يبدو ان الثقافة السماعية التي برع فيها العرب ومازالوا ستظل منهجا معتمدا حتى عند الاجيال المقبلة, فنحن أمة جبلت على رسم التفاصيل الدقيقة لأي حكاية أو رواية , ومن هنا فان آذاننا تصبح أكبر من القمر الصناعي عربسات وأدق من مجسات ناسا الأمريكية في حالة التقاط أي حكاية من حكايات هذا الزمن المتواصل بالفضائح السياسية والاقتصادية والفنية. ولأننا اصحاب ثقافة أزلية فقد كان تأثيرنا على العوالم الأخرى كبيراً خاصة في الحالة السماعية, هذا اذا أخذنا في الاعتبار تلك المخيلة الخصبة الحاضرة التي يتمتع بها أكثرنا, والتي تؤكد عليها أغلب قصص التراث ودواوين الشعر وأوراق الازمنة الماضية, ولأننا كنا ومازلنا وسنظل نتداول هذا الفن فعلينا ان نعترف بأن ألسنتنا تطول وتمتد بشكل مثير وغريب فنزيد ونعيد على شيء لم نحضره بل التقطناه سماعياً وفصلناه مثلما أردنا وليس كما حصل فعلياً. أقول ذلك من واقع الحال الذي نعيشه على جميع الأصعدة خاصة بعد ان استسهل الكثيرون خاصة في مجال الصحافة والاعلام اختلاق أية حكاية ومن ثم تصديقها. وحتى لا أقف عند الثقافة السمعية كثيراً وأدخل القارئ الكريم في تفاصيل ثقيلة الظل أقف فقط عند خبر صغير مفاده ان الصحف الامريكية العريقة تداعت فيما بينها لعقد اجتماع خاص لدراسة وتحليل الاخبار غير الدقيقة أو السماعية التي تعتمد في اساسها على الالتقاط السماعي ومدى تأثيرها على مصداقية الصحف.. خاصة بعد ان أفردت الصحف الكبرى مساحات لأخبار غير موثقة أثرت بالتالي على اتزانها ومصداقيتها عند القراء. أقف هنا وأقلب صفحة جديدة حتى لا أكون ثقيلا, لكني أعود مجبراً فأشير الى ان العرب تواصلوا مع الثقافات الاخرى وتغلبوا عليها بما يملكون من ثقافة سماعية صافية أساسها البيان والبلاغة والفصاحة والذكاء الفطري, ورغم انقلاب المعايير في هذا الزمن الذي يرى الكثيرون فيه ان الثقافة السماعية ثقافة سالبة, يرى المهتمون بالتراث العربي عكس تلك الصورة خاصة فيما يتعلق بالثقافة السمعية لدى الشعراء والمتأدبين, فقد برزت فنون المدح والهجاء والخطابة والبلاغة من تفاصيل الاحداث الشفهية والسماعية, ومن يدقق في أوراق التراث العربي يجد ذلك جليا خاصة فيما يتعلق بالمدح والهجاء, وهما فنان يعتمدان على السماع, وكان الرجل من نمير اذا قيل له ممن الرجل يقول: من نمير وامال بها عنقه فلما هجاهم جرير بقوله: فغض الطرف انك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا صار اذا قيل لأحدهم ممن الرجل يقول: من بني عامر, وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير. وحتى لا أبعد عن تفاصيل تلك الحالة السماعية أشير الى ان الانسان جبل على التحري والسعي لمعرفة أسرار وأخبار الآخرين, وقد كان المدح والهجاء من الثقافات السماعية التي تنتشر بين العرب انتشار النار في الهشيم, ولهذا كان للشعر وهو فن شفاهي يعتمد على اللسان في القول والاذن في الالتقاط كان له أكبر الأثر على تعزيز الحالة السماعية عند العرب, وكان الشعراء الهجاؤون اكثر سلطة وبأساً لأن الناس تخافهم وترهب جانبهم, ومن العبث بالهجو ما روي ان الحطيئة هم بهجاء فلم يجد من يستحقه فقال: أبت شفتاي اليوم الا تكلما فما بسوء فلا أدري لمن أنا قائله ارى بي وجهاً قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله ومن تلك الحكايات ما رواه الجاحظ فقد قال: ما أخجلني قط الا امرأة مرت بي الى صائغ فقالت له: اعمل مثل هذا, فبقيت مبهوتا, ثم سألت الصائغ, فقال: هذه امرأة ارادت ان أعمل لها صورة شيطان, فقلت لا أدري كيف أصوره, فأتت بك الي لأصوره على صورتك. وفي الجاحظ قال أحد الشعراء الخبثاء: لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ماكان الا دون قبح الجاحظ رجل ينوب عن الجحيم بوجهه وهو القذى في عين كل ملاحظ وخطب رجل عظيم الانف امرأة فقال لها: قد عرفت اني رجل كريم المعاشرة, محتمل المكاره, فقالت لا شك في احتمالك المكاره مع حملك هذه الانف اربعين سنة. وقال شاعر في رجل كبير الانف: لك أنف ذو انوف انفت منه الانوف انت في القدس تصلي وهو في البيت يطوف وقد برعت العرب وتفننت وابدعت وزادت في المدح, وهذا أبو نواس قد وفد على الخصيب بمصر فأذن له وعنده الشعراء, فأنشد الشعراء اشعارهم فلما فرغوا قال أبو نواس, أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا, قال: أنشد فأنشده قصيدته التي منها قوله: اذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا فأي فتى بعد الخصيب تزور فتى يشتري الحسن الثناء بماله ويعلم ان الدائرات تدور فما فاته جود ولا ضل دونه ولكن يسير الجود حيث يسير ومدح ابو العتاهية عمرو بن العلاء فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه حتى انه لم يستطع ان يقوم فغار الشعراء منه, فجمعهم وقال: ياللعجب, ما أشد حسد بعضكم لبعض ان احدكم يأتينا لمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره, وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال: أني أمنت من الزمان وصرفه لما علقت من الأمير حبالا لو يستطيع الناس من اجلاله جعلوا له حر الوجوه نعالا ان المطايا تشتكيك لأنها قطعت اليك سباسباً ورمالا فاذا وردت بنا وردت خفائفا واذا صدرن بنا صدرن ثقالا هكذا كان لتلك الثقافة السماعية مدى أرحب للانتشار والالتقاط والتواصل, فكانت القصيدة والحكاية الوسيلة المثلى لرصد وبيان الحالة المعاشة, اما اليوم في زمن المعلومة والتدفق الاعلامي يختلف الحال وتنكشف الحكاية والقصة المختلقة, ويا أيها الزملاء تأكدوا فليس كل ما يقال يكتب وليس كل ما يسمع ينشر!