بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده الثاني والثمانين توقف الشاعر والفيلسوف الالماني الكبير جوته ليشير بيده الى المكان الذي كتب فيه قبل 51 عاماً ابياتاً من قصيدة قديمة له على نافذة إحدى الغرف الصغيرة تقول : العصافير الصغيرة تقف صامتة في الغابة وما عليك سوى الانتظار فأنت أيضا ستستريح قريباً كان ذلك في العام 1831 في بلدة »فايمر« الالمانية الشهيرة التي قضى فيها جوته قرابة الثلاثين عاماً من حياته الحافلة بالانتاج الفكري والادبي وكانت المناسبة الاحتفال الاخير بهذا الفيلسوف الكبير. لا يمكن أن يذكر اسم المانيا دون ان نعرج على مسألة التجديد الادبي والحركة الرومانتيكية على وجه الخصوص ولايمكن الحديث عن هذه الحركة الادبية الاوروبية دون ذكر واسم رائدها وفيلسوفها الالماني الشهير جوته الذي يعني اسمه الكثير في تاريخ الادب الالماني. فقد اشتغل بالشعر والرواية والمسرح والموسيقى والفلسفة والكثير مما خلدته أعماله الادبية التي شكلت منذ بداياتها الارهاص الاول لما عرف فيما بعد بحركة »العاصفة والضغط«، التي قامت على اساسها الحركة الرومانتيكية الادبية في المانيا وفي كل انحاء اوروبا، اضافة الى تلك التجربة الانسانية الفريدة التي يعد جوته بسببها علامة هامة في تاريخ الصراع الانساني الطويل لاسيما وانه كان شاهدا على تلك التطورات الاجتماعية والفكرية التي تميزت بها المرحلة الاخيرة من القرن الثامن عشر وهي الفترة ذاتها التي انطلقت فيها الثورة الصناعية الكبرى في أوروبا. وان أحداً لاينكر على جوته تواصله الفكري الانساني المميز مع الثقافات الاخرى واطلاعه على تراثها الثقافي والفكري بدءاً بالثقافات الاوروبية ثم الاسلامية والعربية. جون ولفجانج فون جوته، إرث الماني، انساني ضخم لايكاد احد يصدق بأن رياح التغيير التي يشهدها عالمنا هذه الايام، بدأت تذروه وهو الامر الذي لا يخلو من التحدي. ولد جوته في مدينة فرانكفورت الالمانية عام 1749 في منزل لم يتبق منه بعد الغارات التي شنها الحلفاء على المانيا اثناء الحرب العالمية الثانية سوى بضع عتبات وبعض مخابىء وبعض من الاعمال الادبية المحفوظة التي طالها النسيان. وفي هذه المدينة ايضا يمكن للمرء ان يشاهد تلك الاماكن التي استلهم جوته من خلال وجوده فيها أو تردده عليها افكار رائعته الشهيرة »فاوست«، كما تنقل بين عدة مدن المانية اشهرها مدينة ستراسبرج التي درس فيها القانون والموسيقى والفن وعلم التشريح والكيمياء، غير ان هذه المدينة تمثل ايضا مرحلة هامة من مراحل حياته الادبية الحافلة، حيث ارتباطه بشخصيات كان لها أثر كبير في حياته العملية، أولها »فريدريك بريون« المرأة »الانثى« كما كان يراها هو والتي ظهرت في العديد من اعماله الفنية، والشخصية الاخرى هي الفيلسوف والناقد الالماني الشهير »جون هيرد« الذي ورث عنه جوته تلك الحساسية الشديدة للقيم الجمالية في الشعر الفولوكلوري وفن العماره اللذين استلهم منهما عبقريته الادبية الفذة. بعد عودته الى فرانكفورت في عام 1774 كتب جوته رائعته الادبية الشهيرة »آلام فارتر الصغيرة« وهي رواية عاطفية كانت تحمل هموم وصدق تجربته العاطفية الفاشلة التي غادر على اثرها فرانكفورت ولم يعد اليها ثانية. وكانت بلدة »فايمر« الصغيرة هي القبلة التي فتحت له آفاقا جديدة أخرى اضافت الى تجربته الكثير من البعد الانساني، توجه جوته الى تلك البلدة الالمانية التي اشتهرت في آنذاك بكونها أحد المراكز الثقافية والادبية في المانيا بدعوة من حاكمها حيث بدأ بكتابة مسرحياته الشهيرة »اجمونت« وجزء آخر من مسرحيته »فاوست« ليغادر بعدها ويمر متوجها الى ايطاليا في رحلة طويلة استمر خلالها في دراسته للفنون والعمارة والادب اليوناني والروماني القديم وادب عصر النهضة. وكان قد عكف في هذه الاثناء على الكتابة المسرحية وصدرت له عدة مؤلفات منها مسرحية »تركواتو تاسو« سنة 1790 التي كانت تنتمي في جملتها الى الادب الكلاسيكي الذي قام جوته بنقله الى المانيا في تلك المرحلة من مراحل حياته الادبية. عاد جوته الى »فايمر« سنة 1788 لكن نظرياته الادبية الجديدة لم تلق الترحيب في أوساطها الثقافية في ذلك الوقت، وهي المرحلة ذاتها التي بذل فيها جوته جهداً كبيراً في الدفاع عن معتقداته الفكرية وقد استوحى ذلك من تشجيع بعض أصدقائه من الكتاب والنقاد الكلاسيكيين امثال »فريدريك شيلر«، كما انها كانت المرحلة التي شهدت أعظم انتاجه الادبي لاسيما رائعته الشهيرة فاوست التي استأنف كتابة جزئها الاخير سنة 1832 وهي العمل الذي يجسد الهم الانساني الكبير في اطاره الذاتي الخاص الذي لا ينقص من قيمته ابداً. اما الان وبعد مضي قرون على وفاة شاعرها وفيلسوفها الكبير فان الامر لايخلو من تحدٍ كبير بالنسبة لبلد شهد مولد أعظم ابنائه، لكن اسمه بات يتصدر الحملات الدعائية التسويقية، وصارت تحمله معظم الاماكن التي لاتمت اليه بصلة، ولم يعد بمقدور أحد هناك القول بأن الباقي والذي لم يكتشفه ابناء الشعب الالماني من آثار شاعرهم الكبير قد دمرته غارات الحلفاء والحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة أو قنابل النازيين والانظمة الأخرى المناوئه لبلادهم تلك التي لم تترك منه شيئا، لان الحقيقة كلها تكمن في إهماله بدءاً بالاماكن التي شهدت ولادته وانتهاء بالاماكن الهامة التي شهدت ولادة اعظم ما خلفه من نتاجاته الادبية والفكرية مثل بلدة »فايمر« التي لم ينتبه اليها احد قبل عامين، وهي المكان الذي يحتوي على الجزء الاكبر من هذا الارث، والسؤال المطروح الآن هل ان جوته بات يشغل ابناء الشعب الالماني اليوم كما يشغل الشاعر الروسي بوشكين اهل بلده؟ إعداد ـ مريم جمعة فرج