لقد اتضح بالامس ان مجلس وزرائنا الموقر ليس لديه المعلومات الكافية عن أوضاعنا السكانية, وان مجلسنا الوطني الاتحادي جاهل بأمور التركيبة السكانية , وان اخوتنا واخواتنا من اساتذة الاقتصاد والاجتماع والسياسة والقانون في جامعة الامارات هم مجموعة من المتخلفين عقليا الذين لا يفكون الخط, وان اخوتنا واخواتنا من الكتاب والصحافيين واصحاب الاقلام والمهتمين بالشؤون الوطنية هم مجموعة من السذج والبلهاء الذين لا يعرفون الهر من البر, وان اغلبية المواطنين في دولة الامارات هم من المجانين الذين يجب ان يودعوا في مستشفى الامراض العقلية!! من يا ترى اكتشف هذه الحقائق الجديدة؟ انه الكاتب (محمد خليفة) الذي كتب بالامس في جريدة (البيان) مقالة عنوانها (عفوا سعادة اللواء..) يرد فيها على مقالة للواء ضاحي خلفان كتبها حول مشاكل التركيبة السكانية في الامارات. محمد خليفة يذكر في مقالته ما معناه ان مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي وابناء الامارات من اساتذة الاقتصاد والاجتماع والسياسة والقانون ومن الكتاب والصحافيين والمحللين واصحاب الاقلام والمهتمين بالشؤون الوطنية واغلبية المواطنين في دولة الامارات, كل هؤلاء المواطنين في مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية مصابون بالوهم الجماعي, والوهم مرض نفسي, واصابتنا الجماعية بهذا المرض الخطير جعلتنا نعتقد بأمور لا وجود حقيقي لها, اي انها لا توجد على ارض الواقع ولكنها توجد في اذهاننا المريضة فقط, وهذا المرض النفسي الخطير الذي اصابنا هو (وهم الخلل في التركيبة السكانية) فتركيبتنا السكانية كما يفهم من كلام محمد خليفة ممتازة, والارقام التي ظهرت في آخر احصاء سكاني في عام 1995 والارقام الاحصائية التي تبعتها والتي تذكر ان المواطنين اقل من 20% من سكان الامارات ويتناقصون باستمرار هي ارقام خاطئة, فنحن اكثر من 90% من السكان مثل المانيا بالضبط! ولا يوجد اي تهديد لهويتنا الوطنية فلغتنا العربية يتكلمها بطلاقة معظم الوافدين وكل المؤسسات التجارية والخاصة الاجنبية عندنا توثق اعمالها باللغة العربية الفصحى, وتطلب من الموظف المتقدم لشغل وظيفة عندها ان يكون حافظا لألفية ابن مالك! والمربيات الآسيويات يحرصن على ان يجعلن اطفالنا يحفظون المعلقات وقصائد المتنبي ومقامات الحريري! والجانب الاقتصادي من الخلل في تركيبتنا السكانية كما يفهم من كلام محمد خليفة هو أيضا وهم لا وجود له, فتجارة الذهب والمجوهرات والالكترونيات والاقمشة والملابس الجاهزة والكمبيوترات والمواد الغذائية والكماليات.. الخ كلها في أيادي التجار المواطنين والتاجر الوافد اذا اراد التسلل اليها فسوف يبوء بالخسران وذلك لتكاتف التجار المواطنين المسيطرين على تلك القطاعات الاقتصادية المهمة, وكذلك الامر في أسواق الاسماك واللحوم والخضروات والفواكه التي يديرها ويعمل فيها أبناء المواطنين, بل حتى أولئك الذين يبيعون السجاد الرخيص في الطرق الجبلية هم في الحقيقة مواطنون ولكنهم يلبسون أزياء آسيوية لزوم جذب السواح فقط لا غير! والجانب الأمني من الخلل في تركيبتنا السكانية كما يفهم من كلام محمد خليفة هو أيضا خرافة لا وجود حقيقي لها, فلا يوجد في الامارات تجارة للمخدرات يجلبها بعض الوافدين, فهم يحضرون معهم حلاوة (راحة الحلقوم) ولكن ما ان يلمسها شبابنا حتى تتحول إلى مخدرات قاتلة, وهذا ليس ذنب المهرب الوافد بل ذنب الشاب المواطن! كما لا يوجد في الامارات شبكات تجارة رقيق أبيض يديرها مجرمون وافدون وجلبت لنا ولبلادنا الأمراض والعار والسمعة السيئة خليجيا وعربيا وعالميا بل ان تلك النساء الوافدات هن من الراهبات الناسكات العابدات, وحتى إذا ارتكبن هفوات قانونية بسيطة فيجب عدم ترحيلهن من أراضي الامارات لان ذلك سيؤثر بشكل سلبي على سمعتنا في مجال حقوق الإنسان, ومن منكم بلا خطيئة فليرجمهن بحجر! ولا توجد أيضا جرائم غسيل للأموال السوداء التي يجلبها المجرمون الوافدون إلى الامارات! وكل تقاريرنا الأمنية المحلية وكل التقارير الأمنية العالمية التي تورد أبعاد هذه الجريمة ما هي إلا ظلم وافتراء بحق أناس أجانب مساكين أحضروا أموال الصدقات والزكاة ليوزعوها علينا في دولة الامارات! والكلام عن مشكلة (غرس الجذور) للوافدين في وطننا كما يفهم من كلام محمد خليفة هو وهم وعنصرية, فلا يوجد مشكلة في هذا الصدد إذ يجب الاعتماد على الكفاءة بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العرق وبالتالي ما دام الوافدون الآسيويون هم الكفاءة الانتاجية في الامارات فلماذا لا نعطي مليون ونصف مليون آسيوي الجنسية الاماراتية مثلما فعلت ألمانيا عندما أعطت الجنسية الألمانية مؤخرا لنصف مليون تركي مقيمين عندها فنثبت أننا متسامحون وبعيدون عن أفكار التعصب والعنصرية وندخل القرن المقبل بكفاءات ممتازة أفضل من كفاءات أبناء الامارات الأصليين المتخلفين!! وبما ان الاعتراف بالخطأ فضيلة فمتابعة لمنطق محمد خليفة يجب على مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي وقادة الأمن ومفكري الاستراتيجية وأساتذة الاقتصاد والاجتماع والسياسة والقانون في جامعة الامارات والكتاب والمحللين وأصحاب الأقلام والمهتمين بالشؤون الوطنية ومعظم المواطنين الذين شكلوا اللجان, وكتبوا الدراسات, وألفوا الأبحاث, ودبجوا المقالات, وخافوا على وطنهم وعلى مستقبل أبناء وطنهم, يجب عليهم جميعا أن يحلوا لجانهم, ويمزقوا دراساتهم, ويرموا بأبحاثهم في سلال المهملات, ويكسروا أقلامهم لان محمد خليفة شرح لهم انه لا توجد مشكلة اسمها مشكلة الخلل في تركيبتنا السكانية, وانهم مصابون بمرض نفسي هو (وهم الخلل في التركيبة السكانية) , وهم بالتالي محتاجون إلى علاج نفسي جماعي يشفيهم من هذا الوهم, ويثبت لهم الحقائق التي اتضحت لمحمد خليفة وخفيت عنهم جميعا وهي اننا أكثرية سكانية في وطننا, واننا متحكمون في اقتصادنا, وان جرائم الخلل في التركيبة السكانية لا وجود لها, وانه لا تهديد لهويتنا الوطنية, وانه لا غرس لجذور الوافدين الاسيويين عندنا, وانه لا خطر علي سيادتنا الوطنية, وهذا العلاج النفسي في مصحة محمد خليفة ستطول مدته لانه ما ان نخرج من جلسة العلاج ونشاهد الشارع الاماراتي المكتظ بالوافدين الاسيويين وغيرهم حتى نعود للكلام في خلل التركيبة السكانية فيعيدنا محمد خليفة مرة اخرى إلى مصحته لجلسة علاج جديدة ربما يستخدم لنا فيها اسلوب الصدمات الكهربائية ليشفينا من اوهامنا الوطنية! لقد حاولت بعد قراءتي مقالة محمد خليفة ان ارد عليه بأسلوب جدي فلم اقدر لان كل ما ذكره يدعوا للسخرية فلا توجد احصاءات ولا ارقام ولا مقارنات ولا نقاش جدي ولا تحليل عميق, وملخص مقالته أو رده يمكن ايراده في نقطتين: الاولى أنه لا توجد مشكلة خلل سكاني في الامارات والوافدون في نظره كما تقول العجائز الساذجات: (فايدينا يالغالي)!, الثاني: ان الاجراءات القانونية الموجودة حاليا في الامارات كفيلة وكافية بحمايتنا من اي خلل سكاني! وكل اجراءات جديدة مقترحة سوف تؤثر في سمعتنا الحضارية والتسامح الذي عرفنا به منذ القدم وفي دخولنا لتيار العولمة العصري!! وبالتالي فان الطقس ربيع والجو بديع وقفل على كل المواضيع كما يقول اخوتنا المصريون. اتصل بي احد الاخوة المسؤولين بعد نشر احدى مقالاتي السابقة عن خلل التركيبة السكانية وقال متحمسا: ان الجميع يعرف خطر الكارثة السكانية الذي جلبناه إلى بلادنا, فلماذا تكتبون في شرح تفاصيله الامنية والاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية, يكفي ان ينزل الانسان إلى الشارع في اي مدينة من مدن الامارات ليرى بعينيه على الواقع ابعاد تلك الكارثة, المطلوب ان تكتبوا عن الحلول التفصيلية لارجاع مليوني وافد من المليونين وستمائة ألف المقيمين في بلادنا إلى بلادهم فيبقي ستمائة الف مساوين تقريبا للمواطنين الذي يبلغ عددهم ستمائة الف فنصبح على الاقل 50% من عدد السكان الاجمالي. فقلت له ان هنالك من ابناء الامارات من يجهل ابعاد خطر التركيبة السكانية وهؤلاء يحتاجون إلى توعية فقال: اذا كان هنالك من لا يعرف خطر الخلل في تركيبتنا السكانية فهو انسان جاهل لا يجب ان نهتم به. والواضح ان هنالك اصواتا مرتاحة مطمئنة في ابراج عاجية ومبان عالية بعيدة عن ضجيج الشارع وهموم المواطن وهي تتحدث وتكتب باستفاضة انشائية غريبة عن عدم وجود خطر في تركيبتنا السكانية, وهم كما قال احد علماء الاسلام: (ليس المصيبة جهل الجاهل الذي يجهل ويعلم انه يجهل, ولكن المصيبة جهل من يجهل ويجهل انه يجهل) , وقانا الله والقراء الكرام من مصيبة الجهل المركب.