في اغلب اعماله الدرامية التي قدمها للمشاهد هناك رغبة جامحة من اجل امتلاك جملة اخراجية خاصة به, كافح كثيرا وجاهد من اجل دراما محلية حاضرة ومتواجدة في الواقع , ورغم العراقيل الكثيرة التي واجهته, جزء منها يتعلق بالتمويل المادي واجزاء منها تتعلق بالتقنيات التي يطمح لتوظيفها في اعماله الا انه ومع ذلك اخترق الساحة الفنية باعمال درامية ساهم في عدد منها من ماله الخاص, بل ولم يثنه هذا الطموح عن التضحيات باشياء كثيرة... حينما تجلس اليه يشدك حديثه عن دراما الماضي, دراما الشارع والحواري والممرات الضيقة بين البيوت من الثلاثينات والستينات اتجه الى الصحراء ورمالها باحثا عن البيوت القديمة ورائحة الماضي, وبين هذا وذاك لديه رغبة كبيرة في تبني جيل الشباب من الممثلين ولديه وجهة نظر لا يتنازل عنها في ذلك. انه المخرج محمد الدوسري الذي ارتحل للدراسة في الولايات المتحدة وجاء محملا باحلامه الكبيرة... في هذا اللقاء نرحل مع تجربته الاخراجية في اربع محطات درامية. يقول الدوسري عن تجربته الاولى في السهرة الثلاثية (خط النار) التي قدمها للجمهور المحلي منذ سنوات. هناك طقس خاص سيطر عليّ خلال تنفيذ هذا العمل, دعنا نقول مثلا مرحلة عبدالحليم حافظ والتأثر بهذه المرحلة المخزونة في ذاكرتي لا أعني بذلك انها مرحلة التمرد, لكن لنعطها هذه التسميات (الحب المفقود) , (الاقبال على الحياة) , روح المعاناة, اغنية جبار... وهكذا, ورغم ان التجربة كانت بسيطة الا انني مقتنع انها كانت تعبر عن هذه الحالة والشيء الاخر الذي شغلني كثيرا وأنا اقدم هذه التجربة هو البحث عن مواصفات البطل المثالي في الافلام اي الشخصية التقليدية في الطبقة الوسطى, او دعني اقول لك ان الامر يتعلق بصناعة النجم. لماذا راودك شعور البحث عن بطلك بهذه المواصفات واين وجدته؟ ــ البطل المناسب هو الآلة الرئيسية التي يستطيع المخرج ان يعزف عليها مشاعره ورغباته (خط النار) كان العمل الاول ووجدت نفسي امام مجموعة من الممثلين المحرومين من الظهور... هذا ما حرضني على الولوج في التجربة ولانها البداية سيطرت علينا حالة من الجرأة في التنفيذ, حاولت ايجاد لغة اخراجية خاصة, او لنقل نوع من العبث بالعناصر الفنية في احداث القصة او معطياتها. فجأة انتقلت الى الصحراء بعد ذلك لتصوير مسلسل (سيف نشوان) لماذا؟ ــ في (سيف نشوان) شاغبتني فكرة محاكاة اعمال بدوية شهيرة مثل مسلسل (رأس غليص) وكنا نريد القول انه في ظل ما يوجد لدينا من معطيات بيئية وفنية, باستطاعتنا الدخول في هذه الاجواء بشكل جديد لان بيئتنا غنية بها. ولماذا البدوية في هذا الوقت؟ ــ الاعمال الدرامية البدوية توفر شحنة كبيرة من الخيال تختلف عما هو في الواقع الحالي, هناك فضاء كبير للتمثيل, لكن للاسف هذا العمل وان شاهده الجمهور المحلي لم يكتب له الانتشار خليجيا وعربيا بالشكل المناسب, وصادف خروج العمل للجمهور في مرحلة مضطربة لها علاقة بتأثيرات حرب الخليج. فنيا, هل حققت شيئا من الطموح في (سيف نشوان)؟ ــ كانت النقلة بالنسبة لي هي انني بدأت العمل مع ممثلين أقرب إلى الاحتراف ومع أسماء مثل: محمد الجناحي, عزة البحرة وأحمد الجسمي, وكانت فرصة لي أن يتعرف هؤلاء على عملي كمخرج, بالاضافة إلى ان العمل حمل إلى جانب هؤلاء المحترفين مجموعتي التي كونتها في (خط النار) .. أيضا كانت التجربة جميلة في العمل إلى جانب مصور محترف هو حنا ورد.. واتاح لي (سيف نشوان) أيضا دراسة ما يطلبه سوق الانتاج التلفزيوني. وماذا تقول عن تجربتك الثالثة في مسلسل (أيام الصبر) ؟ ــ في التجربة الثالثة كانت تسيطر علي تأثيرات الأعمال الأدبية, أو الأدبيات البوليسية فجاء (أيام الصبر) الذي اعتمد على دور السينوغرافيا في بطولة العمل, وأعتقد اننا حققنا جزءاً كبيرا من هذا الهدف, فحينما تقارن (أيام الصبر) مع أعمال خليجية أخرى تجد ان دلالات السينوغرافيا تأخذ حيزا بطوليا في الكادر وتحقق هذا مع الفنان العراقي حسين الموسوي الذي حضر خصيصا من ألمانيا بحكم الزمالة. وكان تأثير هذا الفنان واضحا على بيئة العمل. اعتمدت في هذا المسلسل على ممثلين من خارج الامارات, هل كنت تخطط لتطعيم العمل بوجوه أكثر انتشارا؟ ــ التلفزيون هو الذي طرح هذه الحالة في أعماله التي أنتجها, وفي (أيام الصبر) حاولنا أن نلعب اللعبة ذاتها بغرض التسويق وبغرض فرض حالة الاحتكاك بين الممثل المحلي والممثل الخليجي ونجحت التجربة بشكل فريد وهذا العمل أخذ حقه من الانتشار. تبلورت تجربتك الاخراجية محليا. فهل هذا ما دفعك للعمل في سلطنة عمان؟ ــ في سباعية (حادثة الساحل) اتجهت إلى عمان ولدي خلفية عن ايقاع الدراما العمانية, شاغبتني قضية الايقاع في المشهد, ايقاع الممثل مثلا.. نفذ هذا العمل بتركيز شديد على شاعرية المشهد, وكان تأثير الايقاع لدى الممثل الكويتي أحمد الصالح والممثلة العمانية فخرية خميس قد استفزني وتبلورت الصورة في ايقاع المشاهد. تعمل حاليا على مونتاج مسلسلك الجديد (أحلام السنين) , هل تحدثنا عنه؟ ــ في (أحلام السنين) البطولة للأم المكافحة, كما انه يتناول الملامح التاريخية الهامة التي مر بها المجتمع قبل وبعد قيام الدولة. المسلسل ليس دراما تسجيلية بالمعنى البحت, هناك توثيق لاحداث مهمة, كقيام دولة الاتحاد وفرحة الناس بهذا الحدث المهم, وقبل ذلك نعرض لتأثير جمال عبدالناصر في المنطقة والدعوة إلى وحدة الصف العربي وقضايا التحرر من المستعمر, لكن ذلك يمر بجانب حكاية درامية تعتمد على قصة أم مكافحة تتصدر لتربية وتعليم أبنائها بعد وفاة زوجها, وفي النهاية تدفع هي ضريبة هذه التضحية. (أيام الصبر) , (أحلام السنين) عملان تدور أحداثهما في الماضي. لماذا هذا الهروب إلى الوراء؟ ــ هذا ليس هروبا, بل بالعكس... الماضي أسهل وألذ وهناك متعة كبيرة في استعادته وبه ذكريات عشت جزءا كبيرا منها, ثم انه في أعمال الماضي جرعة كبيرة للصراع التي تتطلبه الدراما, وهناك مجال واسع للكوميديا ومفارقات حياتية حادة لها علاقة بدخول الجديد في حياتنا بصورة مفاجئة. وهذا ما يجعلني أنتظر تنفيذ فيلم ضخم عن حياة الماضي وتجلياتها. ومتى ستطرح وجهة نظرك في الحاضر؟ ــ أنا ما زلت مسكونا بمسائل الجانب الصناعي والتقني في العملية الفنية, بمعنى انه ربما حينما أكبر وأشيخ أبدأ في طرح الأعمال التي تقول وجهة نظر في قضية ما.. التقنية في صناعة الدراما والغوص في هذا الكائن الفريد أراها في غاية الأهمية الآن, وأحتاج لمران كثير في هذا الجانب, لان التقنية الذكية هي التي تجعل المشاهد في حالة اللعبة الدرامية. ختاما لرحلة هذا الحوار. ما الجديد الذي ينتظره المخرج محمد الدوسري؟ ــ أفكر بتنفيذ مسلسل خليجي يحمل عنوان (عذاب الضمير) في ثلاثين حلقة وهو عمل مكتمل نصا.. ويحمل الكثير من الشحنات العاطفية الإنسانية, اليتم, الحرمان, الاحساس بالخوف والمجهول, وفي اعتقادي انه أهم عمل خليجي, وأفكر بشكل جاد في جلب ممثلين محترفين له وسوف أنفذه بكاميرتين لان المشهد المستمر يستفز ديناميكية الأداء عند الممثل كما ان هذا المسلسل يوثق لجزء هام من تاريخ الكويت بعد الحرب العالمية الثانية وأتمنى تنفيذه هنا بممثلين كويتيين. حوار مرعي الحليان