دارت الأرض دورتها, وانتقلنا من بهجة الحلم القومي الى كوابيس التمزق العربي, واستبدلنا بالاستعمار القديم ما هو أحدث من الاستعمار الجديد . ولابد ان يؤثر ذلك التغير على خطاب (العربي) الذي أصبح أكثر واقعية, وأكثر امعانا في النقد. ويبدو الأمر, الآن, كما لو كانت (العربي) تلح على ما يحتمله زمنها الحاضر من ثوابتها الموجودة في الأسس التي انطلقت منها, وتناوش حاضرها باعادة انتاج منطلقاتها الأولى في ضوء المتغيرات التي عصفت بالأحلام التي بدأت منها. واذا كانت لم تتخل عن أصولها قط, حفاظا على شرعية وجودها, فإنها عرضت هذه الأصول لمتغيرات الضوء والحرارة والطقس العربي الذي لا يكف عن التحول, فكانت النتيجة الاستمرار الذي تتفاعل فيه الثوابت والمتغيرات, ويتجاوب فيه المختلف والمؤتلف من تجليات الأصول التي يعاد انتاجها مع كل تحول جذري عاصف. لنقل ان مجلة (العربي) أصبحت اقل ابتساما, هذه السنوات, لأنها أصبحت أكثر معرفة بمتغيرات واقعها العربي, وأكثر ادراكا لتحولات العالم من حولها, وأكثر الحاحا على ان تؤدي دورها بوصفها وعدا ورسالة, صحيح انها لا تزال تحرص على وجود (طرائف عربية) بين صفحاتها الحالية, لكن أين من هذه الطرائف لوحات الكاريكاتور التي حملتها السنة الأولى, أو باب (اضحك) , أو لوحة الشهر التي رسمها أحمد الوردجي لبناء جدران (القومية العربية) في العدد الثاني (يناير 1959). لقد اتسعت حدقات العيون فاتسعت الرؤية التي اتسعت بأبواب الفكر والعلوم والآداب والفنون والمواجهات, في موازاة الاستطلاعات وعروض الكتب, واستجدت أبواب جديدة, تبدأ من باب البيت وتدلف إلى باب اللغة, باحثة عن شعاع من تاريخ تتجاوب فيه المعاني, وتغيرت رؤى أصحاب الأقلام, وحلت أجيال محل أجيال, وتحسنت تقنيات الطباعة التي واكبت تطوير الأبواب القائمة واستحداث أبواب جديدة. وتبدو المجلة, الآن, كما لو كانت تستجيب استجابة التحدي لمتغيرات زمنها, محافظة على هوية اهدافها التي اصبحت مقترنة بحركة الاستنارة العربية المعاصرة, سواء في سعي هذه الحركة الى الاسهام في الانتقال بوعي المواطن العربي من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية, وتحويل الواقع العربي من ميراث التخلف الى امكانات التقدم, وانتزاع العقل العربي من براثن قوى الاظلام. وإطلاق قدرته على الاجتهاد وتأكيد حقه في الاختلاف والمغايرة, وذلك كله في موازاة تحقيق عدالة توزيع المعرفة المعاصرة على القراء العرب في كل مكان, حالمة بالمستقبل الواعد الذي يبدأ من الطفل الذي استحدثت له المجلة (العربي الصغير) . وتؤكد أعداد السنوات الأخيرة من (العربي) تزايد عمق ادراكها لمهمتها الأساسية في علاقتها بالقارىء العام, المواطن العادي, رجلا أو امرأة, في مستوياته العمرية المختلفة, وفئاته الاجتماعية المتباينة, فتخاطبه خطاب التنوع الذي يستجيب الى احتياجاته الثقافية المتزايدة, وتصله بتقنيات وأفكار العالم الذي تحول الى قرية كونية صغيرة بالفعل, وتضعه في علاقة تماس بالجديد المتغير في هذا العالم كي يغدو هذا القارىء طرفا فيه, وهي تسهم بنزعتها الموسوعية في انارة عقل هذا القارى, خصوصا بانحيازها الضمني الى النزعات العقلانية, كما تسهم في تأسيس قيم التسامح في وعي هذا القارىء بأن تقدم اليه من تعدد وجهات النظر, واختلاف الاجتهادات, وتباين التيارات, ما يعوده على احترام الاختلاف, وتقبل المغايرة, والإيمان بالمباينة, ومن ثم عدم التعصب لرأي بعينه, أو فكرة دون غيرها. ويتأكد ذلك كله بما يصل بين الأصالة والمعاصرة, التراث والتجديد, الشرق والغرب, من منظور يؤثر الاعتدال على التطرف, والوسطية على الحدية, والوحدة على الفرقة, والتواصل على الانقطاع, والوصف على التقييم, والنقد الهادىء على المساءلة الجذرية. ولا ينفصل هذا المنزع عن النفور من الاطلاق, وترسيخ نسبية المعرفة في وعي القارىء بواسطة تأكيد قيم التنوع والاختلاف في المعالجات المتجاورة أو المتعاقبة, ومن ثم مساعدة القارىء على الايمان بأن انتاج المعرفة حق لكل عقل, وانه ما من طرف واحد أو كاتب واحد يحتكر هذا الحق, أو يمتلك قدرة تقديم أفكار نهائية أو حقائق مطلقة, بل يصوغ اجتهادات نسبية, تقبل الحوار, والمساءلة والاضافة والنقض. وتؤكد (العربي) منزعها العقلاني بالحفاظ على التوازن بين الأصالة والمعاصرة, سواء في الحرص على فتح أفق الحوار والمواجهة, أو في تقديم الأجيال الجديدة المختلفة من المفكرين والمبدعين على امتداد أقطار الوطن العربي دون تحيز, وأخيرا الحرص على التوسيع المستمر للدائرة الجغرافية للكتابة والقراءة, وكانت نتيجة ذلك الوصل بين ما كان منقطعا بين المغرب والمشرق, والاسهام في تعريف قراء المشرق بكتابات المغاربة الذين ظلوا يشتكون ــ ولا يزالون يشتكون ــ من التجاهل المشرقي. واضافت (العربي) الى متعة العقل متعة العين التي ترتاح الى جماليات الاخراج, وتستمتع ببلاغة الصورة أو اللوحة المرسومة, وذلك على نحو تتضافر فيه المتعة الذهنية لعقل القارئ مع المتعة الجمالية لمدركاته ومشاعره, ويبدو الأمر في السنوات الأخيرة كما لو كانت (العربي) يزداد ادراكها بأننا نعيش في عصر يتصف أول ما يتصف بأنه عصر الصورة التي تخاطب عين البصر وعين البصيرة. وكلي ثقة ان (العربي) تضع نفسها الآن موضع المساءلة, واعية بما أنجزت, متطلعة الى ما يمكن أن تنجزه, فهي تعرف قبل غيرها أن تاريخها يدفعها الى الأمام, وهي قاب عام واحد من القرن العشرين والألف الثالثة من الميلاد, وتنتسب الى عالم عربي تمت عولمته بالفعل, لكنه عالم لا يزال يسعى الى الحفاظ على هويته الثقافية في توجهاتها العقلانية, ويعاني الأمرين من أجل الحفاظ على الاستقلال السياسي لأقطاره والتحرر العقلي لأفراده, وذلك في تسارع زمن لابد من وضعه موضع المساءلة الجذرية لمواجهته وامتلاك ناصيته, وتلك هي مهمة (العربي) العسيرة في أعوامها المقبلة, فيما أحسب, لو أرادت أن تعيد انتاج نقطة البداية التي انطلقت منها, وتجعل من نقطة النهاية التي وصلت اليها نقطة بداية لتأسيس جديد.