لأن الرواية تكون شاهدا على أحداث مرحلتها بكل مشاكلها وتبدلاتها، سنتابع في هذه المقالة تحليل بعض الروايات بما حفلت به من توقعات وتعبير عن تحولات اجتماعية وسكانية كانت البداية لما تلاها. تجري أحداث رواية »شاهندة« في قرية مقفرة على ضفاف الخليج العربي، وهي قرية »الحيرة« الاماراتية تحديدا، وقد كان سكانها يعملون في التجارة ويجلبون الغذاء من الهند، ولكن الحرب تقطع تجارتهم فيعانون من شظف العيش، وتتحول القرية التي كانت عرضة للرياح والعواصف الرملية »الى قبور في داخلها أناس أنصاف موتى أو أنصاف أحياء« على حد تعبير الكاتب. وأول من نقابله من سكان هذه القرية هو »سالم« النخاس وصديقه »محمد« اللذان نراهما يبحثان ليلاً في مقبرة القرية عن أكفان الموتى كي يبيعانها ويشتريا طحيناً وملحاً يسد رمقهما، ولكنهما لا يجدان هذه الأكفان، لأن اللصوص سبقاهما اليها. وحينئذ ينخرط »محمد« في البكاء برما بهذه الحياة التي تفرض عليه أن يسرق أكفان الموتى حتى يعيش، أما »سالم« فإنه يقاوم ضعفه فيرفض الموت جوعا آليا على نفسه الا يعود الى كوخه الا بصيد، »ابتداء من الكفن الى الانسان« ولهذا نراه يلقي بجسمه في مياه الخليج التي كانت أمواجها »تعوي كالذئاب« ويسبح حتى ينتهي الى جزيرة صخرية، حيث يقضي ليلته، وفي الصباح يفاجأ بوجود عائلة غريبة تتألف من أب وزوجة وبنت، وهم »شهداد« وزوجته وابنته »شاهندة« بطلة هذه الرواية، الذين غادروا موطنهم في الساحل الآخر من الخليج على متن مركب سعيا وراء العيش الكريم، ولكن الأمواج الصاخبة تحطم المركب وتلقي بهم في هذه الجزيرة التي تجمعهم بسالم. ويفرح سالم كثيرا بهذا »الصيد« الثمين، فينقل أفراد العائلة الغريبة الى القرية ويعرضهم على التجار بوصفهم عبيدا، وهنا تبدأ قصة نضال »شاهندة« ضد الرق والبحث عن حياة الحرية والكرامة. وفي هذه العجالة لن نستطيع ان نتتبع حكاية »شاهندة« التي عانت كثيرا وبيعت مرارا، وانما نشير الى انها في نهاية المطاف تستعيد حريتها وتتزوج الملك. وقد أراد الكاتب في هذه الرواية أن يرصد ملامح التحول من مجتمع فقير لا يخلو من قيم العبودية الى مجتمع ثري تحكمه القيم والمثل الانسانية، تعامل فيه المرأة بوصفها انسانا مشاركا للرجل في بناء المجتمع. وهذه الرؤية تبدو لنا بوضوح من خلال الحوار الذي يدور بين الملك و»شاهندة«: ـــ لا أدري يا مولاي .. سمعت من زمان .. وأنا في بداية رحلتي الى الساحل، أن الأكفان ليس لها جيوب. ـــ ما قولك هذا .. ـــ مولاي .. لأني أحبك .. ولأني أخاف عليك ولأن أحشائي تضم طفلا أنت أبوه .. فإنني أتمنى أن يقال ذات يوم ان عهدك كان عهد سخاء وكرم .. انه في عهدك عاش قومك سعداء .. كرماء .. انتعشت التجارة .. وكثرت المدارس، وانتهى الفقر. ـــ يا شاهندة كنت دائما في حاجة الى امرأة تقول لي: لا، عن حب واخلاص .. كنت أريد امرأة تقول لي ما أوقفته أنت ساعات الغضب من قرارات، فإنني لم أسمع من وزرائي .. ومن حرسي .. ومن كل من حولي الا كلمات الاعجاب بكل ما أفعله. على هذا النحو كان الكاتب يريد ان يعبر عن التحولات الاجتماعية العميقة من حيث سلم القيم والمثل. اذا كان راشد عبد الله في رواية »شاهندة« قد رصد مظاهر التحول الاجتماعي ايجابيا، فإن محمد حسن الحربي يرصد لنا تلك المظاهر سلبيا. ان »سليمان العبد الله« بطل الرواية يتمسك بقيم القبيلة البدوية في مجتمع متحول، ولذلك فانه يجد نفسه في الأخير يسبح ضد التيار، إذ يتخلى عنه أصدقاؤه وأقاربه ويجد نفسه وحيدا في مواجهة ذلك التحول. لقد كان »سليمان العبد الله« يعد الساعد الأيمن للحاكم »مجلاد« الذي كان »يستشيره في كل كبيرة وصغيرة، ونادرا ما يخالف رأيه« ويقصد ذلك الحاكم البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج مصطحبا معه »سليمان«، ويحس بتقصيره فيصفعه عند أعتاب الكعبة الشريفة ويلقيه أرضا، وحينئذ يعود سليمان الى مدينته »المريبضة« ثائرا عاقدا العزم على الانتقام من الحاكم الذي جرح كبرياءه ومرغ قيمه البدوية في التراب. ان هذه الحادثة لم تفتح عيني »سليمان« على حقيقة »مجلاد« وحسب، وانما جعلته يكتشف حقيقة أهل »المريبضة« الذين كانوا يترددون على بيته ويتقربون منه ويستمتعون بحديثه، ثم ما لبثوا ان ازوروا عنه عندما عرفوا قصته، خوفا من سطوة الحاكم »مجلاد« بل انه يكتشف فيما بعد ان زوجته ذاتها تنسى اهانته وتستقبل نساء »مجلاد« اللواتي كن ينتقين له بكرا بين الفينة والفينة حتى يتزوجها ثم يطلقها فتعرض عليهن ابنتها »حصة« آملة ان تحظى برضاه او يرأب الصدع الذي حدث بينه وبين زوجها. ولم يقتصر التحول الاجتماعي في رواية »احداث مدينة على الشاطىء« على القيم والمثل البدوية، وانما تجاوزها الى العلاقات بين الافراد ويصف لنا الكاتب ذلك بالقول: »بالكاد تجد من يلقي عليك التحية في الشارع . تلك التجمعات لدى مقهى سيد على الاعور لم تعد قائمة، النساء اللواتي كن يجلسن امام عتبات البيوت، ويتحدثن عن كل شيء الى بعضهن البعض اختفين، اصبحت الواحدة منهن تخرج من منزلها لتذهب الى المنزل الذي تريده بسرعة. الاطفال يبحثون عن بعضهم ليتجمعوا، ومن ثم ليلعبوا في اماكن غير التي كانوا يلعبون فيها من قبل، معاملة الناس تغيرت فيما بينهم، اصبح في المريبضة اناس جدد لم ترهم من قبل كل واحد منهم يبدو مهموما، ولا يتحدث إلا عن عمله، وكيف انه مرهق، وبالكاد يحصل منه على قوت يعيشه واهله، اية لعنة حلت بالمريبضة التي بدأت تكبر وتتسع ويختفي فيها الناس؟!«. تلك هي مظاهر التحول السلبي كما يراها محمد حسن الحربي في »احداث مدينة على الشاطىء« فالمد العمراني كما يصوره كان على حساب العلاقات الانسانية الحميمة بين افراد المجتمع. تحول ديموغرافي وفي الروايات التي كتبها الاماراتيون ونحاول الوقوف إليها تضمين التحول الديموغرافي ومظاهره كما نراه في رواية »السيف والزهرة« لعلي أبي الريش. »خلفان« صائد السمك تعود ان يركب البحر كي يعول عائلته الصغيرة، وبينما كان يصارع الموج فإذا بقادم غريب يقترب من القارب على متن يخته الآلي السريع ويعرض مساعدته، فيرتاب فيه »خلفان« ويرفض مساعدته، فيبتعد ثم يعود مرة أخرى ليكشف عن نواياه، ذلك انه يريد المساعدة على تهريب بعض الوافدين إلى البر بطريقة غير شرعية مقابل رشوة، ومنذ هذه الحادثة تطرح مسألة العمالة الأجنبية الوافدة في الرواية، وتترى أخبارها. ففي اليوم الثاني نرى »خلفان« يبيع سمكة على الشاطئ، فيسمع صوتا يحذر الزبائن من شراء السمك، لانه »مسمم«، فقد »وجدوا جثث آدميين مسجاة على الشاطئ، وقد مزقت بطونها وبترت أجزاؤها«. ذلك ان الرجل الغريب تخلص من العمالة التي كان يريد تسريبها إلى البر باغراقها في البحر، كي يفلت »من طائلة القانون«، لان أفراد تلك العمالة لم يكونوا يحملون جوازات سفر. وتتوالى الأحداث بعد ذلك، فيموت »خلفان« ويجد ابنه »سلطان« نفسه مترددا بين مهنة والده في البحر والوظيفة المستقرة في المدينة، ولكنه في النهاية يتخير الوظيفة ويعاني من عدم التكيف مع حياة المدينة ذات القيم الاجتماعية المختلفة عن قيم البحر. وما يهمنا هنا هو ان الكاتب يطرح قضية العمالة الوافدة بوصفها مظهرا من مظاهر التحول الاجتماعي الذي يدعو إلى القلق، ذلك ان اعداد هؤلاء الوافدين أخذت تتكاثر في أحياء المدينة بسرعة فائقة إلى أن أصبح عددهم يفوق عدد المواطنين، وبالتالي فإن المواطن هو الذي أصبح يحس باغتراب في وطنه: »الشارع يكاد يخلو من الغترة والعقال. المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية تصدح بأغان وموسيقى غير عربية. رائحة دهان تفوح في أجواء المدينة. السوق صار بقعة من الأرض غزتها السراويل. لا صوت، لا كلمة عربية تنطق في هذا المكان. أين ذهب السكان الأصليون؟ هل غادر الناس الديار ليفسحوا »للمعمرين« لان يأخذوا فرصتهم في البناء والتشييد؟«. هكذا يعبر »سلطان« بطل الرواية عن قلقه من تكاثر العمالة الوافدة، ولكن هناك شخصيات أخرى في الرواية تشجع استيراد هذه العمالة الوافدة ضمن الأطر التنظيمية القانونية، بوصفها تسهم في بناء الوطن وتوفر الجهد على المواطن وتزود أبناء الوطن بخبرات ومهارات تثري ثقافتهم، وتسهم في زيادة دخل الفرد. ومهما يكن من أمر، فإننا لسنا بصدد مناقشة هذه الظاهرة الاجتماعية وتحليل أبعادها، فالذي يهمنا في هذا المقام أن نسجل مظاهر التحول الديموغرافي الذي رصدته رواية »السيف والزهرة«. ونخلص من هذه القراءة المختصرة إلى ان التحولات، وان هذه المواقف لم تكن ثمرة تحليل منهجي موضوعي بقدر ما كانت نفحات انفعالية ذاتية، وهم معذورون في ذلك، لان الرواية تظل فنا أدبيا وليست دراسة منهجية علمية، وبتعبير آخر فإن الرواية ليست وثيقة اجتماعية بالمفهوم العلمي للمصطلح، وليست بديلا عن علم الاجتماع، بالرغم من ان عالم الاجتماع يمكنه أن يفيد من الرواية التي يمكن أن تهتدي إلى الظواهر الاجتماعية عفويا.