بين العبقرية والجنون شعرة رقيقة لا يميزها الا العارفون ببواطن الامور, وفي هذا الزمن الذي اختلطت أوراقه وتداخلت أموره الى حد بعيد , بات أغلبنا حائرا مذهولا أمام كل ما هو خارج على المألوف ومبتعد عن الاطار العام, بعد ان زاد الماء على الدقيق كما يقال. لقد عرفت البشرية كثيرا من العبقريات التي غيرت وجه التاريخ, وكانت بداياتها ليست الا ضربا من الجنون في اعتقاد الناس ويقينهم, لكن الأيام أثبتت عكس ذلك, فقد حاول الطبيب والعبقري عباس بن فرناس عام 880م في اسبانيا ان يستظهر الشعرة الفاصلة بين العبقرية والجنون, فبنى أول طائرة صنعها من القماش والريش, فصعد مرتفعا وترك نفسه للهواء يحمله فطار قليلا ووفق الى بعض تجارب الانزلاق بها, ثم وقع أرضا فتحطم معه حلم الانسانية القديم بالتحليق في الهواء لكنه سجل شرف المحاولة. ومن يدقق في أوراق التاريخ يرى الكثير من الجهود والعبقريات الانسانية التي أعدها البعض جنونا.. وحتى لا أقف عند أبواب العبقرية ونوافذ الجنون استلهم حكمة الشاعر الذي قال: تعلّم فليس المرء يولد عالما وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل فإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفّت عليه المحافل الشاهد في هذا الأمر ان على الانسان ان يسعى بما وهبه الله سبحانه وتعالى من عقل وفكر لكسر جمود الاشياء الثابتة, ويخرج منها بمعنى ومعرفة وتواصل مع مستجدات الحياة, ولهذا أسوق حكايتين تناقلتهما وكالات الانباء عن نجاح محاولتين قام أصحابهما بأفكار مجنونة لكنها مثيرة, استطاعت ان تترك أثرا في أوساط العاملين في مجال الدعاية والاعلان. جميعنا يعلم ان معظم الذين يقدمون طلبات للحصول على وظيفة ما نادرا ما تستجاب طلباتهم, والشاب بيتي كوندون واحد من هؤلاء, لكنه ابتكر طريقة جديدة للبحث عن وظيفة, فقد كتب مؤهلاته على قميصه وسار يجوب شوارع أطلنطا. وتضمنت العبارة التي كتبها على قميصه ما يلي: (مستعد للعمل براتب قدره 25 ألف دولار في السنة) وسجل في نهاية الجملة رقم هاتفه, فماذا حدث؟ الذي حدث ان هذا الابتكار لفت أنظار شركات الدعاية والاعلان فتهافتت على كوندون تحاول ضمه إليها, وقد نجح بفضل فكرة جنونية ان يجد عملا ضمن اختصاصه. أما أنيتا اوهيران تلك الشابة الأمريكية الجميلة فقد حاولت ان تعثر على عريس, لكن محاولاتها باءت بالفشل, لكنها رغم ذلك لم تيأس فاستعاضت عن فكرة الزواج بفكرة أخرى وهي ايجاد عمل يرضي طموحاتها, وحتى تعوض فشل المحاولة الأولى فكرت انيتا في أفضل وسيلة للدعاية لنفسها ومؤهلاتها, فلم تجد افضل من الدعاية بواسطة المنطاد فألصقت على مقصورته دعاية بأحرف بارزة ومضاءة بالكهرباء..!! ولأن زمننا هذا لا يعتمد الا مثل تلك الصيغ المجنونة, تسلمت أنيتا 2000 رسالة اقترح فيها مرسلوها بأن تكتب قصة تلك التجربة بينما عرض عليها آخرون الزواج منها, وفريق ثالث عرض عليها العمل, الا انها تريثت كثيرا واختارت عرضا مقدما من احدى شركات الدعاية والاعلان للعمل لديها براتب كبير لم تتوقعه. إن مثل تلك الحكايتين هي خروج على المألوف بالنسبة للأشخاص العاديين, ولكنها بالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن الاثارة هي مصدر ثروة, ففي الولايات المتحدة الأمريكية هناك شركات متخصصة لشراء الأفكار الغريبة وتنفيذها, اذ بإمكان أي شخص مهووس بالصرعات الغريبة والابتكارات المثيرة ان يبيع فكرته بشرط ان تكون جديدة غير مسبوقة, ولا تشترط الشركة ان تكون الأفكار حكرا على مجال محدد, فأصحاب الأفكار والابتكارات الجديدة لهم كامل الحرية في طرح جديدهم, سواء كان ذلك في مجال البناء أو التسويق أو الدعاية والاعلان أو الأثاث أو الاقلام والقرطاسية أو في مجال التجميل وخطوط الموضة, اذ تقوم الشركة بدورها ببيع أفكارها على الشركات العاملة في التخصصات المختلفة. وقبل هذا وذاك عرفت العرب أهمية التسويق والدعاية وأبدعت فيها, فإذا قام اليوم الشاب بيتي كوندون بالكتابة على قميصه وسعت الفتاة الجميلة أنيتا باستخدام المنطاد, فإن الشاعر الدارمي أبدع قبل أكثر من خمسة قرون في هذا المجال, فقد قدم تاجر إلى المدينة يحمل خُمُر العراق فباع الجميع منها الا السود, فشكا إلى الدارمي ذلك وكان الدارمي قد نسك وتعبد فعمل بيتين وأمر من يغني بهما في المدينة, فقال: قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بزاهد متعبد قد كان شمّر للصلاة إزاره حتى قعدت له بباب المسجد فشاع الخبر ان الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود, فلم يبق في المدينة مليحة الا واشترت لها خمارا أسود, فلما أنفد التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها.