إدوين دانييل شابيلون ــ صبي في الثالثة عشرة من العمر.. يطل عليك بابتسامة فيها قدر غريب ورزين من الحزن العميق المدفون .. ولكنها ابتسامة طلية ودودة . هي ابتسامة إنسان صغير لما يفارق الطفولة.. أو لما تفارقه الطفولة في كل حال. لكن من كان يصدق أن هذا الصبي النحيل يخرج من مسقط رأسه في بلدة شبه مجهولة من هندوراس ــ الدولة الصغيرة في أمريكا الوسطى التي لم يكد يسمع العالم بها إلا مؤخرا.. وبالذات عندما داهمها الإعصار ــ ميشيل ــ الذي دفن كثيرا من بيوتها ومزارعها بل وأهلها من البشر التعساء تحت ركامات الطين وفيض السيول الجارفة ــ من كان يصدق أن الصبي يمضي في عرض الطريق أكثر من شهرين وحيدا.. شبه جائع يعبر حدود أمريكا الوسطى ومنها إلى حدود المكسيك ومن بعدها حدود الولايات المتحدة.. يمشي في الطرقات الوعرة فتدمى قدماه.. ويستجدي ركوبة هنا وتوصيلة هناك.. يلتقط رزق يومه وقوت رمقه مثل جرو تائه هائم بغير صاحب أو معين.. كل من كان يصادفه كان يطرح ولا شك السؤال: * إلى أين يا بني؟ ــإني أبحث عن أبي وأتطلع إلى لقياه * وأين أبوك؟ ــ في نيويورك وكم كانت الدهشة تعقد ألسنة السائلين إذ قطع الطفل رحلة بحث قوامها أكثر من ستة آلاف كيلو متر خاوي الوفاض.. مسافرا بغير متاع اللهم إلا من بلغة أمل وشذرات من حلم أن يلقى الأب وينعم بحضنه الدافئ وقربه الأثير الوثير.. وصل إدوين إلى ولاية فلوريدا في جنوب الولايات المتحدة.. كانت أولى محطاته داخل أمريكا.. استطاع أن يذهب إلى مسكن ذوي قرباه ليقيم عند عمته بضعة أيام أو أسابيع.. لكن مشروعه بأن يجتمع إلى أبيه كان يملك عليه كل حياته.. في لحظات التجلي كان الطفل الشقي في داخله يفصح عن رغبته أن يصبح نجما يشار اليه بالبنان.. شخصية تلفزيونية.. راقصا شهيرا.. ممثلا متألقا.. الخ.. وفي لحظات الشجن كان يجلس في الصباحات الباكرة يصغي من جهاز التسجيل إلى تراتيل دينية في مقدمتها أنشودة مفعمة بالحزن تقول: بابا عد إلى بيتنا وبعدها ينخرط الصبي في نشيج عميق. صحيح أنه عند عمته في فلوريدا لكنه يعرف بيقين أن أباه في نيويورك.. وذات يوم واصل رحلته من جنوب الولايات المتحدة إلى شمالها الشرقي.. هائما.. وحيدا.. مصمما لا يملك شروى نقير. في الأيام الأخيرة من شهر يونيو الماضي خنق قلب نيويورك.. وهي عادة مثل كل العواصم الكوزموبولية الكبرى ــ مدينة بلا قلب ــ على حد تعبير الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. لكن ها هي نيويورك وقد سرى في احشائها نبض التعاطف وجاشت بفيض حنان على صبي يتكلم الأسبانية وجاءها عبر رحلة بحث مضنية طويلة.. أين منها ما وصفه هوميروس في الأوديسة التي أدارها على رحلة أوريسيوس الشهيرة عائدا إلى الأهل والأوطان فتحت نيويورك ذراعيها مرحبة بالزائر الصغير ــ ادوين دانييل شابيلون ــ تسابقت الصحف التابلويد الشعبية بالذات على إحاطة قرائها بحكاية من أولها إلى آخرها وراحت كل منها تعيد وتزيد في فصول القصة وقد استقتها من شفاه الصبي شخصيا: انه ينتمي إلى عائلة فقيرة وقد لقيت والدته حتفها تحت ركام الإعصار ومن ثم فقد جاء في رحلة طويلة يبحث عن أبيه المقيم في نيويورك. وهنالك اهتزت أسلاك البرق بأخبار الوكالات.. ولمعت فلاشات التصوير تعرض الحكاية على شاشة التلفاز ونهضت الصحف تقدم السطور وتنشر صور الطفل البطل اوريسيوس الصغير القادم إلى نيويورك.. ولم تمض سوى بضعة أيام حتى روعت نيويورك شخصيا بأن الحكاية في معظمها ليس لها أساس وان الطفل كان يكذب.. وان خيال الصبي قد قلب الأمور رأسا على عقب.. كيف؟ لأن والدته (المتوفاة تحت ركام الإعصار) كانت حية ترزق في هندوراس.. وأن كان رزقها شحيحا وعلى قد الحال.. أما أبوه الذي يعيش في نيويورك.. فلم يكن يعيش فيها ولا في أي مكان آخر.. أبوه توفى في شهر أكتوبر الماضي ودفن في بلدته الصغيرة في هندوراس.. كان يعيش في نيويورك أي نعم وكم بعث إلى فتاه الصغير برسائل شوق ومحبة وحنان ولكن حين اشتد المرض على الأب شد الرحال إلى مسقط رأسه ولقي نحبه هناك.. وقصارى الكذاب الصغير, بالأدق الكبير, انه كان صادقا بالنسبة لآلاف الأميال التي قطعها في طريقه إلى أمريكا. ما الذي يجعل صبيا صغيرا لم يبلغ الحلم بعد ينسج من خياله قصة على هذا القدر من التخليط والتخيل؟.. مازال المجال مفتوحا لعلماء سيكولوجيا الطفولة وأساتذة علم الاجتماع والتربية لكي يقولوا كلمتهم.. علما بأن الطفل لم يكذب على طول الخط ولا كان صادقا على طول الخط. وعلى كل حال.. فقد استحوذت القصة بكل أبعادها الإنسانية.. ثم بالمفاجآت التي أسفرت عنها.. على اهتمام مدينة نيويورك وأهلها ورجال شرطتها بعيدا عن أخبار كوسوفو.. وعن شائعات ترشيح السيدة هيلاري كلينتون نائبة عن ولاية نيويورك.. ناهيك عن البيت الفاخر الباذخ الذي يقال أن عين السيدة الأمريكية الأولى عليه كي تشتريه بعد تقاعد زوجها من البيت الأبيض في العام المقبل.. صحيح أن الطفل القادم من هندوراس قد استحق لقب (الولد الذي ضحك على نيويورك) .. لكن الصحيح أيضا ما قاله (سافير) رئيس شرطة المدينة (ربما لإنقاذ ماء الوجه): إنه غلام فقد أباه وأصيب من جراء ذلك بصدمة نفسية ولسوف نحاول من جانبنا أن نقدم له يد المساعدة!