في احدى الجلسات الخاصة دار نقاش طويل حول مفهوم الامن والامان في البلدان النامية، وهل الامن مفهوم ينطبق على البلاد ام الافراد؟! فاتفق جميع الحضور ان امن البلاد اهم بكثير من امن الفرد، لان امن البلاد يعني امن المجتمع وهو الغطاء الذي يندرج تحته الفرد، ومهما كان شأنه فانه آمن ضمن المجتمع ما دام الامن موجودا فيه... وتساءل احد الاخوة الحضور وهو عربي الجنسية بشيء من التعجب: اني ارى في بلدكم الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين يقودون سياراتهم بأنفسهم دون سائقين او رجال امن اللهم الا بعض المقربين منهم، واكثر من ذلك فقد شاهدتهم يتجولون داخل المدينة وفي اماكن عامة... وكان ردنا جميعاً بأن هذا الامر طبيعي جداً بالنسبة لنا وهكذا عاش من قبل آباؤهم واجدادهم. فأجاب: لكن الزمن تغير، ونحن نعيش في عصر مختلف عما كان عليه اسلافنا... واستمر قائلاً: في بعض البلدان النامية تجد جميع رجالات الدولة صغاراً كانوا ام كباراً لا يتحركون بدون حراسة اما في بعض بلداننا العربية فان كل ضابط برتبة عقيد يحرصه عشرة رجال من الامن، ونفس العدد لحراسة عائلته وبيته، واحياناً حتى الشارع الذي يسكن فيه... اهو احساس بعدم الامان ام انها موضة العصر؟ تخيلوا معي قد يكون ربع سكان هذا البلد رجال أمن يسهرون على امن هؤلاء المسؤولين، اذن بالله عليكم من يسهر على امن البلاد!! ** وتواصل الحديث فحكى زميل آخر لنا موقفاً مر عليه حين دعي الى احدى الدول لحضور مؤتمر دولي فقال: وانا في طريقي من مقر اقامتي الى مكان انعقاد المؤتمر، استغربت من الزحمة الشديدة التي كانت في الطريق وفي هذا الوقت المبكر وتواجد اعداد كبيرة من الشرطة ورجال الامن على امتداد الشارع يأمرون سائقي السيارات بالتوقف لان هناك موكباً لشخصية مهمة سوف يمر من هذا الطريق بعد قليل... ويتابع زميلنا حديثه قائلاً: طال انتظارنا وخشيت ان اصل متأخراً في اول يوم من ايام الاجتماع واتهم كعربي بالاستهتار وعدم الدقة في المواعيد، لكني قلت ربما يكون هذا الموكب لضيف كبير. وربما الجميع على علم بذلك وسوف يتأخرون ايضا، اذن عذري معي... وبدأ الموكب الرسمي يمر امامنا فسألت احد الواقفين من هو هذا الضيف؟ قال انه ليس ضيفاً، انه معالي وزير »...« في طريقه الى مكتبه... قلت في نفسي بعد ان ملأني العجب: ايحتاج رجل عادي جعلته الايام وزيراً الى كل هذه الرسميات، ويتسبب في تعطيل حركة السير والاضرار بمصالح الناس!! ترى من اعطاه هذا الحق؟! اليس من المفترض ان يكون قدوة للآخرين! هكذا يقاس الامن في بعض الدول. وينظر الى ان امن الفرد هو جزء من امن المجتمع... وفي سياق الحديث نفسه تابع زميل آخر موقفا آخر فقال: اني اعجب من بعض الدول التي تولي اهتماماً بالغاً بأمن الفرد، وتجعل كل من يزورها يشعر بعدم الامان عوضاً عن العكس، وهذا ما حصل لي في احدى الدول حيث كانت في استقبالي منذ وصولي سيارتان واحدة لتنقلاتي والاخرى رجال امن لحراستي، وحاولت اقناعهم بعدم لزوم ذلك لكنهم ابوا وقالوا انها الاوامر!! وعند وصولي الى الفندق قلت في نفسي انهم بكل تأكيد سيصرفون النظر عن الحراسة بعد ان اطمئنوا لوصولي الفندق، وعلى الفور شكرتهم وطلبت منهم الانصراف على ان ادعوهم في حالة الضرورة... وبعدما ارتحت قليلاً قررت ان انزل الى صالة الرياضة، وبينما انا متجه اليها لفت انتباهي شخصان غريبان يتبعاني في كل خطواتي بشكل مريب حتى داخلني الشك في امرهم، وتندمت لاني لم اسمح لرجال الامن بالبقاء معي ظناً مني بأنهم كانوا على حق... ذهبت بسرعة ناحية الاستقبال وطلبت من الموظف ان يستفسر عن امرهم فقال لي: انهم من رجال الامن وهم هنا للاطمئنان على سلامتك!! ولانه لم يكن لي بد الا القبول بهذا الامر الذي لا مفر منه حاولت ان اتجاهل وجودهم طوال مدة اقامتي لسبب واحد وهو خشية ان اتعود على ذلك واستخدم مجموعة من الـ »Body Gard« عند رجوعي الى بلادي!!