في هذه الحياة يحدث أن تلتقي أناساً لا تعرف إن كان القدر قد ساقك إليهم أم ساقهم إليك. قد لا يستغرق هذا اللقاء سوى دقائق, وتكون تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي تراهم فيها , لكنّ شيئاً ما يجعلهم يلتصقون بالذاكرة, يحتلون منها مساحة يصعب على عوامل النسيان أن تعمل عملها فيها. هذا الصنف من البشر قليل, بينما يعبر الغالب فلا يتركون بالذاكرة أثراً, ولا تكاد تسترجع ملامحهم بعد زمن يسير من عبورهم. من الصنف الأول هذه السيدة التي أحدثكم عنها. كان ذلك منذ عام تقريباً.. صيف عام 1998.. منتصف شهر أغسطس على وجه التحديد. أما المكان فقد كان محطة القطارات بمدينة سان بطرسبيرج بروسيا. وصلنا قبل موعد تحرك القطار بساعة.. وتلك عادة أحرص عليها, إذ لا أحب مفاجآت السفر والارتباك الذي يحدثه الوصول إلى منافذ الخروج في اللحظة الأخيرة. ذلك سبب. أما السبب الأهم فهو أنني أجد متعة في تأمل وجوه البشر وانفعالاتهم في صالات الوصول والمغادرة وأهوى قراءتها, فعلى هذه الوجوه ترتسم الكثير من الملامح والانفعالات.. بين فرح باد وحزن مكتوم وقلق ظاهر وباطن, ومشاعر تتباين وتتقارب. كل ذلك يحدث في مكان واحد لأناس يجمع بينهم لقاء أو فراق.. حلّ أو ارتحال.. وتلك سنة الحياة. كان الطقس بارداً في ذلك الصباح الباكر بعد ليلة لم يتوقف المطر فيها عن الهطول, فكان أفضل قرار هو أن نتوجه إلى الكافتيريا لتناول مشروب ساخن.. وقد فعلنا. كانت الكافتيريا مكتظة بالناس وجميع الطاولات مشغولة, وفي زاوية بعيدة لمحنا طاولة تشغلها سيدة في أواخر العقد السادس من العمر كما بدا لنا من ملامحها.. توجهنا إليها بعد أن حملنا أكواب الشاي واستأذن أحد صاحبيّ - وقد كنا ثلاثة - لمشاركة السيدة الجلوس على الطاولة فرحّبت بابتسامة. ما ان استقر بنا المقام وبدأنا ارتشاف الشاي حتى رأينا رفيقتنا تترك ما بيدها - وقد كانت تتناول افطارها - وتتجه بكل كيانها ناحية طفل في الخامسة من عمره تقريباً كان في هذه اللحظة يلهو بين الطاولات, ثم تتوجه بالحديث إليّ باللغة التي لا أعرف منها سوى عبارتي (صباح الخير ومساء الخير) وأظني في الطريق إلى نسيانهما بعد عام من تلك الرحلة. نظرت إلى صاحبيّ وكان أحدهما يتحدث العربية بدرجة لا بأس بها والآخر يجيد الانجليزية, وقبل أن يفك لي صديقي طلاسم الكلمات التي نطقت بها أفهمها بلطف أنني غريب لا أتحدث لغتهم فاعتذرت بتهذيب, ثم قال صاحبي مترجما كلامها: إنها تقول لك: كيف يمكن لإنسان ألا يحب طفلا بريئا كهذا الذي يتحرك بيننا الآن؟! ليت ان الحياة لم تلوثنا فبقينا أطفالا واحتفظنا ببراءتنا. فاجأني السؤال وهذا الطرح من قبل السيدة التي واصلت: هل شاهدت على شاشات التلفزيون مناظر الأطفال ووجوههم في مناطق الحروب والمجاعات والكوارث؟ إنها نفس الوجوه لا ينتزع منها الجوع أو الفزع البراءة.. وإن كان يضفي عليها شيئا آخر هو توجيه الاتهام لنا جميعا بأننا نعبث بأثمن شيء وهبنا إياه الخالق وهو الحياة. ومرة أخرى ودون أن تترك لي فرصة التعليق سألت: كم مضى عليك أيها الضيف في هذه المدينة؟ أجبتها من خلال رفيقي: عشرة أيام تقريبا. واصلت توجيه الأسئلة: وماذا رأيت فيها؟ أجبت: كل حجر.. ألستم أنتم الذين تقولون إن كل حجر في مدينة سان بطرسبيرج له تاريخ؟ قالت متساءلة: وما فائدة التاريخ إذا كنا نكتبه حسب أهوائنا, ثم نعيد كتابته كلما عنّ لنا ذلك؟! ثم عادت لطرح الأسئلة عليّ: هل تعرف عدد الأسماء التي حملتها هذه المدينة؟ أجبتها: أعرف انه عندما أنشأها بطرس الأكبر عام 1703 سمّاها سان بطرسبيرج, ثم تغير اسمها عام 1914 ليصبح بتروجراد, وبعد قيام الثورة تم تغيير اسمها إلى لينينجراد عام 1924 ليعود اسمها بعد حل الاتحاد السوفييتي إلى سان بطرسبيرج أو (بيتربيرج) كما تسمونها بالروسية. بدا السرور على محدثتي لسماعها ذلك مني فأكملت: هذه المدينة يا سيدي أنشئت لتكون نافذة تطل على أوروبا, وقد اختار لها بطرس الأكبر أن تقام في دلتا نهر نيفا الذي يصب في خليج فنلندا, وخطط لها المهندسون الايطاليون والفرنسيون, وأصبحت في فترة وجيزة مركزا دوليا وثقافيا واجتماعيا, ثم صارت المدينة الصناعية الأولى, وظلت عاصمة لروسيا حتى قيام الثورة ونقل العاصمة إلى موسكو عام 1918.. إنها مدينة عريقة كما ترى.. ولكن قل لي ما أكثر الأشياء التي أعجبتك فيها؟ أجبتها: لا أخفي عليك أنني ما زلت منبهرا بما شاهدت من عظمة وروعة بناء وتحف فنية فريدة في (القصر الشتوي) الذي لم أر له مثيلا حتى الآن.. وقد علمت من المرشدة السياحية التي رافقتنا أنه لكي تشاهد كل ركن وزاوية وقطعة فنية فيه فإنك بحاجة إلى سبع سنوات كاملة من التجوال داخل القصر.. أي 2555 يوما!! كما أعجبني (القصر الصيفي) في قرية بطرس والشهير بنافوراته الضخمة المصنوعة من الذهب الخالص. وقبل أن أكمل قاطعتني: هل تعلم ان معظم هذه القصور والتحف الفنية التي تتحدث عنها قد هدمت وأحرقت أثناء حصار الألمان للمدينة في الحرب العالمية الثانية والذي استمر لمدة عامين من 1941 إلى 1943.. ثم أعيد بناؤها بنفس التصميم لتعود كما كانت؟ وهنا صدرت عنها تنهيدة عميقة ثم توقفت عن الحديث.. نظرت لصاحبيّ وساد صمت لم نشأ أن نقطعه احتراما لمشاعر السيدة التي بدا لنا انها تستدعي للذاكرة حدثا ما.. وقد صدق حدسنا, فبعد برهة التقطت فيها أنفاسها عادت لتكمل: لقد ولدت قبل ثلاثة أعوام من الحرب التي بدأت عام 1939.. وعندما تم حصار هذه المدينة كنت في مثل سن هذا الطفل الذي ترونه يجري حولنا.. كان عمري وقتها خمس سنوات.. في هذه السن من المفروض ألا يعرف الأطفال من الحياة سوى اللعب واللهو.. أما نحن فقد عرفنا وقتها أسوأ ما يمكن أن يتعرض له بشر.. كنا نحس كأننا فئران داخل مصيدة لا نستطيع الخروج منها.. لم تشفع للمدينة كل مظاهر الفن والجمال التي رأيتها.. لقد اشتعلت الحرائق في معظم هذه القصور رغم انها لم تعد مقارا للحكام فقد ولى عهد الملوك والقياصرة وتحولت هذه القصور إلى متاحف ومزارات لعشاق الفنون المعمارية والتشكيلية.. ومع ذلك فلم تفرق المدافع والقنابل بينها وبين الثكنات العسكرية.. ولعل القرى التي تقع في ضواحي المدينة كانت أكثر عرضة لذلك. أردت أن أخفف عنها قليلا فقلت: لقد رأيت ذلك فعلا في (القصر الصيفي) وكذلك في (قصر الكساندر) .. ولكن الحرب يا سيدتي عندما تبدأ فإنها تلغي العقل.. والجندي في ساحة المعركة غير الإنسان العادي الذي ترينه يمشي في الشارع أو يأكل في المطعم.. إنه يعيش تحت ضغط هاجس الموت في كل لحظة.. وهو شعور لا يمكن أن يحسه إلا من يعيشه فعلا. لم تعلق السيدة على كلامي, ولكنها قالت كمن يحدث نفسه: ترى أي عقول تلك التي تحتويها رؤوس الطغاة وأي قلوب تلك التي تنبض في صدور أولئك المتعطشين للقتل والدماء والعظمة على حساب الأبرياء.. وهل يكفي أن يحاسبهم التاريخ على ما يرتكبون من جرائم؟! قلت مبتسما: ولكنك في بداية الحديث أظهرت عدم ثقتك بالتاريخ.. فهل تراك غيّرت رأيك؟ قالت وكأنها تدفع عن نفسها اتهاما: أبدا لم أفعل ذلك.. وسأضرب لك مثلا حيا.. هل زرت قبور آخر حكام أسرة (رومانوف) التي دفنت هذا العام في مدينة (سان بطرسبيرج) في احتفال مهيب؟ أجبتها: بل حرصت على ذلك.. فقد كان حدثا غير عادي إذا أخضعناه للمنطق. قالت: هل رأيت تراجعا في أحكام التاريخ كالذي نعيشه الآن؟! لقد قامت الثورة للقضاء على فساد حكم القياصرة.. وكان نقولا الثاني بن الكسندر الثالث آخرهم.. وهو الذي أطلق النيران على الفلاحين والعمال عندما خرجوا في مظاهرة سلمية يطالبون بتحسين أحوالهم المعيشية ففقد حبّ الشعب له.. ثم كانت الطامة الكبرى عندما ترك القيصرة الكسندرا فيودورفنا تدير المملكة فكان أن خضعت لتأثير الراهب الشرير راسبوتين الذي أثار عليه حنق جميع الطبقات فقتل عام 1916 ليتوقف نقولا عن الحكم فعلا ويزداد التذمر وتتوالى الهزائم ويضطر في النهاية للنزول عن العرش فيسجن حتى يلقى حتفه هو وزوجته وأولاده وتحرق جثثهم ليلة 16 يوليو 1918. بعد كل هذا التاريخ الأسود يتم احضار ما تبقى من رفاتهم لتدفن في احتفال مهيب يحضره رئيس الدولة في تلك القلعة الحربية الكبيرة التي تعد رمزا لصمود المدينة, وكأننا نعترف بالخطأ ونقول للأجيال الجديدة إن القضاء على أولئك الحكام كان غلطة نقوم اليوم بتصحيحها. لقد بدأنا بتفكيك اتحادنا ثم ها نحن اليوم نرد الاعتبار لمن قمنا بالثورة عليهم.. وغدا تكشف لنا الأيام الخطوة التالية.. وبعد هذا كله تطلب مني أن أثق بالتاريخ.. فأين الحقيقة في كل ذلك؟ في هذه اللحظة انطلقت صافرة المحطة تعلن قرب قيام القطار.. وتنقذني في الوقت نفسه من الرد على سؤال السيدة التي ربما لم تكن تنتظر مني ردا. نظرت في الساعة فإذا بالحوار قد استغرق منا ساعة كاملة لم نشعر بانقضائها. حملت السيدة حقيبة سفرها اليدوية الصغيرة واتجهت معنا إلى عربة القطار.. بعد أن ركبنا واستقر كل في مكانه, كشفت لنا ما يمكن أن يكون سر الحماس الذي لمسناه في حديثها.. قالت السيدة: انني أعيش منذ ما يقارب العشرين عاما في مدينة (سفيردلفسك) التي كانت تسمى (أكاترينبورج) وهي المدينة التي أعدم فيها نقولا الثاني وأسرته.. ولكن أحلاما تقض مضجعي في كثير من الليالي تضطرني لزيارة سان بطرسبيرج بين فينة وأخرى للاطمئنان على المدينة التي عشت فيها طفولتي وصباي.. هل أخبركم عن هذه الأحلام؟ إنها صور وأصوات القذائف المتساقطة على المدينة منذ ما يقارب سبعة وخمسين عاما.. تلك هي الضريبة التي يدفعها طفل في بداية تكوين الوعي عندما ينشأ في هذه الظروف ويعيش هذه الأجواء.. فأي جريمة يرتكبها مشعلو الحروب في حق البشر والإنسانية.. وإلى أين نحن سائرون؟! وانطلق القطار ليظل سؤال السيدة يبحث عن اجابة. وما زال القطار منطلقا. أما أنا وصاحباي فقد نزلنا في المحطة التي كنّا نقصد.. ولا نعلم إلى أي محطة ذهب بالسيدة قطار الحياة, فقد كانت آخر عبارة قالتها لنا ونحن نهم بمغادرة القطار: (هذه الحياة قطار كبير.. لكل منا محطة يترك عندها العربة التي يستقلها.. وعندما يتوقف القطار تماما تكون جميع العربات قد خلت من ركابها) . وبعد عام من هذا الحوار وذلك اللقاء.. لا تزال عبارتها تتردد في أذني.. أما صورتها فستبقى محفورة في الذاكرة.