اكسفورد.. في المطار سيدة إنجليزية بصحبة ابنتها النحيلة جدا.. الصامتة دائما.. جاءت لتصحبني إلى اكسفورد.. عضوة في جمعية ابن عربي.. خلال الطريق تبادلنا الحديث.. إنها إنجليزية صميمة .. وان قالت ان اسمها أثره من الفاي كينج.. ربما جاء أجدادها من الشمال.. تعمل في مكتبة.. تدرس العربية من أجل ابن عربي.. في السيارة شرائط لنادي مولانا جلال الدين.. وأشعار فارسية.. تبدو في خريف العمر.. لكن ملامحها محتفظة بجمال خاص وبها دلال أنثوي.. دعوتها إلى شاي ومضينا إلى سوق صغيرة واشتريت بعض ما يمكن الاحتفاظ به في غرفتي, عسل نحل.. برتقال.. بلح. تقع الغرفة في مبنى جميل.. قديم.. كلية مارجريت هول.. إحدى كليات اكسفورد.. إنها مكان أيضا للإقامة.. حجرتي رقم أربعة.. بها بيانو وتطل على حديقة رائعة.. لكنها بدون دورة مياه أو حمام.. انزعجت في البداية.. لا أقبل الآن فكرة دورة المياه المشتركة غير أنني تعلمت من السجن التكيف مع الحياة أيا كانت.. في المساء وفي الصباح أخذت دشا.. وكنت راضيا. حوالي السابعة جاءت زوجة كريستوفر رايان مدير الجمعية.. صحبتني إلى منزل سيدة إنجليزية.. التقيت بليلى العراقية التي قابلتها في مراكش العام الماضي السيدة عاطفية جدا أيضا.. انها ابنة الشيخ أبو زهرة.. أرسلها إلى هنا لتتعلم ومكثت.. وكان ذلك طبقا لرغبتي.. وهذا غريب! قالت إنها حزينة لأنها لم تكون أسرة.. كانت تود لو أنها أنجبت طفلا.. قالت بأسى (بالتأكيد كنت سأصبح أما عظيمة). لاحظت أن لكل من الحاضرين أسماء عربية.. صاحبة البيت عزيزة.. كريستوفر (رحباني).. جيه (حمية).. كانت الأسماء تبدو غريبة إلى حد ما, جاء رجل من طهران.. كان يلقي الشعر العربي بلهجة فارسية.. أعجمية ولكنها محببة. عند انصرافنا قال (رحباني) انه فيما يبدو وصل فاكس من القاهرة خاص بي.. تعجبت.. ماذا يمكن أن يحدث؟ لقد أرسلوا الفاكس وأنا في الطائرة وهذا معناه أن ثمة شيئا هاما. اتصلنا بالبيت.. طلبت من ماجدة الاتصال بمحمود.. اتضح أنها دعوة عاجلة لزيارة طهران. قاعة مارجريت هول في الطريق إلى المطعم.. ممرات.. ممرات.. على جانبيها حجرات صغيرة.. قبل الكنيسة الملحقة بالمبنى.. جدار نقشت عليه أسماء تسجل الميلاد والوفاة.. وعبارات مثل للذكرى الجميلة.. الجيدة.. فقط مجرد أسماء تشير إلى دور تم أداؤه وحياة كاملة.. لوحات متواضعة.. مجرد إشارات إلى بشر مروا من هنا.. أعني تلك الحياة.. ويخطر ببالي اكتشاف المصريين القدماء لقوة الاسم.. وأن ترويده يعني بقاءه حيا.. ولكن في مثل الأحوال تبدو الإشارة غامضة جدا إلى ما كان (في المؤسسة يتم تخصيص ممر كهذا). ماذا تعني هذه الأسماء بالنسبة لمن لا يعرفها.. في القاهرة اقرأ أسماء الموتى على المقابر مقرونة بالألقاب.. والوظائف التي شغلوها.. ماذا تعني تلك الأسماء بالنسبة لمن يجهلها.. أو بالنسبة لمن يجيئون بعدنا؟ أو بعدهم؟ في الصباح صديقة نورهام.. جميلة.. منسقة.. درجات اللون الأخضر كلها.. أمشي مستنشقا الهواء النقي.. إنجليزيان يرتديان الملابس الرياضية.. يعدوان.. صناديق للقمامة على الجانبين.. فجأة تداهمني موجة قوية من شجن عفي.. نادر.. محوره ابنتي.. أخشى عليها المجهول.. أخشى أن يهاجر شقيقها.. أن تصبح وحيدة.. خاصة بعد ذهابي.. أفكر في الآخرين الذين أصبحوا بمفردهم ليس أشق على النفس من تفرق ذوي القربى وأبناء الرحم الواحد.. والحياة لاتجمع إلا لتفرق وفي هذا المكان النائي.. البعيد.. دعوت الله أن يظلا بمقربة من بعضهما. جوازي.. جوازي وقع المحظور! هذا ما عشت أخشاه منذ ربع قرن.. منذ بدأت أسفاري خارج الديار أن أفقد جواز سفري.. حيث الهوية والكينونة وسائر ما يدل على وجودي. طوال ترحالي أضعه في جيبي جوار القلب.. لا يهمني فقد النقود.. مما يتعلق به أمري جواز السفر.. أضفت إلى جيوبي جيبا داخليا مخصصاً له. أحيانا ارتدي الصديرى البلدي تحت القميص حيث الجيوب عميقة لصيقة.. لا يمكن الوصول إليها إلا بطرحي أرضا والإجهاز علي. بعد أن وصلت البيت مرهقا من الطيران وعبور البوابات الإلكترونية أويت إلى فراشي متعبا.. فوجئت بمحمد ابني يوقظني .. بابا.. أنت نسيت جوازك مع واحد اسمه جورج.. جواز ؟ جورج؟ ما هذا ؟ قال محمد إنه شخص اسمه جورج على الهاتف ويقول إن جواز سفرك معه... تساءلت.. (كم الساعة الآن ؟) (الثالثة صباحا) قمت مضطربا. في هذه اللحظة تذكرت أنني لم أر الجواز بعد عودتي. من عاداتي أن افرغ جيوبي فوق المكتب.. لأتفحصها... في هذه المرة لم افعل. داخلني أيضا حزن ما. إنها علامة سيئة.. أن افقد جوازي.. وبدأ أيضا شعور آخر بالحمد لله والشكر.. أن الجواز بيدي شخص كلف نفسه عناء الاتصال ليلا. قال إن اسمه جورج نسيم.. وانه كان يقف أمامي في طابور السوق الحرة.. وانه اخذ الجواز وعندما فتحه فوجئ أنه جواز شخص آخر.. تذكره على الفور.. إذ كان يتبادل الحديث مع الموظفين.. وكان الجو حاراً والزحام شديدا.. تذكرت أنا أيضا. الحر والزحام وحديثاً متبادلاً مع الموظفين.. أحدهم من جهينة.. بل يمت لي بصلة قرابة عندما مد يده بالجواز أسنده فوق الآلة الحاسبة.. انصرفت بدون أن أتناوله. قال جورج نسيم انه اتصل بدار أخبار اليوم.. لكن زملائي رفضوا اعطاءه رقم البيت وهذا من صميم عملهم.. لكنه عندما قال لهم انها مسألة حيوية جدا قبلوا أن يصلوه بالمنزل.. بدا صوته باسما.. (لا تقلق.. الجواز معي وأنا نازل مصر يوم السبت.. أين تفضل أن نلتقي؟ (من أين تتكلم) قال انه من البتانون.. محافظة المنوفية.. كنت راغبا في الاحتفاظ بخيط صلة يربطني به.. استفسرت عن رقم هاتف .. أملاه علي.. دونته.. شكرته. (تصبح على خير..) طبعا.. تبدد كل أثر للوش.. مضيت أحدق في الليل.. والخواطر تتوالى.. ماذا لو أن الجواز فقد مني في لندن.. في اللحظات الأخيرة قبل سفري؟ ماذا لو أن أجنبيا وجده واحتفظ به؟ كيف أنسى جوازي؟ كيف.. أنا من سيطر عليه الخوف على فقده إلى درجة أن رواية كاملة لي تدور حول فقد الجواز..أعني روايتي (شيطح المدينة) . كنت مشفقا على جوازي أخضر اللون.. مشدودا إليه كيف نفترق؟ الجمعة أتأمل أرقام الهاتف.. أقاوم الرغبة في الاتصال لا أريد أن أبدو وكأنني أتأكد من صحة الرقم.. ان السبت غدا.. بعد ساعات فقط ألتقي بجورج وأسترد الجواز. طوال اليوم يتعمق إحساسي باللوم ومحاسبة النفس وأيضا الراحة لان ما حدث لم يحدث في الخارج! السبت: التاسعة صباحا.. يرن الهاتف يقول جورج انه يتحدث من القاهرة.. لكنه لا يعرف شوارعها جيدا.. قلت على الفور.. (أين تفضل أن نلتقي) أملى علي عنوانا في مدينة المهندسين.. بجوار الفنان فريد شوقي قال ان شقيقه يعمل هناك. لم أجد مشقة في وصولي إلى العنوان عندما رأيت جورج تذكرته على الفور.كان يقف أمامي مباشرة شباب... مصري الملامح..طويل..باسم الوجه..قال أنه يعيش في لارناكا. متزوج هناك منذ عشر سنوات.. كان شقيقه ودودا. راح يحدثني عن رأيه في الصحافة والكتاب الذين يقرأ لهم في الأخبار. كنت أشعر بامتنان عميق لهذا الشاب المصري الذي لم ألتق به قط والذي تكبد مشقة الاتصال بي في عمق الليل من بلدة صغيرة صحيح أنها قرية لكنها تنتمي إلى محافظة أخرى. لم اكن أدري ماذا يمكن أن أقول له. سوى الشكر.. والامتنان للدنيا التي لا تزال بخير. وللحديث صلة