اقرأ هذه الأيام كتاب (من المحل الى الغنى) كتبه تاجر ينتمي اليوم إلى الطبقة الأغنى في الامارات هو محمد عبدالجليل الفهيم, لأن مؤلفه تاجر ما ظننت إلا انه سيكون (كاتلوجا) دعائيا , اشتريته عندما صدرت طبعته الأولى قبل أربع سنوات, وأسندته رف المكتبة, وعندما كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن فكرة طرح بعض مشاريع (مجموعة الفهيم) للخصخصة تذكرت الكتاب, وعدت له أبحث فيه تفاصيل أكثر عن ثروة العائلة وحكايتها مع التجارة, فإذا بي أمام كتاب يتحدث عن قصة أهم وأكبر هي حكاية الوطن, كيف كان, وكيف كان أهله, وكيف تطور والثمن الذي دفعه للوصول إلى الحاضر وما فيه من نعيم واستقرار وازدهار؟ مثل هذا الاصدار يفترض ان نقرره درسا ملزما لأبنائنا, لأنه يتحدث عن رحلة كفاح طويلة وقاسية ومؤلمة, عاشها ساكن هذا المكان. يصف الوجه الأسود لظروف الحياة في هذه المنطقة, الوجه الذي كان لابد من معايشته ومحاربته في آن واحد, والبحث فيه عن لون آخر, اجمل, لصراع الوجود ومعنى الحياة. هل يصدق ابن الحاضر, الوصف الذي كتبه محمد الفهيم عن هذه الأرض, كيف كانت, وكيف عاش انسانها؟ أظن انه لن يصدق, وان صدق بالتأكيد انه لن يملك قدرة التخيل لما كان عليه الحال آنذاك. معقول الا يوجد ماء للشرب, ان يشرب الانسان من البحر أو البرك, أو ماء أجاج يعيش عليه سنوات, معقول ان يموت الانسان في الحاضرة من العطش أو من الجوع, ألا يجد الا صنفا واحدا يتغدى ويتعشى عليه, ألا يعرف طعم الدجاج أو لحم الماشية إلا مرات يتيمة في العام أو الأعوام. معقول مائدة من غير سلطة أو فاكهة أو عصير أو حليب طازج أو... أو..., معقول الا توجد مائدة أصلا! كيف لابن اليوم ان يصدق ان الواحد أو العشرة قد يموتون في بيوتهم أو على ظهور الجمال في الصحراء من ضربة شمس أو نزلة برد, أو مرض خفيف أو ثقيل, لأنه لا يوجد معالج أو مستشفى أو طريق, مثل ما يصف محمد الفهيم رحلة الموت عندما أصيبت شقيقته الصغيرة التي لا يزيد عمرها عن الثلاث سنوات ونصف السنة, أثناء لعبها مع شقيقها بعود كبريت, رماه الطفل فحسبته الطفلة لعبة, وهوت عليه, فالتصق في ثوبها, واحترقت, وكانت اقرب عيادة لسكناهم بالعين, تبعد عنهم مسار يومين, فهي في القاعدة الجوية البريطانية في الشارقة. هرولوا مسرعين نحو عيادة الشارقة, بعد ان تكرم صاحب السمو الشيخ زايد, وأعارهم سيارته اللاندروفر مع سائقها. ولأنه لم يكن هناك طريق سوي, كان لابد من صعود كثبان وعراقيب, مرات ومرات تعلق (تغرز) السيارة في الرمال, وكل مرة ينزل أهل المريضة لدفعها بأيديهم, وبعد يومين كاملين طول الرحلة من العين إلى الشارقة وصلت السيارة إلى مقر العيادة, إلا ان الطفلة المريضة وصلت معهم جسدا من غير روح, ماتت في الطريق من المرض ومن وعثاء السفر ومشقة الرحلة. هل يصدق شباب اليوم مثل هذه الرحلة, ومثل هذه الحادثة؟! أيضا هل يمكن تصور انه لم تكن هناك مدارس وتعليم, وحتى عندما جاء المستعمر وخرج البترول, كانت الأمية على حالها, وعندما خرج الخير من باطن هذه الأرض, وزاد الضغط على هذا المستعمر, وفر وظائف صغيرة ورخيصة لأهل هذا الوطن, وضعهم في أسفل السلم الوظيفي, رمى لهم بالقشور, وتسيّد عليهم, ولم يسع لأن يعلمهم أو يعلم أولادهم, أو يبني لهم مستشفى, فضل ان يترك لهم المرض والأمية والجوع. كم حارب أبناء هذه الأرض, وكم كانت حربهم شرسة وقاسية فهي ضد الأمية, والمرض والجوع, ومع أرض قاحلة جرداء وتضاريس صعبة وطقس أصعب, وكانت مع مستعمر طامع في كل شيء. وكانوا رجالاً, لأنهم كانوا أقوياء أشداء, ملكوا العزيمة والعناد مع الصعاب والعقل الطموح لما وراء هذه المصاعب. وليت أهل الحاضر يقرأون الدرس.. الدرس الأول والأهم.