حتى يومنا هذا تتواصل لعبة القط والفأر بين الرقيب أيا كان شكله أو لونه أو منصبه أو صفته أو جنسه, وبين الخارج على النص, ويبدو أن ذاك التمرد الدفين وتلك المطاردة المثيرة كانت وستظل من اصول واسس اللعبة بين من يقول ومن يتلقى, فقد جبل الانسان منذ بدء الخليقة الاولى على التعلم والتلقي ومراقبة الاشياء ومتابعة الامور صغيرها وكبيرها, وبالتالي اعطته الايام قوانينها, ومنحته التجارب مقارناتها, فأصبح يميز بين ما هو ضار ونافع, ولكنه رغم ذلك يحاول جاهدا وبشكل فطري الخروج على القوالب الموضوعة والمعدة سلفا. وبين الكاتب والرقيب شعرة ترقب وحذر, يشدها الرقيب كثيرا ويرخيها الكاتب اكثر دون ان يشعر القارىء ربما بتلك العلاقة المتأرجحة والمتواصلة ايضا بين الطرفين. وحتى لا ادخل في جدلية لاهثة بين رقيب لا يقرأ ما بين السطور, وكاتب مشاغب يعرف كيف يتوارى وراء كثبان المعنى والمصطلح, أمنح نفسي مساحة حرة للتمرد على القلم الاحمر, فاقطف حكاية من هنا وطرفة من هناك فربما لا يعتني بهما الرقيب أو يجد فيهما حرجا أو خطوطا حمراء تحتاج للتوقف والشطب والتغيير احيانا. لقد تعود الكثير من الكتاب والصحفيين بحكم العادة الصحفية أن لا يثوروا من تدخل القلم الاحمر في مقالاتهم الا فيما ندر, فيأخذ بعضهم هذا التدخل من باب السياسة العامة التي تنتهجها المطبوعة, ويدرجه اخرون ضمن قائمة الممنوعات والمحظورات, ويفسره فريق ثالث بالمزاجية التي تحكم الرقيب, وايا كانت الاسباب فان الرقيب هو الاصل في نسيج الحكاية التي تسمى الكتابة. وقد ذكر لي زميل من بلد عربي من الذين يعملون في الصحافة الرياضية حكايته مع الرقيب في بلده, يقول الزميل: كتبت مقالا مفصلا عن الهدف الذهبي الذي يطبقه الاتحاد الدولي لكرة القدم ونتائجه السلبية على اللعبة, وعنونته بكلمتين هما (نظام فاشل) , فقلت: صحيح ان بعض الانظمة الفاشلة لا تورث الا الفشل, واول الفشل ضياع الجهد والتعب والوقت والمال والطاقات البشرية, الا ان الرقيب كما يقول الزميل لم يعجبه هذا الكلام المسطر, فغيره ببساطة ابتداء من العنوان هكذا, نظام ناجح فأكمل قائلا: صحيح ان الانظمة الناجحة لا تورث الا النجاح, واول النجاح عدم ضياع الجهد والتعب والوقت والطاقات البشرية, واضاف جملة من عنده في سياق حديثه عن تلك النجاحات قائلا: لقد بذل سيدي الرئيس جهودا جبارة وفاعلة من اجل الهدف الذهبي. هنا لم يبذل الرقيب جهدا في اتمام قراءة المقال ومعرفة محتواه, وكل ما فهمه والتقطه هو النظام الفاشل, لذا وبشكل ميكانيكي لا ارادي اصبح النظام في تصور صاحبنا هو النظام الحاكم. وحكاية اخرى مماثلة حدثت مع الرقيب تتمثل في عمود اسبوعي كان يكتبه, وصدف ان تناول تشكيل اللجان لأية مشكلة فقال: اذ اردت ان تقتل أية مبادرة حل لأية مشكلة فشكل لها لجنة عليا تتمخض عنها لجنة رئيسية وعدة لجان فرعية وقم بمتابعتها دوريا من خلال اجتماعات متباعدة إلى آخر المقالة. ويشير الزميل إلى أنه قام بتسليم المقالة وغادر مبنى الصحيفة, الا ان ما حدث كان عكس التوقعات, ففي اليوم التالي قرأ صاحبنا زاويته بشكل مختلف جدا, فقد اكد دون ان يدري على أهمية تشكيل اللجان العليا لدراسة اي حدث ومشكلة لضرورتها في ايجاد الحلول السريعة والفاعلة!! أما لماذا هذا التغيير؟ يقول صاحبنا ان احد اكبر واهم الشخصيات كان قد ترأس لجنة عليا وقد نشر الخبر في الصفحة الاولى بينما كانت زاويتي في الصفحة الاخيرة, ولا تعليق! ومن يعتقد ان دور الرقيب جديد فهو واهم, فقد عرفت العرب منذ القدم دور الرقيب الذي يقف عند مفترق الكلام فيجيز هذا ويتوقف عند ذاك, وها هو الرقيب يقف عند كلام ليزيد بن مزيد فيخبر به الرشيد الذي يأمر بدوره باحضار يزيد فيسأله قائلا: انت القائل, انا ركن الدولة والثائر لها, والضارب اعناق بغاتها, لا أم لك, اي ركن, واي ثائر أنت! فيرد عليه يزيد بكل ذكاء وفطنة قائلا: ما قلت هذا يا أمير المؤمنين, انما قلت: انا عبد الدولة, والثائر لها, فأطرق الرشيد وجعل ينحل غضبه عن وجهه ثم ضحك. فقال يزيد: فأحسن من هذا قولي: خلافة الله في هارون ثابتة وفي بنيه إلى ان ينفخ الصور فقال الرشيد: يا فضل اعطه مائتي الف درهم قبل ان يصبح. هكذا تخلص يزيد من رقيب الرشيد, ولكننا اليوم نعيش في زمن مختلف, فرغم تعاملنا الحثيث مع تقنيات العصر الآلي في فضاءات مفتوحة, وذاك التماس اليومي واللهاث المتقارب الذي تمارسه آليات هذا الزمن المتواصل من خلال وسائط الاعلام المختلفة كالاقمار الصناعية والبث المباشر والفضائيات وشبكات الانترنت, رغم كل ذلك التزاحم الذي اعتقد البعض انه عصف برقبة الرقيب فأزاحه جانبا, وترك الباب مفتوحا على مصراعيه كي يدخل من يريد بما يريد, مازال هناك ثمة حزام قديم نلبسه عنوة حتى لا يسقط ما نرتديه من ثياب هكذا في غفلة منا. جميعنا يعترف ان الرقيب الذي يسكننا أو الذي اودعناه بواباتنا كي يحرسها قد تداخلت عليه الامور وتواترت, فلم يعد ذاك الرقيب العتيد الذي يأمر هذا بالدخول وذاك بالانسحاب الفوري أو الاختفاء إلى الابد, بل تغير الحال فأصبح الخاص عاما, واصبحت المعلومات حقا مشاعا لمن يريد, ولم يعد يحكم تلك المساحات الهائلة والمتزاحمة بالاخبار والاحداث والمعلومات سوى رقيب قديم واصيل يسكن زوايانا ودواخلنا, فيقرر مصير ذاك الزخم من الاخبار بما يملكه من ثقافة ودراية ومعلومات رديفة تستطيع ان توازن ثقافة المعلومة أو تفاهتها. والسؤال الذي مازال يتواصل بالحاح في ظل سياسة الابواب المفتوحة, هل يتقاعد الرقيب أم يتغير؟