رغم اننا نعيش عصر ثورة المعلومات والاتصالات وتدفق المعلومات الا ان حركة الترجمة في الدول العربية تراجعت في السنوات الاخيرة, ولم يعد في اية دولة عربية اي جهاز او مؤسسة متخصصة في الترجمة والتعريب وخضعت الترجمة للعشوائية ولرغبات المترجمين. وترتبط بالترجمة قضية تدريس العلوم في مدارسنا وجامعاتنا باللغة الاجنبية مما يقلل من استيعاب الطلاب ويضيع جزءا ثمينا من وقتهم ويؤثر في النهاية على هويتهم وانتمائهم لبلادهم. وبالاضافة الى ضعف حركة الترجمة فان المترجمين ينقلون عن الغرب فقط ويهملون الشرق اهمالا تاما رغم وجود اعمال كثيرة تستحق الترجمة. في الحوار التالي مع الدكتور عبدالله سليمان القفاري نائب رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية, نناقش هذه القضية ونتعرف على اسباب تراجع حركة الترجمة الى العربية وسبل النهوض بها. - من الملاحظ ان تيار الترجمة الى العربية عن اللغات الاخرى تراجع في السنوات الاخيرة بدرجة كبيرة.. فما اسباب هذا التراجع؟ وهل ينطبق ذلك على اوضاع الترجمة في المملكة العربية الاسلامية؟ حركة الترجمة والتعريب في الوطن العربي رغم ان هناك حركة تدفق معلوماتي الا انها لم تكن ابدا في المستوى العالمي المعرفي فحركة الترجمة عندنا بطيئة بل هي متعثرة لانها تقوم على جهود مؤسسات صغيرة او دور نشر او أفراد. ولا يوجد في عالمنا العربي جهاز قوي يسيّر حركة الترجمة في اية دولة ويضع لها التشريعات وينظم طرق الحصول على الكتب الجديدة ثم يترجمها الى العربية بالاضافة الى ذلك لا توجد قرارات ملزمة باستخدام اللغة العربية في تدريس العلوم وربما يكون ذلك من الاسباب الرئيسية التي تجعل حركة الترجمة ضعيفة وبطيئة, ورغم وجود تدفق معلوماتي كبير جدا ــ كما ذكرت الا اننا لانزال امة متخلفة في مسألة نقل العلوم وترجمتها ولكن في الفترة الاخيرة عقدت مؤتمرات عديدة تحاول ايجاد حلول لهذه المشكلة واستشفاف اي اتجاه يجب علينا السير فيه؟ واين تكمن المشكلة الاساسية؟ وكيف يمكن تفعيل حركة التعريب والترجمة. اما بالنسبة للملكة فان اوضاع الترجمة لا تختلف عن اوضاعها في الدول العربية الاخرى. غير دقيق - لكن عدد الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث تزايد في المملكة في السنوات الاخيرة, فهل واكب هذا التزايد حركة تعريب وترجمة نشطة؟ في الحقيقة هذا كلام غير دقيق لان عدد الجامعات لم يتزايد في المملكة زيادة كبيرة, فالمملكة كان بها سبعة جامعات ثم وصل العدد الى تسعة جامعات في السنوات الاخيرة بالاضافة الى تزايد الفروع وعدد الكليات التابعة لهذه الجامعات. وهناك محاولات للترجمة والتعريب والكتابة العلمية باللغة العربية.. لكن المملكة في هذا المجال تعاني من نفس المشاكل التي تعاني منها الاقطار العربية الاخرى. فالترجمة تحتاج الى قوة بشرية مؤهلة تستطيع التصدي للترجمة كما تتطلب ايضا وجود جهاز قوى يتبنى قضية الترجمة والتعريب والكتابة العلمية باللغة العربية وهذا متحقق جزئيا وليس كليا. الشعور القومي - في الستينيات كانت توجد في مصر مشروعات كبيرة للترجمة من اللغات المختلفة الى العربية. اما الان فقد اختفت هذه المشروعات وضعفت حركة الترجمة وتكاد تنحصر في الافراد رغم انه كان من المفترض ان تنشط حركة الترجمة في عصر ثورة المعلومات والاتصالات. فلماذا وصلت اوضاع الترجمة الى هذه الدرجة المتدنية من وجهة نظركم؟ ضعف التوجه نحو التعريب والترجمة يعود في اعتقادي الى ضعف الشعور القومي في مصر بالمقارنة بما كان عليه في الخمسينيات والستينيات. كما ان هذا التيار العولمي الجارف الذي يحاول ان يفرض لغة الغالب على المغلوب يكرس اللغات الاجنبية جنبا الى جنب مع اللغة العربية.. بل هناك الان محاولات للتغريب وليس للتعريب. ومن ناحية اخرى ادى ضعف السياسات القومية في مصر الى ضعف الترجمة. كما تعاني الدول العربية من تخلف في مجال ربط قضايا التعريب بالتنمية, فلا يوجد شعور عام قوي يؤمن بان التعليم يضعف عندما يكون التدريس بلغات اجنبية وبالتالي يضعف الاستيعاب وتضعف التنمية. واعتقد ان المشكلة الاساسية الان تتمثل في عدم وضوح الرؤية بحيث يكرس التعريب كخيار استراتيجي لابد منه, وهذا التكريس لابد ان يتأتى من خلال مسألتين: اولا: تزكية الشعور القومي بأهمية الاتكاء على اللغة الام في التعليم والادارة. ثانيا: ربط المجتمع باللغة بحيث يكون المستقبل والتنمية مرتبطان باللغة لانه اذا شعر الانسان بالانفصام بين لغته وبين سوق العمل فسوف يغيب تكافوء الفرص وسيحدث شرخاً اجتماعياً. وستكون هناك طبقية شديدة, وهذا ما تعانيه بعض الدول العربية. سوق الترجمة - يقال انه مع ضعف الاتجاه الى الترجمة والتعريب قلّت اعداد المترجمين الراغبين في نقل الاعمال الاجنبية الجيدة الى العربية وضعف مستواهم, فهل هذا صحيح؟ هذا شيء مؤكد لان المترجم مثل السوق فعندما يتوفر سوق جيد وتتوفر فرص عمل مناسبة فسوف يتحسن سوق الترجمة اما عندما يضعف هذا السوق فسوف ينصرف الناس الى فرص يرونها اجدى لهم من الناحية الاقتصادية.. وبالاضافة الى ذلك فان الترجمة لا يفيد فيها عمل الافراد والمؤسسات الصغيرة, وانما لابد ان تكون هناك مؤسسات قوية تستطيع ان تدفع بسخاء للمترجم وان تدربه وتعده اعداداً جيداً وان تتحمل مسؤوليته في الترجمة والنقل. سيطرة الغالب - ايضا هناك ظاهرة اخرى تتعلق باقتصار الترجمة الى العربية عن الغرب واهمال الترجمة عن الشرق, فلماذا اتجه العالم العربي الى الغرب وأهمل الشرق؟ لان هناك غلبة للغرب في كل مجالات الحياة, فالعالم الغربي تقدم واستطاع ايجاد حلول لمشاكل العالم وتصارعت فيه العلوم, وهذه اسباب طبيعية تجعل دول العالم كلها تتجه الى الغرب يأخذون عنه.. لكن هذا لا يعني ان تتراجع اللغة القومية او ألا يكون هناك احساس بالمشكلة ونوع من تصحيح الخطوات والبحث عن الاسباب الحقيقية التي تكمن وراء المشكلة لمعرفة اسباب تخلفنا. وهل التخلف مرتبط باللغة ام ليس له علاقة بها؟ وهل من الممكن ان نحقق تقدما وتنمية من خلال استخدام لغة اجنبية والتدريس بها؟ هذا هو السؤال المهم الذي يجب ان يطرح. اما الغرب فسوف نظل في حاجة اليه واعتقد اننا لن نضيف جديدا في السنوات القليلة المقبلة, لكن ينبغي ان ننقل امهات الكتب الغربية الى العربية, وان نتابع الابحاث والدراسات الجديدة, وان تكون هناك مجلات عربية متخصصة مثلما هو الحال في الدول المتقدمة. فعلى سبيل المثال اسرائيل هذا الشتات المجمع من دول كثيرة ويتكلم بلغات متعددة, صهرت جميع السكان باللغة العبرية. وهناك مراكز متخصصة تترجم علوم الغرب الى العبرية, واصبحت العبرية لغة علم وتعلم. عالة على الغرب - لكن الصورة ليست بهذه القتامة, فهناك اعمال عربية تترجم الى اللغات الاجنبية المختلفة؟ هذه الاعمال محدودة ومرتبطة بالادب والعلوم الانسانية او بالابداع الادبي والفني بصفة عامة, لكن الغرب لا ينقل العلوم عنا, فنحن عالة على الغرب في المجالات العلمية وبالتالي يجب الا نضحك على انفسنا ونقول ان الغرب يأخذ عنا, حتى وان كان هناك مستشرقون استفادوا ومازالوا يستفيدون من تراثنا, حتى وان كان الغرب ايضا حريصا على نقل بعض الابداعات لأدباء وكتّاب عرب. - هل معنى ذلك انكم تعتقدون ان التخلف التكنولوجي يؤدي الى تخلف اللغة؟ نعم لان التخلف التكنولوجي قضية السيطرة عليها غير ممكنة, لكنني اتساءل: هل اذا علّمنا بالعربية ونقلنا العلوم الى العربية سينعكس ذلك على تعاملنا مع الادوات التقنية بطريقة افضل وبتوظيف ممتاز ثم يمكننا الاضافة الى ما ابدعه الاخرون, ام ان العملية ستكون مجرد تحصيل حاصل؟ وعلينا ان ندرك اننا عندما نعلّم بلغات اجنبية ونهمل لغتنا العربية, فانه سيحدث انفصال بين التفكير وبين لغة العلم, فالعامل الذي يعمل على آلة اذا لم يعرف اسرارها ودقائقها بلغته الام, فانه لن يستطيع ان يقوم بصيانتها بطريقة جيدة, ولن يستطيع ان يقرأ الكتالوج بطريقة مناسبة, ولن يستطيع توظيفها او استخدامها بطريقة جيدة, ولن يستطيع تطويرها في المستقبل, فنقل التقنية معناه استيعاب التقنية وهضمها ثم محاولة توطينها وتوظيفها لخدمة بلادنا بطريقة افضل وتطويرها ايضا. هل هذا يمكن ان يتم بلغة اجنبية؟ كل الشواهد التاريخية تؤكد ان الامم التي التزمت بلغتها القومية ونقلت العلوم اليها استطاعت ان تتطور وان تقدم خيارات حضارية. المستقبل - هل معنى ذلك ان اللغات الاجنبية اذا استخدمت في التدريس تؤثر على هوية الانسان بالسلب؟ هي لا تؤثر على الهوية فقط فالقضية ليست قضية قومية وعزة وكرامة وانما هي قضية مستقبل, هذه القضية يجب ان تثار على الرأي العام وان يفهم ان هذه اللغة تمثل مستقبله, وان الاهتمام باللغة القومية وجعلها جزء من حياته ومندمجة في حياة الناس هي المستقبل الحقيقي أما ان نتكلم بلغة هي خليط فلا هي لغة عربية ولا هي لغة انجليزية او فرنسية وندرس بها فاننا عندئذ سوف نخرج اجيالا ممسوخة الثقافة والتصورات.. بالاضافة الى اننا سوف نضيع وقتا طويلا في عملية النقل داخل العقل والترجمة الى العربية وكذلك في التفكير بلغة مختلفة ثم محاولة التعبير بلغة اخرى وكل الدراسات التي اجريت لقياس استيعاب الطلاب باللغة العربية اثبتت ان مستوى الذين تعلموا بالعربية مستواهم افضل بكثير من الذين تلقوا علومهم بلغة اجنبية. - في مجال الطب لايزال كثير من الاساتذة العرب يفضلون تدريسه بالانجليزية؟ هؤلاء يفضلون الانجليزية لانهم تعلموا بها لكنني اعتقد ان الاستاذ العاجز عن التعبير بالعربية كاره لها ولاستخدامها في التعليم وهذه مسألة بديهية. واذا رغب هؤلاء في تعريب الطب فسوف يتم التعريب ولعل افضل تجربة يمكن الاستشهاد بها في هذا المجال هي تعريب الطب في سوريا. القاهرة ــ البيان ــ أحمد عطية