فجأة انفتح على مصراعيه ملف خبيث يحمل عنوانا غريبا هو: (ملف الارتزاق والمرتزقة) والتي فتحت الملف هي المحاكمة المنصوبة حاليا في فرنسا , ويطالب فيها الادعاء بتوقيع عقوبة السجن لمدة تصل الى 15 عاما على المدعو (بوب دينارد) . والمذكور أعلاه كان منخرطا في سلك العسكرية الفرنسية منذ نحو نصف قرن (عمره الآن سبعون سنة) ولكنه لم يكن عسكريا عاديا .. بل كان ضابطا استثنائيا لا بمعنى انه كان فارسا شجاعا لا يشق له غبار, بل بمعنى انه كان نذلاً كبيرا .. وكان من الأوغاد المعدودين الذين ينبغي ان يهال على رؤوسهم وسيرتهم كل سحابات الغبار. ان اسم بوب دينارد وينطق في الفرنسية (دينار) هو دلالة على المقاتل المرتزق, يحارب بغير قضية, ويؤجر ساعده ومهاراته الحربية لكل من يدفع الثمن, وقد يحارب في هذا الصف يوما ثم إذا به في ضحى الغد يحارب في صف عدوه إذا ما زاد الجعل وارتفع الثمن. وهذا دأب كل مرتزق عبر التاريخ. تقول جريدة (يو. اس. توداي) وهي صحيفة يمكن وصفها بأنها (بين بين) بمعنى انها مطبوعة العائلة الأمريكية الواسعة الانتشار, فلا هي مسفة إلى درك صحف الاثارة (التابويد), ولا هي تبلغ فصاحة (الواشنطن بوست) أو رصانة (النيويورك تايمز) أو مكانة (الوول ستريت جورنال) . المهم ان (يو. اس. توداي) هي التي نشرت خبر محاكمة المرتزقة ووصف المذكور أعلاه بوب دينار (تأمل دلالة الاسم!) بأنه قاد عددا من الانتفاضات (أو الانقلابات والاشتباكات المسلحة) في بلدان شتى في آسيا وافريقيا منها الكونغو ونيجيريا وانجولا ثم ايران واليمن (أيام الحرب الأهلية بين مؤيدي الجمهورية, وفلول حكم الامامة البائد). على ان اسم بوب دينار برز وذاع عبر وكالات الأنباء العالمية حين ارتبط بأحداث جزر القمر وهي عضو في الجامعة العربية (ولا يكاد العرب يدرون عنها قليلا أو كثيرا ونتحدى ان يستطيع تحديد موقعها على الخريطة أكثر من واحد من كل عشرة من أبناء العرب الميامين. وجزر القمر كانت مستعمرة فرنسية تعوم في مياه المحيط الهندي.. وتشتهر بانتاج العجائن النباتية النفيسة التي تصنع منها أفخر وأثمن العطور - البارفانات - الفرنسية ولكن شاء حظها العاثر أن يتحول استقلالها إلى سلسلة من كوابيس الأحداث التي تجسدت في انقلابات سياسية وانقلابات مضادة, فيما كانت جموع الناس ومصالحهم وممتلكاتهم تذهب ضحية أقواس النيران. قال الراوي: كان أول رئيس لجمهورية جزر القمر هو أحمد عبدالله الذي تولى الحكم في أعقاب الاستقلال.. ولم تمض سنوات إلا وصادف الرئيس عبدالله انقلابا أطاح به إلى خارج بلاده التي حكمها مغامر فرض نظاما شبه فوضوي أقرب ما يكون إلى الشيوعية, واضطر عبدالله إلى الاقامة في باريس حيث أصبح لاجئا شحيح الموارد بغير شغله أو مشغلة اللهم الا التردد على مقاهي العاصمة الفرنسية. ذات يوم تعرف على ضابط مرتزق فرنسي وعده باعادته إلى منصبه الرفيع في جزر القمر, ولم يكن ثمة موارد لتمويل عملية الانقلاب المضاد المرتقب سوى شقة كان يملكها العم أحمد عبدالله في باريس, وقد رهنوها لزوم التمويل المطلوب.. وعندما تم المراد من رب العباد ونجحت قوة المرتزقة الفرنسية في الاطاحة بنظام الحكم في جزر القمر.. وفيما كان الرئيس السابق أحمد عبدالله يفرك يديه فرحا ويستعد ليصبح رئيسا مجددا للبلاد, إذا بأحلامه تنهار في العودة إلى كرسي الحكم ببساطة لان جيش المرتزقة استمرأ لعبة الحكم وبدأ ضباطه - المرتزقة أيضا - يظهرون في استعراضات أقاموها في الشوارع حيث كانوا يلوحون للجماهير.. ولم ينقذ الموقف سوى التدخل المباشر من جانب حكومة باريس التي أرسلت قوة رسمية من جانبها أزاحت المرتزقة وقبضت على قادتهم واقتادتهم مخفورين إلى باريس. ومن عجب أن تنتهي هذه الحكاية شبه الهزلية بمأساة تمثلت في انقلاب جديد قام به المرتزقة الفرنسي بوب دينار اياه: وفي اطاره اقتحم مكتب الرئيس عبدالله في موروني عاصمة جزر القمر, وكان بصحبته كبير مساعديه واسمه (دومينيك مالاكرينو) وحدث تبادل لاطلاق الرصاص ما أدى إلى اغتيال رئيس الجمهورية.. وكان ذلك في عام 1989. لكن حرفة الارتزاق لا تقتصر على من يؤجرون سواعدهم ويرتدون البديهيات الخضراء علما على انهم يحاربون بالاجر وينتصرون لمن يدفع اكثر, ويطرحون انفسهم في اسواق نخاسة.. عسكرية ان صح التعبير. من المرتزقة من يؤجرون عقولهم ويطرحون مواهبهم في اسواق نخاسة من نوع آخر, انهم جيوش المادحين لكل من حكم بغير اقتناع ولا احترام لعقليات البشر, فلول المنافقين الذين يلوي الواحد منهم اعناق الحقائق, ولا يتورع عن شهادة زور خبيثة يشوه بها تاريخ البلاد وسيرة العباد.. ولست ادرى لماذا يظل الثأر البايت كما يقولون بيني وبين هذه النوعية من عتاة المنافقين الذين بلغ الارتزاق بواحد منهم الحد الذي تجاوز فيه كل خطوط اللياقة والاصول والمفهومية ـ الخضراء والحمراء على السواء ــ حين اطلق يوما بيته الشهير ينافق فيه المعز لدين الله, رأس الخلفاء الفاطميين في مصر وقال فيه: ما شئت لا ما شاءت الاقدار فاحكم فأنت الواحد القهار و.. قبح من بيت, وقبح قائله!