(نهاية التاريخ والانسان الاخير، كتاب ليس جديداً بالمعنى الحرفي للكلمة, فمع انه قد صدر في عام 1992 الا انه صار مؤخراً يتقدم قائمة الكتب الاكثر مبيعاً في دول مثل امريكا وفرنسا واليابان وتشيلي كما ترجم الى العديد من اللغات العالمية ومنها اللغة العربية, بالاضافة الى حصوله على العديد من الجوائز المحلية والعالمية. ولعل الأهم من ذلك هو ان العديد من النقاد والمهتمين في شؤون الفلسفة والسياسة والاقتصاد قد تصدوا له منذ ظهوره وحتى الآن.. ولا شيء في الافق بشأن نهاية ذلك الجدل الدائر حول الكتاب ومؤلفه (فرانسيس فوكوياما) الكاتب والسياسي والاكاديمي الامريكي فالدوائر الثقافية العالمية منها والمحلية (الامريكية) تثيرها نظرياته المتعلقة بفلسفة التاريخ الى جانب كتاباته الاخرى في الاقتصاد والسياسة الدولية. من هو فرانسيس فوكوياما وما هي حقيقة ذلك الجدل في عصر يشهد البحث عن مستقبل آخر للعالم, كالمستقبل الذي لا توجد فيه سوابق تاريخية ثابتة؟ تأتي (نهاية التاريخ) وهو العمل الذي يبدو فيه فوكوياما متميزاً واكثر تفاؤلاً انطلاقاً من شعوره بعظمة اسهامه في فلسفة التاريخ اكثر واقعية احياناً وشديدة التناقض في احيان اخرى خاصة عند اعلانه عن نهاية الدولة القومية (دولة الصراعات الدامية) التي حكمت هذا العالم لزمن طويل وبداية دولة المؤسسة القوية. في كتاباته بشكل عام يبدو فوكوياما شديد التأثر بفلسفات هيجل وكانت وكارل ماركس والفلسفات المسيحية فقد كان شديد الاقتناع بنظريات هيجل على وجه الخصوص وتحديداً ما يتعلق منها بفلسفة (حركة التاريخ) ومنها استمد جذور نظريته الفلسفية المتعلقة (بنهاية التاريخ) وبداية مؤسسات ما بعد التاريخ, كما يتناول في كتاباته كذلك العديد من القضايا المتعلقة بالديمقراطية والاقتصاد السياسي العالمي والشؤون السياسية الخارجية السوفييتية والصينية في العالم الثالث الى جانب تركيزه على موضوعات اخرى مشابهة مثل دور رأس المال الثقافي والاجتماعي في الحياة الحديثة وصدر له في عام 1995 (الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق فرص الرخاء الاقتصادي) , وهو من اهم مؤلفاته في مجال الاقتصاد الذي اعتبر واحداً من بين افضل عشر مؤلفات في مجال الاعمال وحاز على جائزة كتاب العام لسنة 1995 كما ترجم الى اكثر من عشرين لغة عالمية, حيث يعمد فوكوياما من خلال هذا المؤلف الى تحليل البنى الثقافية والاجتماعية الاكثر تأثيراً في الحياة الاقتصادية لمجتمعات ما بعد التاريخ. درس فوكوياما في جامعة كورنيل الامريكية وتلمذ على يد (ألن بلوم) مؤلف كتاب (اغلاق العقل الامريكي) وكان شديد الاقتناع بنظرياته الفلسفية وتولد لديه الاقتناع بأن الحقائق الاخلاقية النسبية التي وجدت في الستينات من هذا القرن ربما تكون هي العامل الذي ساهم في تدمير كل القيم الاخلاقية الغربية, ففي (التفكيك العظيم) وهو عنوان الكتاب الذي يتوقع صدوره يحدد تفككاً ضخماً في النظام والقيم التي ضربت الامم المتقدمة خلال حقبة الستينات وهو الامر الذي نجم عنه ارتفاع مستوى الجريمة وانحسار دور الرفاه الاجتماعي وبروز ظاهرة التفكك الاسري وتغيير الادوار بين الجنسين وخروج المرأة الى العمل وظهور موانع الحمل وبعض اولئك القائلين بالمساواة بين الجنسين سياسياً واقتصادياً, وهي الاشياء التي يرى المؤلف انها لن تتكرر بنهاية التاريخ, تلك النهاية المفاجئة التي يضع فوكوياما مبرراتها استناداً الى (الطبيعة البشرية) , فنحن مهيئون لذلك فيزيولوجياً ومسيرتنا تتجه دائماً نحو النظام الاجتماعي والقيم الاخلاقية وتجعلنا نعود الى الاستقرار مرة اخرى) . ويضرب المؤلف مثالاً على ذلك, معلقاً على ما حدث في أمريكا خلال العقد الاخير, (ان مستوى الجريمة قد شهد هبوطاً ملحوظاً في امريكا, ولو انني اشكك في ذلك الا انه بإمكانك ان تنظر الى ما فعلته مسيرة المليون رجل, تلك التي نظمها (لويس فرخان) , لقد عاد اولئك الضالون الى بيوتهم وقد عقدوا العزم على ان يلتزموا تجاه انفسهم) . وفي الوقت الذي قدم فيه الناشرون فوكوياما الى العالم كأحد افضل الاكاديميين الذين عرفتهم نهاية القرن ومع ان نهاية التاريخ او فلسفة التاريخ تبدو للعديد من النقاد والمهتمين هي الاكثر واقعية الا ان تلك الحقائق والمعارف التي يستند اليها فوكوياما تبدو ناقصة ومشوشة وتنبئية في نظر العديد من النقاد الذين لا يرون في مؤلفها اكثر من فيلسوف مبتهج في بلاط الرأسمالية العالمية الجديدة وهي تعبير قد لا يكون مختلفاً عن كون المعنى الأول به هو الولايات المتحدة الامريكية التي تقود مسيرة التاريخ الانساني او تصنع رواية جديدة (كما يرى فوكوياما) لا تختلف كثيراً عما قد جاء به الفيلسوف المثالي الشهير هيجل (رواية التاريخ واضحة جداً كما ان التاريخ يسير دائماً نحو الامام وبشكل واضح وجلي) وهو الامر الذي يبدو معه المؤلف وكأنه يدافع عن الهيمنة الاقتصادية الامريكية لا عن الديمقراطية العالمية مما يجعله ينظر الى العالم من وجهة نظر امريكية. كما ينتقص الكثيرون ايضاً من الأساليب الفكرية للمؤلف التي تفتقر الى الوضوح وهو احد اهم المشكلات التي تؤدي الى ضعف اسلوبه في الكتابة ومع ان فوكوياما يبدو دائماً كمن يحاول تجنب الاشارة الى الآخرين الا انه بات يثير اشمئزاز ونفور أصحاب التوجهات اليسارية خاصة في أوروبا من خلال نزعاته المحافظة الجديدة الواضحة, خاصة ما يتعلق منها بالجنس, كدور المرأة في مجتمع ما بعد التاريخ كما يسميه وازدواجية الادوار الذكورية الانثوية وبادعائه المحافظة على القيم العائلية ومحاولة استعادة النظام الاجتماعي كل ذلك يأتي بأسلوب لا يخفي كرهه الواضح للبعد الاوروبي الذي يسعى الى اقناعه بأسلوب مهلهل مفرط في التبسيط رديء أحياناً الى حد يسيء الى ملكته الكتابية ويضعف كل فرضياته. ولو تسأل أحد هل أتى النجاح الذي لقيه فوكوياما او (نهاية التاريخ) كنتيجة حتمية لقدرته على اشباع غرور الاقوياء؟ لربما جاءه الجواب سريعاً بأن ما كتبه فوكوياما لا يعدو كونه ذريعة تسويقية ترويجية وانه في نهاية الامر ليس الا مبشراً بالتفوق والمركزية الامريكية وهو الامر ذاته الذي لا ينفيه فوكوياما وان لم يكن قادراً على اثبات مصداقيته وصحته.. في عالم يصبح الفكر فيه مجرد سندويتشات صغيرة الحجم كما حدث في نهاية التاريخ. حقائق أساسية عن فوكوياما فرانسيس فوكوياما كاتب امريكي من أصل ياباني ولد في سنة 1952. درس في جامعة كورنيل الامريكية, وحصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد. عمل في وزارة الخارجية الامريكية وتقلد عدة مناصب رفيعة ومنها عمله كمتخصص في شؤون الشرق الاوسط ونائباً لمدير ادارة الشؤون السياسية العسكرية الاوروبية. كان عضواً في الوفد الامريكي المشارك في مباحثات الحكم الذاتي الفلسطيني التي عقدت بين مصر واسرائيل ما بين عامي 1981 ــ 1982. اعداد ــ مريم جمعة فرج