المرأة... هذا المخلوق الجميل الرقيق الحساس الذي طالما الهم خيال الشعراء والادباء فصاغوا فيه اجمل القصائد وسطروا فيه اروع الملاحم والقصص والروايات , حباها الله نعمة كبرى ربما كانت سر هذه الجاذبية الطاغية التي تتمتع بها ومصدر تلك القوة الهائلة لديها... ذلك هو الضعف الكامن فيها... ليس ما اعني ضعف الشخصية الذي قد يتبادر الى الذهن لاول وهلة... ولكنه الضعف الانثوي الجميل الذي يتحول الى قوة جبارة تسيطر بها المرأة على مشاعر الرجل وتملك بها عليه كل كيانه فيصبح اداة طيعة في يدها توجهها كيفما تشاء. اعرف انني قد دخلت برجلي حقل الغام في مجازفة غير مأمونة العواقب, واعرف حساسية الموضوع الذي انا بصدده, ولكن جولة في التاريخ القديم ونظرة في التاريخ الحديث ربما كشفت لنا كيف تفقد المرأة جزءاً كبيراً من رصيد قوتها الذي اعني عندما تتخلى عن هذا الضعف المحبب الى نفوس الرجال فتخرج عن نطاق جنسها وتتحول الى كائن آخر لا ينتمي الى عالم النساء ولا هو من عالم الرجال الذي خلقه الله بمواصفات وخصائص معينة لمهمة قسمها الخالق بين البشر محدداً لكل جنس دوره في الحياة كي ينتظم الكون في نسق كل شيء فيه محسوب ومحدد بدقة, فاذا ما خرج عنصر ما عن هذا النسق اختل نظام الكون وظهر النشاز ووجب اصلاح الخلل. لنستمع الى امامة بنت الحارث زوجة عوف بن محلِّم الشيباني وهي توصي ابنتها قبل ان يحملوها الى زوجها الحارث بن عمرو ملك كندة الذي خطبها بعد ما بلغه من جمالها ورجاحة عقلها. تقول امامة: ( اي بنية, ان الوصية لو تركت لفضل ادب تركت لذلك منك, ولكنها تذكرة للغافل, ومعونة للعاقل, ولو ان امرأة استغنت عن الزوج لغنى ابويها وشدة حاجتهما اليها كنت اغنى الناس عنه,ولكن النساء للرجال خلقن, ولهن خلق الرجال. ثم مضت توصيها بزوجها في اعظم وصية من ام لابنتها, قالت لها: (اي بنية, انك فارقت الجو الذي منه خرجت, وخلفت العش الذي فيه درجت الى وكرٍ لم تعرفيه, وقرين لم تألفيه, فاصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا, فكوني له امة يكن لك عبداً. يا بنية احفظي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا. الصحبة بالقناعة, والمعاشرة بحسن السمع والطاعة, الى آخر وصيتها التي تختمها بقولها: (كوني اشد ما تكونين له إعظاما يكن اشد ما يكون لك إكراما واعلمي انك لا تصلين الى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك فيما احببت وكرهت, والله يخير لك) . وكان ان عملت ابنة عوف بوصية امها فعظم موقعها عند الحارث وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن. وعوف بن محلم الشيباني والد هذه الفتاة كان من اشرف العرب في الجاهلية مطاعاً في قومه قوياً في عصبيته. طلب منه الملك عمرو بن هند رجلاً كان قد اجاره فمنعه فقال الملك: (لا حر بوادي عوف) اي لا سيد فيه يناوئه, فسارت مثلاً. وفيه قيل المثل المعروف (اوفى من عوف بن محلم) وكانت تضرب له قبة في عكاظ. لقد كانت هذه الفتاة اذا سليلة حسب ونسب وجاه ولم تكن راعية غنم فقيرة في صحراء البادية, ومع ذلك فان امها لا توصيها بان تذكر زوجها دائماً بذلك, وإنما تقول لها: (كوني له امة يكن لك عبدا) ذلك هو ما نقصد. ان المرأة حينما تتطلع الى المجد والملك تضطر الى التنازل عن مشاعرها غالبا, فهذه اشهر ملكات التاريخ (كليوباترا) ابنة بطليموس الثاني عشر التي تزوجت اخاها بطليموس الثالث عشر وارتقيا العرش سويا بمقتضى وصية ابيهما, كانت شجاعة واسعة الثقافة قوية الارادة تجمع الى الجمال رقة اخاذة وعذوبة مغرية في حديثها وقدرة فائقة على استهواء من تريد اكتسابه. ورغم كل هذه الصفات والميزات فقد اضطرت الى ان تنسى او تتناسى اموراً كثيرة, ومن اجل كرسي الملك قامت باستخدام مواهبها في نسج شباك الحب ليوليوس قيصر سعياً الى استغلال الرومان لتحقيق آمالها في بناء امبراطورية واسعة كان يوليوس قيصر يباهي بانه غازي قلوب النساء وانه ينحدر من سلالة آلهة الحب الاغريقية ولكن كليوباترا جعلته يركع تحت قدميها ويعلن زواجه منها على الرغم من وجود زوجته الامبراطورة في روما. لكن الجمهوريين الرومان اجهزوا على قيصر وعلى آمال كليوباترا التي سرعان ما انتعشت مرة اخرى عندما اوقعت قائده (مارك انطونيو) في نفس الشرك فأحبها حباً ملك عليه كل مشاعره وجعله يوزع عليها وعلى اولادها النصف الشرقي من العالم الروماني, ثم حرضته على محاربة (اكتافيوس) لتسيطر معه على العالم الروماني قاطبة, الامر الذي اثار عليه الجيش فاجتمع القادة وقرروا عزله من القيادة, وجهزوا جيشاً ضخماً لغزو مصر, فخرج انطونيو وكليوباترا لملاقاة الاسطول الروماني, ولكنهما كانا غارقين في خمرة الحب فتحطم الاسطول المصري وهزمت الجيوش في معركة (اكتيوم) لتقضي على آمالها نهائيا وينتحر انطونيو بان اغمد خنجراً في صدره, اما كليوباترا فقد ادركت المصير الذي ينتظرها فكانت نهايتها المأساوية حين تركت إحدى الحيات السامة تلدغها في صدرها لتموت منتحرة بعد ان اخفقت كل اسلحتها في تحقيق تطلعاتها للملك وتأسيس امبراطورية. وهذه شجرة الدر زوجة الملك الصالح التي حكمت ثمانين يوماً بعد موت زوجها, ولما خرجت الشام على طاعتها تزوجت وزيرها عز الدين ونزلت عن السلطة مكتفية بالسيطرة عليه. وقد طلق من اجلها زوجته الاولى (ام علي) التي اشتهرت بالحلوى المعروفة باسمها, ولكنه لما اراد ان يتزوج عليها امرت مماليكها فقتلوه خنقا في الحمام, فلما علم ابنه علي بذلك اسلمها الى امه فأمرت جواريها ان يقتلنها بالقباقيب والنعال فضربت حتى ماتت. تلك قصص من الشرق وفي الغرب نماذج كثيرة, فهذه الملكة كريستينا ملكة السويد واحدى اشهر واعظم ملكات اوروبا. مات عنها ابوها الملك (جوستاف اودولف) وهي طفلة في الرابعة, فعهدت بها امها الى الوزير (اوكسن سترن) الذي ادخل في روعها ان تنشأ نشأة الرجال فتأثرت بتعاليمه, ولتثبت تنكرها لانوثتها طوال اعتلائها العرش برعت في الفروسية والمبارزة وكل اعمال الرجال, حتى انها ذهبت الى روما وهي ترتدي ملابس الفرسان مما اثار غضب البابا عليها. وقد كتبت مؤلفات كثيرة نصحت فيها النساء بالتخلي عن الانوثة التي اعتبرتها ضعفا, ثم انتهى بها المطاف الى التنازل عن العرش لاخيها شارل جوستاف. اما الملكة (ماري) ملكة اسكتلندا فقد تزوجت ابن عمها الامير (هنري ستيورات) ولكنها رفضت ان تمنحه لقب ملك ولبث مجرد زوج الملكة. ولما وجد مقتولاً اتجهت الشكوك اليها, ثم ثار عليها اللوردات عندما تزوجت (بوذويل) وقيل انه كان عشيقها وقد فرت الى انجلترا بعد ان عجزت عن استعادة ملكها لتكتشف الملكة (اليزابيث) ملكة انجلترا بعد ذلك ضلوعها في مؤامرة للاطاحة بعرش بريطانيا بالاتفاق مع اسبانيا ويحكم عليها بالاعدام شنقا. وعند تنفيذ الحكم وبعد ان صعدت الدرجات الخشبية للمشنقة خلعت ثوب الاعدام الاسود ليظهر من تحته ثوب احمر انيق محلى بالزهور كأنه ثوب عرس, وضحكت ساخرة ثم اشارت باصبعها في احتقار للجلاد كي يبدأ عمله, وبصقت على الارض وهي تقول: معذرة, لم اجد وجه الحقيرة اليزابيث لكي ابصق عليه فبصقت هنا) تلك امثلة من الماضي, اما في عصرنا الحاضر فيكفينا النظر في وجوه من يتصدرن للحكم والسلطة من نساء الشرق والغرب لندرك كيف تختفي مسحة الجمال والانوثة والرقة تحت اقنعة من الغلظة والخشونة والقسوة حتى غدونا نطلق عليهن القاباً واوصافاً من مثل (المرأة الحديدية) فأي قيمة للسلطة اذا سلخت المرأة من طبيعتها وحولتها الى جنس آخر لاعلاقة له بهذا المخلوق الجميل الذي خلقه الله لنسكن إليه كلما اثقلت كواهلنا اعباء الحياة نلتمس عنده السكينة والهدوء والحنان ونمد اواصر المودة والرحمة التي جعلها الله بيننا. انها ليست دعوة لارجاع المرأة الى الوراء ولكنها دعوة لها كي تعود الى نفسها وتعرف مكمن قوتها, وتظل تلك الزهرة الفواحة التي ينطبق عليها قول الشاعر: إنّ النساءَ رياحينٌ خُلِقْنَ لنا وكلنا نشتهي شمَّ الرياحين اما ذلك الشاعر ناقص العقل عديم الفطنة الذي كان له رأي آخر في النساء استحق بسببه غضبهن ــ وما ادراك ما غضب النساء اذا غضبن ــ فلن نلتفت لرأيه ولن نأتي على ذكر ما قاله حتى لا نكون مروجين لتخاريف شياطين شعره فنجر على انفسنا ما جر على نفسه, وكفى الله المؤمنين شر القتال.