانتماء الحضاري من خلال برامج لزيارة المتاحف التاريخية والندوات والاطلاع على الكتب. وكان نظام التدريب يمنح الصبي مصروف جيب أثناء التدريب في الوكالة ويمنح الأ سطى مكافأة شاملة وقد استعانت أكثر من جهة فنية بحرفي الوكالة في تأسيس عملها.. ويصل عدد المتدربين الآن بالوكالة إلى 33 متدربا بين سن (12 ـ 25) في مجالات النقش على النحاس والخرط العربي والتطعيم بالصدف والزجاج المعشق بالجص والخيامين والمصاغ الشعبي والنجارة الدقيقة والطباعة اليدوية والخزف والنسيجات المرسمة. وقد أصبحت منتجات وكالة الغوري ذات مكانة مرموقة على مستوى العالم.. فقد مثلت الوكالة مصر في مهرجانات إسلام أباد ـ إندونيسيا ـ تونس ـ ماليزيا ـ قرغيزيا ـ المغرب ـ جرش ـ دمشق ومدريد بأسبانيا وإيطاليا وكذلك معرض كنوز الفن المصري بألمانيا وكندا وقد شاركت الجمعية الفنية الأهلية ـ أصالة في تلك المعارض وفضلا عن الجوائز التي حصل عليها حرفيو الوكالة فقد حصلوا أيضا على منح لتدريب طلاب الجامعات في ماليزيا عام 1996. قصة حرفي ويعتبر محمود محمد ناجي من الحرفيين الذين نشأوا في وكالة الغوري منذ كانوا صبية وأصبحوا اليوم من كبار رجال الأعمال.. وقد تتلمذ محمود على يد والده مدرب قسم النقش على النحاس عام 1959 في مدرسة بين القصرين ثم انتقل إلى وكالة الغوري عام 1960 و ظل يتدرب على يد والده حتى تشرب الصنعة وسبق أقرانه وسافر في مهرجان الخيال بفيينا عام 83 وحصل على المركز الأول. و أقام لنفسه ورشة ومحل بخان الخليلي وظل عمله متميزا عن إنتاج السوق لخبرته حتى صار معروفا على المستوى الدولي بعد قيامه بتصدير أعماله إلى دول العالم.. وقد اقتنى أعماله الخاصة العديد من الملوك والسلاطين مثل السلطان قابوس والآن يعتبر محمد ناجي من أكبر رجال الأعمال في هذا المجال. يذكر أنه في ختام الندوة الدولية حول موضوع "كنوز الإنسانية الحية التي دعت إليها منظمة اليونسكو في مدينة فينسيا الإيطالية أواخر شهر فبراير الماضي.. أبلغ المسؤولون عن الندوة مندوب مصر فيها الفنان عز الدين نجيب مدير عام المراكز الفنية على موافقة هيئة اليونسكو على منح الإدارة العامة لمراكز الحرف التقليدية بوزارة الثقافة المصرية منحة قدرها 50 ألف دولارا لإقامة مشروع لتدريب ومداولات استغرقت عدة أيام تم خلالها عرض التجربة المصرية في هذا المجال ولاقت استحسان المشاركين من 23 دولة من قارات مختلفة. ومازال المشروع ينتظر حسم مشكلة المكان الذي يقام فيه بعد أن تلقت الإدارة العامة للمراكز الفنية إخطارا بضرورة إخلاء وكالة الغوري دون تخصيص مكان بديل. القاهرة ــ حميد مجاهد