قارىء (الملف السياسي) الذي يوزع مع (البيان) يوم غد الجمعة سيفتقد فيه زاوية ثابتة لم يتوقف صاحبها طوال عمر الملف وعمر (البيان) عن الكتابة الا في حالات نادرة, فغيابه ولو لشهر او اسبوع كان يعد من (المستحيلات). هذا الاسبوع غابت صفحة(وراء الاحداث)وغاب كاتبها مصطفى كمال . لسبب وحيد اكبر من الاجازة او الاستراحة القصيرة او الراحة من هم الكتابة, فالكتابة عند الاستاذ مصطفى هي الاجازة والاستراحة وهي العشق والحياة. السبب هو المرض الشديد الذي فرض عليه ان يحبس في المستشفى وان يرفع قلمه وهذا ألم اشد من وجع المرض عنده. عندما دخلت (البيان) قبل عشرة اعوام كان مصطفى كمال فيها قطبا كبيرا وكانت بصمته قوية وثابتة على صفحات الجريدة البرتقالية لانها كانت بصمة يومية تتواجد في اهم صفحة, وهي الصفحة الاولى وفي اهم زاوية فيها التي هي (رأي البيان) وايضا يتواجد مصطفى كمال في الصفحات الداخلية في الترجمات او صفحة الكتاب او الشؤون السياسية وله موعد ثابت في الصفحة الاخيرة كل ثلاثاء في زاوية (الى اللقاء) التي كان يوقعها بحرفين (ميم كاف) وكان الكاتب الوحيد المسموح له باستمرار التوقيع بالحروف على مقالاته, وفي الملف السياسي الذي ساهم في تأسيسه واشرف عليه طوال السنوات الماضية. الذي لا يعرفه قراء مصطفى كمال عنه انه في داخل الجريدة كان جلادا لا يرحم (!) الا ان قسوته وحدته كانت خوفا على جريدته وعلى القراء. فكان مقرر اجتماع مجلس التحرير, وكانت مهمته اليومية تقييم الجريدة وكان لا يجامل في هذا الدور الرقابي, يقول ما عليه بصوت مرتفع منتقدا الخطأ او التقصير الا انه بعد الاجتماع صديق الجميع. واكثر الذين عاداهم مصطفى كمال وخافوا منه كثيرا وطويلا هم قسم التصحيح, فكان يحضر جريدة كل يوم وعليها دوائر حمراء في مختلف الصفحات من كثرة دقته وبحثه عن الاخطاء, وما ان ينتهى الاجتماع الصباحي الا وتبدأ مهمة البحث في اصول الموضوعات والنظر في الاخطاء والمتسبب فيها. تجربته الطويلة في العمل السياسي وفي صناعة الصحافة جعلته مرجعا في التعامل مع الاحداث كأخبار واولوياتها في رسم الصفحة الاولى او ترتيبها واهميتها في الصفحات الداخلية, فكان محللا ومرجعا في هذا الجانب الا ان الميدان الذي تخصص فيه واعطى فيه اكثر هو عالم الترجمة, اتقانه لهذه الصنعة جعله من الرواد العرب القلائل الذين يشهد لهم ويشار اليهم كأساتذة في فن الترجمة. وابداعه في هذا العلم عكسه في (البيان) فتميزت منذ بداية صدورها في اهتمامها بالترجمات وتوفيقها في اختياراتها للموضوعات او الكتب التي كانت تطرحها في هذا الجانب. وايضا بفضل الترجمة ملكت (البيان) ان تكون رائدة محليا وعلى المستوى العربي في اصدار سلسلة من الكتب العالمية الهامة تحت مسمى (كتاب البيان) وكان مصطفى كمال احد الاوائل الذين صدر لهم اكثر من خمسة كتب في هذه السلسلة ابرزها (جواسيس في بلاد العرب) و(جحا آخر الفرسان) . قد يكون الدرس الاهم الذي تعلمته من هذا الاستاذ هو تقديس العمل الذي يتطلب الحب والاحترام والالتزام, فمصطفى كمال كان يتواجد صباحا ومساء في جريدته وكان يكتب لها كل يوم دون ملل او شكوى من ارهاق, وكتابته حافظت على ذات العمق والتركيز والجمالية, عندما كان فيها في ربيع العمر, او حتى عندما غادرها في خريفه وظل متواصلا معها. حافظ على التزامه في منهجه الفكري وكذلك في مواعيده, يعرف الزملاء ان الصفحة الوحيدة التي ستصل في اليوم والساعة واقول الدقيقة المحددة لها هي صفحة مصطفى كمال, ويعرف الزملاء ايضا ان الوحيد الذي ينقذهم في ترجمة كتاب هم في استعجال على نشره هو ايضا, مع انه بعيد عنهم من حيث المكان. مصطفى كمال من الجيل الذي لا يعوض ابدا... شفاه الله. * * * انتهيت من كتابة هذه الزاوية في الخامسة من مساء امس... بعد ساعة, جاء زميل ليقول: (مات مصطفى كمال) !! صدمة الخبر, لم تترك لي مجالا للكلام... للكتابة سعيد حمدان