اعتبر عبد الغفار حسين ان علينا ألا نضفي على أعمالنا هالة تقديس, وان نسمح للآخرين بالاجهار بما أحسنا أو ما اسأنا, وقال في حوار خاص لـ (البيان) بوجوب تركهم يبينوا لنا مواطن الحسن والسوء حتى نخطو الى الأمام , ورأى ان الحرية هي البوابة الرئيسية للتجديد في صحافة الامارات, ودعا الى الاكثار من الصحف الاهلية لتنطق باسم الناس والى فتح مجالس تشريعية. وعبد الغفار حسين كاتب ورجل أعمال له حضوره التأسيسي في مرافق ثقافية بالدولة أهمها اتحاد كتاب وادباء الامارات, تنقل في مناصب رسمية بدبي ويرأس حاليا مجلس امناء جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية, حاز مؤخرا على لقب شخصية العام الثقافية ضمن جائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي. التقيناه فكان الحوار التالي: نبدأ من الجائزة الاخيرة التي حصلتم عليها وقلتم انها ليست لشخصكم بقدر ما هي للجيل الذي عايشتموه, فهل الجيل الجديد المثقف غير مستحق, أم تظنون المسألة نوعاً من الاعتراف بفاعلية ودور جيلكم في ارساء صورة الثقافة المحلية الحالية؟ ــ اعتبر هذا التكريم لجيلي أنا واترابي الذين ساهموا كلٌّ على قدر استطاعته وبالوسائل المتاحة له, أما الجيل الجديد فمساهمته لا تقدر بثمن لأنه أعطى أكثر بكثير من عطاءاتنا على الساحة الفكرية والثقافية, غير ان القائمين على جائزة العويس للبحث والابتكار العلمي جسدوا في شخصي رمزا لهؤلاء الذين مضوا. هل تعتقد ان ذاك الجيل توقف والحديثون فقط يشتغلون على الساحة؟ ــ الذين عاصرتهم مضوا أصلاً أو غابوا لكن سلطان العويس على سبيل المثال ما زال نشطا في حضوره الشخصي أو عبر الاسهام المالي ولو سألتني أقول ان كل الجيل الجديد جدير بالتكريم لأنه ما زال أمامهم الشوط البعيد لمزيد من التقديمات. وأنتم ماذا قدمتم؟ ــ على قدر ما كان متاحا, فقد كتبنا وتكلمنا والقينا الاضواء على بعض المناحي الفكرية, وفي الحقيقة اعترف بأن ما عملناه ضئيل مقارنة بالحاصل اليوم. ألم تؤسس لصورة معينة وشكل تسير عليه الثقافة في الدولة اليوم؟ وكلمة الرواد غالباً ما تتكرر وكأنها مفردة مضخمة أكثر مما هي عليه في دول عربية أخرى؟ ــ لا نستطيع ان نقارن انفسنا ببلدان عربية أخرى, حيث ان الثقافة لديها كانت راسخة وعندها موروثات حملها جيل بعد آخر, أما نحن فمجتمع صغير لم تكن له خلفية عريقة بل نشكل امتداداً للثقافة العربية الاسلامية, ولو أشيد بالرواد فهذا بالنسبة لمجتمعنا ولا نقدر ان نقيم مقارنة مع الرواد الآخرين في الشام أو العراق أو مصر أو غيرها, لكن كان لنا رواد على مستوى منطقتنا الخليجية وطبيعي ان نذكرهم بالخير ولا ننسى ما أتوا به. لنعد الى صورة الثقافة المحلية, كيف تراها وهل تعتقد ان الامارات أكملت جزأها الخاص, وما هي الثغرات التي يمكننا تحميل المثقفين مسؤوليتها؟ ــ ما زلنا في أول الطريق ولا يجوز ان يأخذنا الزهو بأننا وصلنا الى مرتبة نستطيع ان نقارع بها الآخرين, عندنا جيل متعلم يساعد على نشر الفكر الثقافي في المجتمع, الا اننا نحتاج الى مساهمات أكثر عمقا ونضجا, وبرأيي ان هذا لا يتأتى الا بوجود حرية فكرية حيث يقدر الانسان ان يعبر عما يعتقده صحيحا, ويكون هناك حركة نقدية لتقييم ما يقال وما يعمل, فدون النقد كيف ندرك صحة ما نعمله. نشعر احيانا سهولة ظهور وبروز الاشخاص هنا على عكس أماكن اخرى وليس شرطا تمتعهم بالأهلية الكاملة, وكأن المجاملة والمسايرة تحكمان؟ ــ علي ان أكون واضحا وصريحا وأقول اننا لسنا ممتلكين لخلفية عريقة وأي كاتب يبرز نعتبره رصيدا ونحن قلة, وليس على الآخرين الظن اننا نعمل من الحبة قبة لكننا نفرح ونحاول تنمية الموهبة والتشجيع لينتقل من مرحلة الى اخرى, واذا رغبنا بمعرفة الغث والسمين نعود لمسألة النقد ونسمح للموجودين بين ظهرانينا ان ينتقدوا ومنهم كتاب عرب. لا أمانع ان يقيم أحدهم كتاباتي حتى لو كان جارحا لأنني بذلك أتعلم وأجرب تجويد ما آتيه مثل أية بضاعة. فلو غاب النقد ومنعنا العارفين منه, ربما يتبادر الى ذهن الكاتب شيء من الغرور. ما هو سبب غياب النقد؟ ــ هو غياب الحرية, من القادر على الانتقاد؟ المطلوب خلق جو في هذا الاطار وفتح المجال أمام الصحافة لتكتب ما تشاء. لنتحدث الآن عن الصحافة ونتطرق لمسألة حامية ــ ولو بالخفاء ــ لو صح التعبير عن جمعية للصحافيين مزمع انشاؤها, ماذا عن عدم وجودها حتى اللحظة رغم المحاولات التي بدأت في الثمانينات, وهل تتوقعها فاعلة؟ ــ أشجع الجمعيات, فلكل فئة وشريحة من الناس الحق في اقامة تجمع, فما بالك لو انها تجمع بين مجموعة من المفكرين والمثقفين, لكنني أرى ان نسبة عدد الصحافيين المواطنين ليست كافية. يقال ان العدد ازداد عن السابق, لذلك تطرح جمعية للصحافيين وليس للاعلاميين؟ ـ الآن يختلط الأمر على القراء في الفرق بين الصحفي والاعلامي وهذا أمر يتوجب عليهم حسمه, مازلت اعتقد بضرورة مضاعفة العدد واشراك الصحفيين المتواجدين على أرض الامارات من عرب وغيرهم. والجمعية تدافع عن حقوق الصحفي الذي قد يتعرض للمضايقات والمحن والضغط والمساءلة. هناك اتحاد للكتاب فلِمَ لا يصار الى تشكيل اتحاد للصحفيين أو أية تسمية ثانية. نسمع المسؤولين يشرعون الابواب في وجه حرية الصحافة, فيما أصوات الشكوى لا تكل, ماذا تقول؟ ــ لا أجد ان هناك حرية صحافة طالما هناك وزارة اعلام, يجب ان تترك للانسان حرية الكلمة ويحاسب وفق القانون الذي عليه ان ينص على منع الصحفي من التجريح الشخصي ويحفظ حق الآخر في اللجوء الى القضاء, وليفسح أمام الاقلام لتشير الى سلبيات الوضع العام. لماذا تكلمت على وزارة الإعلام؟ ــ لأن هذه الوزارة ملغاة في الدول المتقدمة, حيث الحرية, خاصة في هذا العصر, إذ يمكنني الاطلاع على كل الاعلام في بيتي فما الذي تفعله حينها الوزارة, هل بامكانها ان تضع المقص في يد الرقيب كالماضي, انها فكرة تصلح لخمسين سنة خلت. أتعني ان وجودها رقابيا وحسب؟ ــ تقريبا, فما الفائدة منها. هل غياب الحرية التي اشرت اليه عائد بجزئية الى صغر شريحة الصحفيين المواطنين بمعنى عدم تقبل الانتقاد من الغير؟ ــ حرية الصحافة لا علاقة لها بالمسألة, حتى المواطن ليس حرا سوى في حدود ضيقة جدا, قد تخشى صحيفة ان تنشر شيئا خوفا من تأنيب وزارة الاعلام أو المسؤولين. يتوجب ان نحصل على حرية انتقاد المسؤول والموظف وبهذه الطريقة يعرف الناس ما يجري. كأن عقليات معينة أو اعرافا اكتسبت قوتها مع الزمن, هل هي عادة ام واقع فعلي؟ ــ أحيانا نلمس هواجس دون مبرر, وفي المقابل قد يعرضني مسؤول ما لمضايقة. المشكلة في انعدام المجالس التشريعية لحماية الحقوق والمعاقبة. من يقرر خطوط الحرية اليوم ويمسك مصفاتها ويجيز ويمنع؟ ــ وزارة الاعلام. لم لا أثير موضوعات حيوية وأحاول؟ ــ الكاتب لا يعرف حدوده وأين يقف, وكثير من الكتاب العرب يخشون على انفسهم وعلى السير في طريق غير واضح المعالم. فهم يخافون ان ننهي خدماتهم ونقول لهم مع السلامة. هل هذا يخدم الحرية الفكرية؟ بالتأكيد لا. هؤلاء الكتاب يجب ان يصانوا الا اذا اعتدوا على الآخرين فنحتكم الى المحاكم عندها. كيف السبيل الى تأسيس صحافة حقيقية في البلد وكل الاشياء متشابكة؟ ــ الحل بوضوح الامور والحرية. أي مراقب في الوزارة يستطيع تثمين ما أقوله أو ما لا أقوله. وحتى رؤساء تحرير الصحف غير عارفين للحدود. هل تجد فارقا بين الصحافة الرسمية والصحافة الخاصة لو جاز القول في الامارات؟ ــ لست شاعرا بالفرق, المرحلة السابقة كانت مغايرة وفي هذه المرحلة هي متقاربة تقريبا فيما تطرحه على الساحة. كانت الصحافة الأهلية سابقا تتطرق لموضوعات شتى وتحليلات تتناول اوضاع الدول الاخرى. ونحن اصبحنا نضيق الخناق على الكاتب. قلت عرضا ان الكتابات السابقة حكت عن اوضاع الدول الاخرى. يبدو ان ثمة تسامح تجاه ذلك على عكس المكتوب عن الدولة حيث الدورية وعن الدائرة الخليجية ايضا؟ ــ حتى التركيز على مشاكل دولة معينة خارج النطاق الخليجي يتوقف على علاقتنا بها, فلو كانت جيدة عزفنا عن النقد. هل الحاجة هي إلى صحافة أهلية؟ ــ نعم أكثر فأكثر, ولا ينبغي للحكومة ان تملك صحافة لأن هذه الأخيرة سلطة رابعة ورقابية. يتراءى لي ان الامور محسومة فالامارات (أبوظبي ــ دبي ــ الشارقة) لها جرائدها وفكرة افتتاح جريدة جديدة أهلية مستبعدة؟ ــ الموضوع مجرد منافسة كظاهرة التلفزيونات تماما, فإذا وجدت جريدة في امارة لماذا لا تكون في اخرى, هذا هو الحاصل والا ما الفائدة من تكرار نفس النماذج, وكأن الناس يجب ان تنطق باسم الحكومة لا العكس. وهؤلاء الناس ألم يجلسوا جانبا؟ ـ لو تم تشجيعهم تنحوا عن القيام برسالتهم لتغير الوضع وليس مطلوبا وصف كل ما تفعله الحكومة بالخطأ والمعارضة من اجل المعارضة والاختلاف, في الدول الراقية قد يترك من يعارض صفوفه ويصوت لصالح مشروع جيد اعلنته الحكومة. هل كل ما تفعله الحكومة سيئا؟ طبعا نقع على امور كثيرة ايجابية تستدعي الاشادة. الى أي درجة يمكن اعتبار القارئ صاحب ردات فعل ومتجاوب؟ ما نصادفه لا يوحي بالايجاب, فكم تعلن مشروعات ويفرد لها على صفحات الجرائد فتموت بعد ذلك ولا من مطالب هل الذاكرة قصيرة؟ ـ شيء طبيعي ان ينسى الناس لو لم تتابعه الصحافة وتثيره, فربما يكتب الصحافي عن مسألة بعينها وتجد رئاسة التحرير وجوب الحد من اثارته فيموت في حينه. التقصير اذا من الصحافيين وليس من الجمهور الذي لا يقرأ كما يقال. موضوعات عديدة تحتمل فتح السجالات والنقاشات في الجرائد, لكن القراء بطيئون في التعامل معها, اهو نقص في تراكم التجربة الصحفية الحديثة العهد هنا؟ ـ تجربتنا بسيطة وعدد قرائنا قليل والدرب طويلة حتى تتراكم التجربة ويخلق القارئ الواعي ولو حاولنا ان نمس هموم وحياة الشعب اليومية نجحنا في استدراج متابعة القراء, نحن ننقل الاخبار في الصحيفة والاذاعة والتلفزيون, وليس من جديد رغم محاولات التجديد, واعود لأذكر بأن العقبة الرئيسية هو الاحساس بغياب الحرية وغيابها الفعلي. عبدالغفار حسين شخصية شغلت مناصب رسمية واسست مجالس ادارات مختلفة على رأسها اتحاد كتاب وادباء الامارات, ماهي الحصيلة الحقيقية لهذا التاريخ خاصة وانك نأيت عن هذه المجالات صوب التجارة؟ ــ انا في المجال التجاري منذ الصغر لأنه وسيلتي للعيش, اما الثقافة والكتابة فهي حرفة الفقر كما يرد في تراثنا العربي, فالكتاب والمفكرون والمثقفون ليسوا اغنياء بحكم ان الثقافة والفكر عندنا هامشيان, فيما الكاتب في البلدان المتقدمة في غنى عن الاخرين لان اعماله تنتشر والا كما يقول نزار قباني (واذا اصبح المثقف بوقا يستوي الفكر عندها والحذاء), انا لا اسعى للمال انما لاصون نفسي فقط, لا احمل شهادات جامعية وشهاداتي هي تلك الخبرة والنضج والتجربة التي تخرجت منها, اتمنى لو كنت كاتبا متفرغا. سمعنا ان مشروعا قديما لجمع مقالاتك وما نشرته في اصدار لم يظهر بعد, ما الدافع لهذا التأخير؟ ـ كثيرون طلبوا إلي ذلك واقترح عبدالاله عبدالقادر تولي جمعها, وفكرت بأن عليّ التفرغ لمراجعة هذه الكتابات. هل ندمت مرة على ما كتبت؟ وهل بقيت متصالحا مع ذاتك في مراحل التغيير؟ ـ لم اكتب شيئا فيه مساس بأحد. والتغيير واقع لأن ظروف الحياة تغيرت وقد تجر معها التحولات حتى لا أكون جامدا, وحدث ذلك في حياتي مرارا. وصلت الى الاستقرار؟ ـ لا يمكن للمرء ان يستقر في هذا العصر المتلاطم, والاستقرار غير وارد. يتبادر الينا عموما ان التاجر ورجل الاعمال بعيد عن الثقافة وهموم وطنه؟ ـ هذه ليست معادلة ثابتة او مطلوبة. فرجل الاعمال وتحديدا في مجتمعاتنا منوط به دور كبير وهو الابرز في المجتمع وعلى كاهله مسؤوليات. وفي تاريخ الامارات امثلة كذلك في الخليج كالكويت حيث حملت هذه الفئة لواء الاصلاح وينبغي ان تجسر الهوة بين الثقافة ورجل الاعمال الذي عليه احتضان المثقفين. وكيف هو الحال هذه الايام؟ ــ الوضع ما عاد بالطريقة التي يتحتم ان يكون عليه للاسف. ونعاني من انصراف عدد من التجار عن الثقافة, والبعض قام بجهد لا بأس به ونتمنى ان يحتذى بهم.