هناك كثير من القضايا التي تثار حول المرأة المسلمة ودورها في المجتمع خاصة مع تصاعد موجات التغريب والغزو الفكري والثقافي للمجتمعات الاسلامية . ورغم ان الاسلام منح المرأة حقوقها واحاطها بالرعاية والحماية ان المرأة المسلمة خاصة في عصرنا الحاضر ــ تعاني من التخلف والسلبية والتبعية للرجل. وربما يرجع هذا الوضع المخالف لهدى السماء الى تطرف البعض ومبالغته في حماية المرأة بحجة سد الذرائع ومنع الفتنة وبالتالي منعها من ممارسة انشطة كثيرة اباح لها الاسلام ممارستها. في هذا الحوار مع الدكتورة آمنة محمد نصير عميدة كلية الدراسات الاسلامية والعربية بجامعة الأزهر نتناول بعض قضايا المرأة والعوامل التي تمنعها من القيام بدورها واهم الحقوق التي منحها الاسلام للمرأة. كما يتطرق الحوار الى السبل الكفيلة بالنهوض بدور المرأة في هذا العصر. كيف ينظر الاسلام الى المرأة؟ وما اهم الحقوق التي منحها للمرأة؟ الاسلام سبق دعوة الأمم المتحدة الى نظام عالمي انساني جديد فقد اعلن الاسلام ــ منذ البداية ــ وحدة الاسرة البشرية. ورفض كل تمايز في الحق في الحياة بين الاجناس والأعراق والقوميات والأديان والانواع فالاسلام يعترف بالكرامة للجميع ويؤكد على العدالة المطلقة لحماية السلام في الارض. ودعا الى التعاون من اجل تحقيق الخير للانسانية. ومن ناحية اخرى سبق الاسلام الانظمة المعاصرة في ارساء المفهوم الحضاري للمجتمع البشري, وساوى بين جميع الناس السادة والعبيد والاغنياء والفقراء, يقول تعالى: (يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم) ويقول ــ صلى الله عليه وسلم ــ (لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى) . ودعا الاسلام الى حسن معاملة المرأة فالنساء شقائق الرجال ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف. والاسلام ينظر الى المرأة على انها مساوية للرجل في الحقوق والانسانية ويجعل الحرية والكرامة لكل منهما دون تمييز ويعطى المرأة الاهلية الكاملة فلها الحق في التملك وفي الزواج وفي التصرف في مالها وفي البيع والشراء. ويجمل القرآن العلاقة بين الرجل والمرأة وحقوق كل منهما في قوله تعالى (المؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم) . فالاسلام لم يجعل المرأة مجرد تابع للرجل وانما جعلها مساوية له. فالمرأة شأنها شأن الرجل في حق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. تطبيق خاطئ لكن لماذا تشكو بعض النساء من اضطهادهن وانتهاك حقوقهن ما دام الاسلام جعل المرأة مساوية للرجل؟ لاشك ان الاسلام كرم المرأة ومنحها من الحقوق ما لم تحصل عليه المرأة في ظل اي نظام او دين غير الاسلام وتبوأت المرأة المسلمة مكانة محترمة في المجتمع الاسلامي في الوقت الذي كانت المرأة تسحق فيه في اوروبا وتعامل معاملة غير انسانية وهذا أثار اعجاب المستشرقين المنصفين. لكنهم يتساءلون اذا كان الاسلام منح المرأة كل هذه الحقوق فلماذا تخلفت المرأة المسلمة وتقهقرت في كثير من فترات التاريخ الاسلامي؟ ولعل هذا يرجع الى ان المرأة المسلمة تعرضت ــ رغم انصاف الاسلام لها ــ الى علل وامراض وجدت في المجتمعات الاسلامية وتغلبت في كثير من الأحيان على نصوص الشريعة الاسلامية وحالت دون تطبيق هذه النصوص في الواقع هذا بالاضافة الى وجود بعض بقايا موروثات ظلم المرأة التي سادت في عصور الجاهلية وظلت تمارسها الاجيال حتى وصلت الينا في الوقت الحاضر وكذلك التطبيق الخاطئ لبعض النصوص الشرعية من جانب علماء السلف والخلف على السواء. وفوق ذلك عدم حرص كثير من المسلمين على تطبيق تعاليم الاسلام في حياتهم ومنها التعاليم التي تتصل بالمرأة. افراط وتفريط ما أهم العوامل التي تعوق المرأة المسلمة وتمنعها عن اداء دورها في الحياة والمساهمة في رقي المجتمع المسلم؟ هناك عوامل كثيرة تعوق المرأة عن اداء دورها, وهنا اذكر كلمة الشيخ محمد الغزالي ــ رحمه الله ــ عن المرأة المسلمة: (لقد كانت قبل الاستعمار الحديث أمية لا تقرأ ولا تكتب وفرضت عليها هذه الامية باسم الاسلام المفترى عليه, فلما اجتاحت بلادنا الحضارة المادية المعاصرة فتحت ابواب المدارس للمرأة فلم تتعلم فيها حقائق التراث الغالي ومناقب المرأة في عصرها الاول... لقد غزا عقلها الفكر الاوروبي ونهجه الشارد فاذا نحن امام تقاليد لا تسر ومناهج لا تنفع بل قد تضر. واهم العوامل التي تعوق المرأة في العصر الحاضر: انحراف المسلمين عن تعاليم دينهم في معاملة النساء والترويج لاحاديث موضوعة او ضعيفة انتهت بالمرأة المسلمة الى الجهل والعزلة والاستعباد واصبح البعض يردد ان ذهاب المرأة الى التعليم معصية وذهابها الى المسجد محظور وينكر مشاركتها في ادارة شؤون المجتمع واصبح الجور على حقوقها المادية والادبية عرفا سائدا. ايضا لاتزال نظرة بعض المسلمين الى المرأة تتأرجح بين الافراط والتفريط ففريق ينظر اليها على أنها ناقصة عقل ودين ومخلوق ناقص الاهلية في حين يدعو فريق اخر الى ان تكون المرأة مثل الرجل تماما دون مراعاة لاختلاف طبيعتها وتكوينها عن الرجل. هذا بالاضافة الى تأويل بعض النصوص وصرفها عن مقصدها من اجل الامعان في اخضاع المرأة للرجل مثل حديث النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (لو امرت احدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها) . وكذلك المبالغة في استخدام قاعدة سد الذرائع ومنع المرأة من ممارسة كثير من الامور المباحة بحجة الخوف من الفتنة. وفوق كل ذلك يدعو البعض الى بقاء المرأة في المنزل وعدم المشاركة في امور الحياة المختلفة. حق مشروع ما حدود وضوابط رؤية الرجل والمرأة كل منهما للاخر؟ ومتى تدخل هذه الرؤية في نطاق المحظور؟ شرع الاسلام للمرأة ان ترى الرجل وان يراها الرجال ولم يحظر ذلك سدا للذريعة انما وضع له آدابا رفيعة تكفل امن الفتنة وبالتالي تتم الرؤية في طهر وعفاف يقول تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم...) ويقول ايضا: (وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن) وقد شرع الاسلام للمرأة لقاء الرجال والاجتماع بهم في اطار قوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (لا يخلو رجل بامرأة الا مع ذي محرم) وشرع لها الكلام مع الرجال في اطار قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) وشرع للمرأة السير في الطرقات في اطار قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) وشرع لها ان تؤم المسجد. اذن المرأة مباح لها كل هذه الاشياء ولا تمنع من ممارستها الا اذا اخلت بالآداب والضوابط المتعلقة بها. لكن المشكلة تأتي من غيرة الرجل وانانيته الشديدة تجاه المرأة ووصلت هذه الغيرة في بعض المجتمعات الى ان يغار الرجل من مجرد رؤية الناس لأمه او أخته او زوجه او بمجرد سماع صوت احداهن بل وصل الغلو والتطرف الى درجة ان يأنف الرجل من ان يصرح باسم زوجته ويغار من ذكره. وهذه مجرد اجتهادات خاطئة صدرت عن بعض العلماء في فترات تاريخية معينة, ويجب علينا التخلي عنها يقول مالك: (ليس احد من خلق الله الا يؤخذ من قوله ويرد الا النبي ــ صلى الله عليه وسلم) . توزيع المسؤولية كيف يمكننا معالجة هذه الاخطاء المتوازنة والتي تؤثر على المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع؟ الاسلام عالج طغيان الرجل واستبداده بان اعطى للمرأة حق ممارسة الولاية الى جانب الرجل ووزع المسؤولية عليهما في مختلف الامور وفي الحديث يقول ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته, الامام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته..) . كذلك جعل الاسلام المرأة مساوية للرجل ولم يجعلها تابعة له. وهذه المساواة تشمل القيمة الانسانية والمساواة في الحقوق الاجتماعية وكذلك في المسؤولية والجزاء, واذا كانت الشريعة الاسلامية قد خصت المرأة ببعض الاحكام كإعفائها من الاعباء الاقتصادية للاسرة او اختلاف نصيبها في الميراث فان هذه تعد استثناءات عن القاعدة الاصلية وهي المساواة. يقول ابن حزم: لما كان رسول الله مبعوثا الى الرجال والنساء بعثا مستويا وكان خطاب الله تعالى وخطاب نبيه ــ صلى الله عليه وسلم ــ للرجال والنساء خطابا واحدا لم يجز ان يخص بشيء من ذلك الرجال دون النساء الا بنص جلي او اجماع لان ذلك تخصيص للظاهر وهذا غير جائز. واذا كانت هناك ــ كما ذكرت ــ بعض الاخطاء والاجتهادات التي جانبها الصواب في تراثنا الاسلامي وتتعلق بالمرأة فيجب تصحيح هذه الاخطاء وتنقية التراث لان هذه الاخطاء كان لها اسوأ الآثار النفسية والاجتماعية على المرأة, ولعل هذه الاخطاء كانت وراء قيام كثير من الجمعيات النسائية بالدعوة الى التحرر من تعاليم الاسلام وهذه بالطبع دعوة متطرفة ومرفوضة لان الرؤية الاسلامية انصفت المرأة وكرمتها وأعطتها الحق في ممارسة كل حقوقها واذا كان بعض العلماء قد اخطأوا فهذا لا يحمل على الاسلام ولا يكون التخلص من هذه الاخطاء بالدعوة الى التحرر من تعاليم الاسلام والتغريب ونحو ذلك. وينبغي ان نتخلص من هذه الاخطاء بأسلوب هادئ وبمنطق علمي وبموضوعية والبعد عن التعصب لجنس دون اخر ولاشك ان هذا يحقق في النهاية مصلحة المجتمع كله الرجال والنساء. الحروب والغزوات كيف كانت المرأة المسلمة تمارس دورها في الحياة في العهد النبوي وفي صدر الاسلام؟ لقد شاركت المرأة المسلمة في ادق المسائل واخطرها ولم يكن هذا محل انكار في عهد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ولا في عهد خلفائه الراشدين.. وقد ذكرت كتب السيرة الحادثة الشهيرة عن عمر رضي الله عنه ــ حينما اخذ يدعو الى عدم المغالاة في المهور حتى يخفف من أعباء الزواج فوقفت امرأة من عامة الناس تناقشه في هذه المسألة محتجة بآية من القرآن تنهى عن ظلم المرأة في حقوقها يقول تعالى: (وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا واثماً مبيناً) . وقد شاركت المرأة المسلمة في الحروب والغزوات من ذلك ان اسماء بنت ابي بكر الصديق شهدت موقعة اليرموك مع زوجها الزبير وأبلت فيها بلاء حسنا ايضا شهدت اسماء بنت يزيد بن السكن الانصارية موقعة اليرموك وقتلت يؤمئذ تسعة من الروم بعمود خبائها. وكانت السيدة عائشة ــ رضي الله عنها ــ أعلم الناس يسألها اكابر الصحابة. وكانت اسماء بنت عميس راوية للحديث وكانت زينب بنت ابي سلمة المخزومية محدثة وفقيهة. ومن المحدثات ايضا ام هاني بنت ابي طالب وفاطمة بنت قيس الفهرية, كذلك شاركت المرأة في صدر الاسلام في الحياة الغنية فقد روى الطبراني عن ام سلمة قالت: دخلت على جارية لحسان بن ثابت يوم فطر ناشزة شعرها معها دف فزجرتها فقال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: دعيها يا ام سلمة فان لكل قوم عيد وهذا عيدنا. ايضا شاركت النساء في عصر النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في الخدمات العامة والأنشطة فكن يداوين الجرحى ويحبس انفسهن على خدمة وسقاية الغازين ويتعهدن بالدواء والعناية اللازمة لشفائهم. وكانت المرأة تشارك في الاحتفال بالعيد فعن ام عطية ــ رضي الله عنها ــ قالت: كنا نؤمر ان نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها, وحتى تخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. كذلك شاركت المرأة في الهجرة مثل الرجل كما شاركت في العمل المهني مثل الزراعة وغير ذلك. فالمرأة في صدر الاسلام كانت تشارك في كل المجالات وفق قدراتها وامكاناتها. المرأة قاضية وما رأيك في عمل المرأة بالقضاء؟ لا يوجد في الاسلام ما يمنع المرأة من القيام بهذا العمل وفي البلاد العربية والاسلامية تولت المرأة بالفعل هذا المنصب واثبتت كفاءتها وقدرتها على اداء مهام القضاء وان كنت ارى ان يقتصر عملها في هذا المجال على قضايا الاحوال الشخصية بحيث تبتعد عن القضايا الجنائية حتى لا تخالط المجرمين واللصوص, وغير ذلك.