هكذا قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وكان الانسان عجولا)[الاسراء: 11]. صدق الله العظيم.لكن صاحبنا هذا أعجل من العجلة, وأعجل من كل من عرفتهم, وحتى تعرف طبائع الأشخاص, لابد من السفر أو التعامل معهم, وكما يقول المثل: هل تعرف فلانا؟ نعم, هل سافرت معه؟ لا. هل تعاملت معه؟ لا. اذن أنت لا تعرفه . كنا في زيارة رسمية مع مجموعة من الزملاء الى الصين, وعند رجوعنا, مكثنا يومين في احدى مدن شرق آسيا للاستراحة وتغيير الطائرة, كانت هذه أول زيارة لي الى هذه المدينة, وكنت أتمنى أن تكون الأخيرة. بعد ان قضينا ليلة في المدينة, كان علينا مغادرة الفندق في الساعة الخامسة مساء من اليوم التالي, ويوم مغادرتنا في الساعة الثانية عشرة ظهرا, نزلت الى المطعم للغداء وكان جميع أعضاء الوفد هناك, فاستغربت عندما رأيتهم مجتمعين حول بعضهم ويتحدثون بصوت عال.. كعادتنا نحن العرب. سألتهم: ماذا جرى؟.. وما هذه الانفعالات على الوجوه؟.. هل ضاع منكم شيء؟ قال صاحبنا العجول: نعم, انه زميلنا فلان!, خرج ولم يرجع بعد ونحن في انتظاره والطائرة ستطير بعد ساعات, وبقية أعضاء الوفد يحاولون اقناعه بأن الوقت مازال مبكرا. قلت له: يا أخي العزيز الساعة الآن الثانية عشرة ظهرا, وميعاد تركنا الفندق الساعة الخامسة, إذن لدينا متسع من الوقت, لكنه كان مضطربا وعجولا كعادته, وقال: هذا ليس المهم, وسواء حضر أم لم يحضر, نحن على عجلة, والمهم ان أوراقنا الرسمية (جوازات سفرنا والتذاكر) كلها معه, لقد سلمناها له البارحة, ماذا جرى له؟.. والى أين ذهب؟ وبعد جهد كبير أقنعناه بأن نطلب الغداء وننتظره وحتما سيأتي في الوقت المناسب, طلبنا الأكل, لكن صاحبنا لا صبر لديه, تركنا وذهب دون ان نعرف الى أين؟ وبعد دقائق جاءنا مدير الفندق ومعه صاحبنا (العجول), وقال: زميلكم هذا يشتكي من شيء لم نستطع ان نعرف ما هو, فهو منفعل ولم نعرف كيف نتفاهم معه!! أرجو من أحدكم ترجمة ماذا يريد صاحبكم. حاولنا اقناع صاحبنا وتهدئته, لكنه أصر على ان نشرح لمدير الفندق بأن أحد زملائنا قد اختفى أو ربما أختطف, ففي هذه المدينة ليس غريبا ان يحدث ذلك! هكذا وباصرار منه طلب المدير رجال أمن الفندق ومن ثم تم ابلاغ مركز الشرطة, وحصل هرج ومرج في الفندق, وحضرت مجموعة من رجال الشرطة, وصاحبنا يقول: لقد تأخرنا على السفر مع ان الوقت كان مبكرا, لكن هو كذلك, عجول كعادته, لم يترك لنا مجالا للكلام. في هذه الأثناء والاتصالات جارية بين رجال الأمن ومراكز الشرطة, ظهر زميلنا المختفي يمشي وسط مجموعة كبيرة من سكان المدينة المارين أمام الفندق, وهو يتمشى بكل طمأنينة ويحمل مجموعة من الأكياس مليئة بالمشتريات. هلّل وكبّر صاحبنا العجول قائلا: ظهر وبان فلان. استغرب زميلنا المختفي, ماذا بكم؟ فبادره قائلا: الحمد لله على سلامتك, فأجاب: لقد ذهبت الى السوق والوقت مازال مبكرا للمغادرة, ولماذا كل هذا الانزعاج؟ وباستغراب أكبر, سألنا الضابط: أهذا هو صاحبكم المفقود؟ قلنا: نعم. قال: بالله عليكم ماذا أقول لكم يا عرب.. كيف يختفي هذا العملاق بين أهالي هذه المدينة وهو بهذا الحجم والطول وبهذا اللون وهم يبدون أمامه كالأقزام؟ ومن الذي يستطيع اختطافه؟ واذا تمكنوا من ذلك, أين سيخبئونه؟.. ان صاحبكم هذا يحتاج الى كل أهالي المدينة لكي يتمكنوا منه! لقد كان زميلنا طويل القامة, أسمر اللون, وكان الضابط محقا في قوله, لكن عجلة صاحبنا, سامحه الله, أوصلتنا الى هذا الموقف المضحك!!