في باريس, الدائرة الخامسة, في مواجهة جامعة باريس الخامسة(السربون)وعلى مقربة من معهد العالم العربي تقع عدة مكتبات متخصصة في الكتاب العربي, أهمها مكتبة ابن سينا التي خصصت فرعين واحد للعربي والثاني للفرنسي , صاحبها لبناني نشط هاشم معاوية, في المكتبة مجموعة كبيرة من الكتب التي قد لا نجد نظيرا لها في مكتبات العالم العربي, وربما يرجع ذلك إلى سببين: موضوعي, وهو عدم وجود رقابة على الكتاب في فرنسا, وشخصي يتعلق بهاشم نفسه ودأبه وحركته, من أهم الكتب التي احرص على تفقدها القسم الخاص بالكتب العربية المطبوعة في إيران ذلك أن إيران تطبع الآن مراجع هامة في الفلسفة العربية وتلك تراجعت عن تقديمها دور النشر العربية لأسباب عديدة تتعلق باتجاهات حركة النشر والعوامل التي تتحكم فيها, ما من مرة جئت إلى المكتبة إلا وأعود بكتاب أو اثنين من الكتب الهامة, في هذه المرة لمحت كتابا هاما ابحث عنه منذ سنوات, لم يحضره لي صديقي الناشر السوري الذي اعتاد أن يصحب معه المطبوعات الصادرة في طهران إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب. الكتاب عنوانه (الأسفار الأربعة الحشمة المتعالية) أهم ما كتب الفيلسوف المسلم صدر الدين الشيرازي, يؤكد مؤرخو الفلسفة انه آخر الفلاسفة المسلمين العظام, له رسائل عديدة ( ولد عام 1554 ميلادية وتوفي 1634) درس في اصفهان وتلقى على يد الشيخ البهائي الذي لقبه بشيخ الإسلام وبالفيلسوف السيد الداماد, ثم اعتزل الناس مدة لا نعرف مقدارها بالضبط, ولكنه شرح أسباب عزلته في مقدمة الأسفار الأربعة, وتعد هذه المقدمة نصا فريدا في المقدمة الذاتية. عندما رأيت الكتاب فوق الرف وجدته ضخما ثقيلا, تسعة مجلدات, أما عن سعره فلا أفكر كثيرا في الأمر مادام في حدود الإمكانية, قد ابخل على نفسي بالملبس أو المأمل حتى, ولكن إذا تعلق الأمر بالكتب فيصعب علي ويشق, رحت وجئت, وجئت ورحت. كيف احمل الكتاب إلى القاهرة خاصة أنني مسافر على الشركة الفرنسية وإمكانية تجاوز الوزن المسموح به محدودة, لهذه الظروف صممت حقيبة تشبه رفا متحركا أرص فيها الكتب ويمكن أن تحمل ما يزيد على عشرين كيلو, امسكها بيدي وامشي متمايلا بها, وكأنها لا تحتوى شيئا له شأن, ولكن المشكلة أن الصحة لم تعد مساعدة, وما يمكن أن احمله له حد ومدى. قال هاشم انه يمكنه إرسال الكتاب مع أحد الأصدقاء إلى القاهرة. وقال صديق من الناشرين المشاركين في المعرض أن حقائبه خالية, وانه يمكن أن يحضره معه ويسلمه لي في القاهرة. عروض كريمة تسهل لي الأمر, لكن المشكلة تتعلق بي إذ أنني بمجرد عثوري على الكتاب الذي ابحث عنه الزمه حتى يصير بين يدي, أخشى أن أدير ظهري فيذهب إلى آخر, وندمي على كتاب فاتني اقتناؤه أمر وعر ومؤلم. هكذا عزمت أمري وقررت أن احمله للبيت عبر عدة مراحل, من مكتبة ابن سينا إلى مقر إقامتي في باريس, ومنه إلى المطار, إلى الطائرة, إلى مكتبتي في القاهرة ليستقر إلى جوار مؤلفات صدر الدين الشيرازي الأخرى. في مطار شارل ديجول وبعد أن خرجت الحقيبة من جهاز الأشعة انقطعت اليد حملتها تحت إبطي, وكأن وضعا صعبا اضطرني إلى التوقف مرات, وبعد عدة خطوات انفصل القفلان وصارت الحقيبة مفتوحة, فاضطررت إلى حملها بيدي الاثنتين, كان ذلك صعبا, لكن من اجل الأسفار الأربعة يمكن أن أتحمل, ما أن جلست في الطائرة حتى بدأت اقرأ في الجزء الأول من الأجزاء التسعة, لكل كتاب روح خاصة بأسلوبه ومفرداته, ولغة صدر الدين الشيرازي تجمع بين سمات اللغة الفلسفية والرؤية الشعرية وجزالة النثر, ويعد هذا الكتاب اضخم موسعة في الفلسفة الإسلامية, لم يكتب بعده مثلها, ويعتبره الكثيرون آخر الفلاسفة العظام. لقد مزج صدر الدين الشيرازي بين طريقة المشائين (مثل ابن سينا الذين يعتمدون العمق, وبين رؤية الاشراقيين (أمثال السهروردي) الذين يعتمدون التصوف, أي انه زاوج بين الفلسفة والتصوف, كان الصراع محتدما بين الفرقتين, إلى أن جاء صدر الدين ليقول للمدرستين: أنكما لستما على الصواب والحق فلا بالتجربة والبرهان وحده ولا بالاشراقات القلبية والفيض من العالم العلوي وحده يستطيع المرء أن يصل إلى المعرفة الحقيقية وأسرارها. هكذا حملت الكتاب بين ذراعي بعد أن تمزقت الحقيبة التي نقلت بها مئات الكتب, وعندما وصلت إلى البيت أخرجته ودونت اسمي على صفحته الأولى من المجلد الأول, رحت انظر إلى النسخة المكونة من تسعة مجلدات والمطبوعة في مدينة قم. متى سأبدأ في قراءته ومتى سأنتهي؟ وسرعان ما أجابت نفسي: ربما غدا أو بعد غد, المهم أن الكتاب اصبح له موضع في مكتبتي على مقربة وفي أي وقت يمكنني أن اذهب إليه وأتصفحه محاولا استيعابه. الجمعة إدوارد بيننا تحتفي القاهرة الآن بالمفكر الفلسطيني والأكاديمي البارز إدوارد سعيد, حل بها ضيفا عزيزا, أقام الأستاذ محمد حسنين هيكل حفل استقبال دعا إليه عددا من المفكرين والأدباء وعمرو موسى وزير الخارجية, وكان الحفل مؤثرا, يعكس المكانة التي يحتلها إدوارد سعيد في قلوب وأفئدة العارفين به, المتابعين لدراساته ذات التأثير الواسع في الغرب ومواقفه التي تعد بمثابة ضمير على المستوى الشخصي, لاحظت تحسنا واضحا في صحته حمدت الله كثيرا, إذ قابلته منذ عام في دبي وكان يعاني ويصارع مرضا في الدم (لوكيميا) من نوع نادر ولم يكن هذا سرا, ومرض اللوكيميا يثير اسمه الفزع, لكن رأيت انسانا شجاعا قوي الإرادة يصارع المرض, وبالتأكيد فان إرادته المعنوية لعبت دورا هاما في مقاومة المرض, لم يكف عن الترحال, وأداء واجبه تجاه قضية شعبه الفلسطيني بشجاعة وندرة, وتصوير أوضاع الناس تحت الاحتلال سواء بالكتابة أو الصور, ولا يقعده المرض عن أداء واجبه العلمي فيطير من نيويورك إلى طنطا ليناقش رسالة دكتوراه لطالب مصري أعدها في الأدب المقارن. ما الذي يعنيه إدوارد سعيد بالنسبة لنا؟ ولماذا يلتف حوله المثقفون والقراء؟ ان الإخلاص للقضايا الإنسانية سواء ما يتصل بشعبه الفلسطيني أو ما يتصل بقضايا الحرية والمبادئ الأساسية والإنسانية, الموقف الأخلاقي الذي ينطلق منه يتلخص في إيمانه بالإنسان والحرية وضرورة التواصل والتفاعل بين الثقافات وعد نفي الآخر والصراع ضد الاستعلائية والاستعمار والإمبريالية والهيمنة والتسلط والمركزية الغربية ومقاومة ما تحويه من نظرة ضيقة تنفي ما عداها, انه ضد كل تعصب مقيت يستهدف التشرنق أو التقوقع أو الزعم بأفضلية عنصر على آخر. إدوارد سعيد أستاذ الأدب المقارن بجامعة كولومبيا وهذا منصب أكاديمي رفيع وهو يعد من ابرز مثقفي العصر, لكن تأثيره لا يقتصر على الجامعة بل خرج إلى الناس إلى الجمهور الواسع في الولايات المتحدة يدافع عن قضية شعبه الفلسطيني ويتصدى للحملات المضادة للإسلام ــ هو المسيحي ــ تلك الحملات القائمة على سوء الفهم, أما إنجازاته في مجال الدراسات الأدبية والفكرية فتأثيرها عميق, كتابه عن الاستشراق احدث زلزلة في الفكر الغربي, وللأسف مازال جهده العلمي في مجال النقد والدراسات العربية مجهولا للمثقف العربي رغم ترجمته في بيروت, لقد تعرف القارىء العربي على مواقفه السياسية الناصعة الشجاعة المناهضة لاتفاقيات أوسلو من خلال مقالاته بـ (الأهرام ويكلي) والتي تترجم إلى العربية وتنشرها بعض الصحف, لكن الجانب الثقافي وفكره النقدي مازال مجهولا, ونأمل أن تقدم أعماله الكاملة بالعربية إلى القارىء, هذه الأعمال التي وضعت في صدارة الحركة النقدية والفكرية في العالم. انني إذ استعيد تلك اللحظات الحميمة بصحبته, وهذا الترحيب الذي يقرأه في كل مكان يحل به, أدرك قيمة أن يكون للإنسان رؤية ثاقبة وموقف واضح لا يقبل اللبس أو الوقوف في المناطق الرمادية. الاثنين - قطار البساطي (ويأتي القطار) .. انها رواية محمد البساطي الجديدة, وفيها يستمر في إقامة عالمه الخاص جدا يرسم تفاصيله من خلال ذاكرة مدهشة, كما أشرت من قبل فانها تمثل حالة فريدة, إذ يتوقف البساطي عند كل ما يمت إلى طفولته وصباه على ضفاف البحرية التي اصبح لها وجود شبه أسطورة في أعماله المتوالية عنها. في المفتتح العذب يعود بذاكرته إلى لحظة ولادته ولان الذاكرة لا تعي تلك اللحظات فانه ينقل عن أمه: تقول أمي: أنني ولدت في ليلة عاصفة يتلاحق فيها البرق والرعد والمطر الغزير, بحثوا عن رجل من الجيران ليأتي بالداية, كان أبي مدرسا بالمرحلة الإلزامية, خجل من الذهاب إليها مكانته تمنعه من القيام بهذه الأعمال, في ذلك الوقت كان عدد المتعلمين بالبلدة لا يتجاوز أصابع اليدين.. يبدو أسلوب البساطي خاصا جدا انه هامس يوحي بالظلال والألوان ودخائل البشر, ونرى في العمل كله روح سخرية متصاعدة عن أعماله السابقة, سخرية مصرية جدا, حكيمة, وتتوالى وحدات الحكي, كل حكاية تشكل قصة بمفردها, لكنها في سياق العالم الجميل, الخاص, تتصل وتتشابك كمصائر البشر, إلى ذلك يواصل رسم وتجسيد ملامح هذه المنطقة الخاصة جدا من مصر, عالم ما حول البحيرات, خاصة بحيرة المنزلة, القريبة من البحر, القريبة من الريف والحضر والصحراء أيضا, يدهشني هذا العدد الكبير من البشر الذين يتوافدون على الرواية, بعضهم لا يتجاوز المؤلف عدة سطور في الحديث عنه, لكنه يخلف عندنا اثرا كأننا عرفناهم من لحم ودم. ان صدور هذا العدد من الروايات لما يثير التفاؤل, خيري شلبي, القعيد, إبراهيم اصلان, البساطي, رواية كل منهم تتناول مكانا وزمانا من مصر, تكشف عن جذور جديدة وملامح جديدة شديدة الأصالة والمحلية بالغة الإنسانية, انه حقا الإبداع الذي يثير الفرح في هذا المناخ الكئيب. الأحد: من الشيروكي أخي علي درويش أديب ومن أهل الطريق ومترجم قدير خاصة للشعر, أهداني مجموعة من أشعار الهنود الحمر (قبيلة الشيروكي) اختار منها هذه المقطوعة: تعويذة تثبيت المشاعر: أنصتوا يا انتم يا من تنتظرون سماع الصوت أن جسمكم جسمي أن قلبكم قلبي أن حياتكم حياتي أنصت الي.. يا قديم أن الروح تسبح في قبضة يدك لقد تلاشى الظلام الروح أصبحت تابعة والنوازع قد تم ترويضها انتهى الكلام لقد تحقق كل شيء