في العصر الذي عاش فيه المتنبي, وجد شعراء صنفوا كما هو حال الشعراء في كل زمان منهم العادي ومنهم الرائع, قليل الانتاج الشعري يقابله الغزير , مدارس واصناف, فيهم ذائع الصيت, معروف في مجالس الملوك والحكام, ومغمور لايعرفه سوى رواد الحانات. هؤلاء الشعراء على طبقاتهم, وجدوا في معظم بقاع الارض التي وصل اليها مد الدولة العباسية, الا انهم جميعا على كثرتهم, وشهرة وشاعرية بعضهم, لم يرقوا لمكانة المتنبي في حياته او بعد مماته, حتى الذين جاءوا بعده لم يخلدهم الدهر مثل ابو الطيب. فالمتنبي ملك ان يصنع مزيج صفات بعيدا عن المتعارف عليه من قصيد الوعظ والتجارب او فنون الغزل, ان ينشىء مدرسة تقوم على الوصف, واختيار الكلمات, تراكيبها وفحواها تحمل الاعتزاز بالذات دائما, والتلميح او الافصاح في حالات عن الطموح الشخصي والتركيز على معاني ودلالات الفروسية والقوة والفخر. لهذا كان متفردا في زمانه والازمان التي جاءت بعده حملت وحفظت اشعاره ورسخت تفرده, كأنها تستجيب لحدسه عندما انشد ذات يوم: وما الدهر الا من رواة قصائدي إذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا او قوله الواثق: ودع كل صوت غير صوتي فانني انا الطائر المحكي والاخر الصدى او بيته الخالد: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم وعلى مر السنين حفظت الامة قصائد المتنبي في صدور ابنائها او مرسومة على الجلد او على الورق عندما تطورت البشرية وفنون الطباعة, وطبع ديوان المتنبي بمعظم العواصم العربية الكبرى في احجام واشكال, وقدم بعضها شروحات وافية لكلمات القصائد, وكتب عن المتنبي بكل اللهجات واللغات الرسمية والشعبية, ولم يبق شيء يقال عن شعر المتنبي لكثرة ما كتب عنه, ورغم ذلك تظل رغبة الكتابة عنه في دواخل كل من يحب شعره يبحث عن مناسبة لذكر المتنبي, وايضا رغبة القراءة له, وعنه, تبقى امرا ملحا عند مثل هؤلاء. في عصر الحاسوب والانترنت, اهتمت هذه الثورة التكنولوجية بمثل هذا الرمز العربي الخالد, فقدم المجمع الثقافي بابوظبي اول موسوعة شعرية تضم اكثر من 180 ألف بيت من الشعر, كان المتنبي احد الكبار فيها. وقدمت شركة (صخر) ــ وهذه لها فضل كبير في تنفيذ ونشر التقنية العربية وتقديم حضارة الامة وروائعها للعالم وبلغات مختلفة ــ قدمت على شبكة الانترنت ديوان المتنبي, في هذا الموقع يمكنك ان تقرأ قصة حياة الشاعر وما كتب عنه, وان تقرأ قصائده, والاهم ان تبحث في هذه القصائد التي تبلغ 286 قصيدة, عدد ابياتها 5357, تبحث عن اي بيت شعر, او كلمة وردت في قصيدة, وايضا صنفت ابيات الحكم والامثال من كامل قصائد الديوان. بهذه التقنية تتعرف على ان اكثر قصائد المتنبي تلك التي قالها في الشام ويبلغ عددها 231 قصيدة, وذكر الشاميات يعني اجمل واروع ما قال ابو الطيب من اشعار في حضرة الامير الاوحد الذي احبه الشاعر باعجاب واخلاص, انه سيف الدولة الحمداني, اما العراقيات الاولى فكان عددها 9, والمصريات 29, والفارسيات 13, اما العراقيات الاخيرة فكانت ثلاثا فقط. وفي ديوان المتنبي (التكنولوجي) تكتشف ان اكثر كلمة تكررت في اشعاره هي كلمة السيف فوردت 160 مرة, يليها القلب 159, والعين 146. اما الخيل 98 مرة, وجدت تحت هذه الكلمة بيتا جميلا يقول: وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا اذا لم يكن فوق الكرام كرام كلمة المجد 58, الجواد 53, الحرب 42, الحب 32, الغواني 32, الوداع 29. ويحدد الاحصاء اكثر من 228 كلمة وجموع تكرارها. اما في القوافي فحظيت قافية اللام باكبر عدد من القصائد 48 قصيدة, يليها الميم 40, الدال 33, والباء 32, اما اقل القوافي فهي الجيم والذال والزاي والشين بقصيدة وحيدة في كل قافية. وفي البحور فان اكثر قصائده من البحر الطويل 55 قصيدة, بعده الوافي 47 والبسيط 46. هذه الوصفيات والاحصاءات والعمليات الرقمية تحتاج الى جهد وبحث وفريق عمل, كم سهلت علينا التكنولوجيا في عصرها, عصر السرعة, امر الابحار والبحث في روائع اعظم شاعر عرفته الامة في تاريخها الطويل.