كنت احملق في شاشة التلفزيون وأرى الفيلم للمرة الثالثة, وفي المرتين السابقتين اصدر المخ اشارة بأنه فيلم سخيف, ولذلك فهو لايصلح لان يكون اكثر من اشارات ضوئية وعلامات لونية تشغل العين, ليستريح المخ من اعباء النهار . ورغم ان المخ كان مغلقا مثل ما يحدث لاغلب مشاهدى التلفزيون الا ان ماحدث على الشاشة كان طريفا حتى انه اخترق الستارة الحديدية وتسرب الى المخ. الام وجدت ابنها ميتا, واتصلت بتوم طومسون ــ وهو بطلنا ــ لتقول له ان ابنها ــ صديقه ــ قد مات, ويحس توم بالحزن, ويتصل باصدقائه يخبرهم بالكارثة التي حدثت بموت (بول), ويندهشون لذكر اسم الصديق الميت.. ويسألونه من هو (بول) هذا, لنكتشف ان توم لايعرف شخصا بهذا الاسم وانه مضطر للتجاوب مع الام ليعزيها في وفاة وحيدها. واحترقت الستارة الحديدية واستيقظ العقل تماما واعتدلت في جلستي, فها انا اشاهد في وقت الظهيرة فيلما يقول شيئا هاما.. او هذا ما اظنه. يقول اننا نؤمن باشياء وندعي اننا نعرفها وفي الحقيقة نحن لانعرفها, وبعد الاحداث الاولى التي اشرت اليها يذهب توم مدعوا الى حفلة اقامها صديقه قبيل زواجه, وهناك يلتقى بالفتاة التي احبها طول شبابه (جولى).. ولا اعرف هل اتذكر الاسماء جيدا, ام اختلقها؟! يحاول انقاذ كرامته فلا يبدي اللهفة, بل يكاد يتجاهلها ولكنها تذكره بقوة: مابك يا توم.. هلى نسيتنى؟ لقد كنت اطاردك مع الفتيات اللائي كن يعجبن بك! وكنا معا في فرقة الغناء.. وينظر لها توم في ذهول, فلم يكن ابدا الفتى الوسيم الذي تطارده الفتيات, ولم يحاول ابدا ان يغني ولم يكونا في فرقة الغناء بل في فرقة (التنس) مثلا, فانا لا اذكر بالضبط ولكنه عندما يقلب اوراق المدرسة فيما بعد يجد انهما كانا في فريق السباحة. هل وصلت اليك الفكرة: اننا نصنع عالما في خيالنا وهذا العالم لايختلف عن الواقع فقط, بل قد يكون متناقضا معه. وكانت احدى المحطات الفضائية قد طلبت مني ان تقوم ببرنامج عن (محطات) في حياتي أو شيء من هذا القبيل. وتحدث معي المعد من بعض ذكرياتي, والتقط أسماء فوجئت ببعض أصحابها أثناء التسجيل. كانت الضيفة الأولى زميلة في الجامعة, وكنا قد تعارفنا في هذه الفترة, ولانه كان عملها قريبا من عملي, فلقد استمر التعارف موجودا حتى الآن. وكان من المفروض ان تحكي شهادتها, فكان أول ما فعلت ان اختصرت من التاريخ نحو عشرة أعوام, وابتسمت متسامحا, فهي سيدة ولا تريد أن تبدو عجوزا, ولكن بعد ان تحدثت في العموميات, وأخذت تحكي قصصا بعينها, اذ بها تحكي قصصا لا أعرف عنها شيئًا, ليس لأنها ذات ذاكرة قوية ولي ذاكرة ضعيفة, بل لانها لايمكن أن تحدث أصلاً. فلو اننا التقينا وقلت لك: أتذكر عندما تشاجرنا في الاسكندرية, من الممكن أن تكشف هذه القصة بأن تقول انك لم تذهب ابدا الى الاسكندرية. وهذا ما حدث مع الزميلة القديمة, كانت هناك قصص لا تبررها أو ترفضها الذاكرة بل لا تستقيم لأنها لايمكن أن تحدث. وكان عليّ أن أفكر, واتخذ قرارا فيما أسمع تحت وهج الاضواء, وغمغمة جمهور لامبالي, فلقد أتى مقابل أجر يزين اللقاء أو يزيفه, خيل الي ــ ولا أدري من أين أتت لي هذه الفكرة السخيفة ــ ان هذا تاريخ وانه علي أن أصحح الأخطاء, ولكني ــ ايضا تحت الاضواء ــ ان كل هذا لا قيمة له. وان اعتراضي سيكون بلا جدوى, فالزميلة القديمة تتحدث كأنها بدأت من الأبد والى الأبد تنتهي, والمذيعة اللطيفة مبهورة, والجمهور ينتظر اشارة النهاية, ومن يسمعون لا يهمهم من ذلك شيئا. فقط عندما عرض البرنامج قالت لي زوجتي: أكنت تحبها, فلما استنكرت سؤالها, قالت: أكانت تحبك؟ ولم أقل لها انها حتى لم تكن تعرفني بدليل ما قالت, وأظن ان احدى القصص التي حكتها كانت خاصة بزميل آخر لنا, ولكن ذاكرتها استعارتها لتنسبها الي. وكان الضيف الثالث أو الرابع لا أذكر من زملاء المهنة تعارفنا منذ وقت مبكر, وأخذ يحكي كيف انه اكتشف موهبتي منذ البداية وكان سعيدا بهذا, وحريصا على أن يأخذ هذا الشاب فرصته, فأخذ يشجعني ويمهد لي الطريق, حتى استقرت اقدامي فتركني أسير فيه على بركة الله. ولم يكن الأمر كما قاله, بل ربما كان على العكس وقلت لنفسي ان الامانة تتطلب مني ان اوقف هذا الهذر ــ وأحكي بالضبط ما حدث, ولكنه كان يحكي بحماس شديد, وتساءلت أليست هذه الحقيقة من وجهة نظره, ومن يدري ألن يكون اعتراضي هو الحقيقة من وجهة نظري, وربما كان ما يقول خطأ ــ لكن ربما كان اعتراضي خطأ. وفضلت الصمت وأنا أعرف أنه شيطان أخرس! ولم تكن بقية الشهادات أفضل بكثير من هاتين الشهادتين. ألا يشككنا هذا في التاريخ ككل؟ عندما نحضر حادثة تاريخية أو غير تاريخية ثم نحكيها سنجد ان أهواء كل منا غيرت ما حدث. فالانسان يبدأ من ذاته, يحكي القصة قائلا: أنا لاحظت, أو اعترضت, أو قررت في حين ان القصة لا علاقة لها به, لكنه يرى أن أهم ما فيها هو ما لاحظه أو ما شارك به. ويسقط من القصة ما لا يحب أن يكون, ويؤكد على ما يحب أن يحكيه, ويختار الزاوية التي ينظر منها الى الأحداث, وهذا كله يبرر تلك الصيحة القديمة: أين الحقيقة؟ وكثيرا ما تسمع قصة فتضرب كفا بكف, ولا تدري من اين اتت فأنت تعرف الحقيقة والحقيقة مختلفة تماما عما يقال. حقا انك ايضا قد تدخل عالم الاوهام, لكن الحقيقة في بعض الاحيان تكون واضحة جلية. ومن ذلك انني سمعت شخصا يحكي عني قصصا مرعبة امام نحو ثلاثين شخصا على انه ذهب ليعمل في احد الاماكن وانني خشيت من موهبته الطاغية, ففعلت كذا وكذا, وقلت له كذا وكذا.. ولم يخطر على باله, ان هذا الشخص الذي يحكي عنه جالس امامه يسمع قصصه بدهشة واستمتاع. وربما فشل صاحبنا في عمله هذا لسبب ما, فأراد ان يبرر ما حدث له بسبب غير الفشل, فاخترع انني وقفت في طريقه ونسج قصصا تخدم هذا المعنى ولولا فضيحة انه حكى عني امامي, اذ لم يكن قد سبق لنا اللقاء, لكانت القصة جزءا من تاريخه وربما لكان صدقها هو نفسه. ربما لو دخلنا عقل احدهم لوجدنا حزمة من الاوهام. ولو بحثنا عن الحقائق لوجدنا اقل القليل, هل هذا يعني ان حياة كل منا مجموعة من الخرافات. عرفني صديق بأحدهم على انه بطل وطني وان تاريخه صفحة ناصعة البياض. وبعد فترة بدأت اقرأ اتهامات للرجل في ذمته المالية ورفضت ان اصدق هذا خاصة ان منافسه على المنصب الكبير كان شخصية كريهة. وزادت الاتهامات وانا اردد لنفسي ما نقوله عادة عن هذا الزمن السيىء الذي يلوث الابرياء بالاتهامات. واليوم.. وفي الصباح رأيت صورة (البطل) في كل الصحف وهو داخل قفص الاتهام والدلائل تمسك بخناقه واتصلت بصديقي اسأله, فقال في حماس: رجل حرامي ابن... ولم اعرف كيف تغيرت الصورة, ولا لماذا وهل الذي تغير هو رأي صديقي, أم الذي تغير هو صاحبنا. اما أطرف نموذج من النماذج التي اشرت اليها في صدر هذا الحديث. هو احد الادباء تعثر به الحال والحظ ففقد جزءا من مقدرته وجزءا من تركيزه لكنه ظل يحوي بعض المشاكسة وبعض الملاينة وكان شديد التودد للآخرين, شديد العنف في الانقلاب عليهم. وكنت احتمله, اصرفه عن المبالغة في التودد, واتقبل عنفه بلا غضبة فإذا به يقع في حبي ويحول كل الاحداث الثقافية في الثلاثين عاما الى صالحي, فأنا الذي فعلت وانا الذي قلت. واضطررت ان اوقفه, واقول له انني لم اكن موجودا هنا, وانني لم اكن طرفا في هذا لكنه اعتبر اعتراضي من قبيل التواضع الممجوج فزاد من قصصه. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما طلب منه شهادة عن اعماله وحياته فبدأ بالحديث عن شخصي المتواضع وصرخت معترضا. لكن القضية ليست فيما حدث او لم يحدث, وانما في اننا احيانا ننسج وقائع ونصدقها والقضية الاكبر ان هذه (الاحيان) هي معظم حياتنا!