بول أوستر كاتب من نوع فريد, متعدد المواهب والاهتمامات يفكر في المتناقضات, وتتميز كتاباته بالالتزام حينا, وبالطيش احيانا اخرى , عرفته الاوساط الثقافية في أمريكا منذ عام ,1974 وقدمته الى الاوساط الادبية العالمية كتابات روائية ونقدية شهيرة مثل رواية (ثلاثية نيويورك) 1987 و(فن الجوع) واعمال سينمائية اكثر شهرة مثل فيلم (الكآبة) 1995 وهي تشكل في مجموعها اهم الأعمال التي ظهر من خلالها كأحد ابرز كتاب امريكا ومبدعيها في العقد الاخير, وهو فوق ذلك كله كاتب معروف لدى القارئ العربي على وجه الخصوص, فقد ترجمت له الى العربية روايتان الاولى روايته الشهيرة (ثلاثية نيويورك) والثانية (بلاد الاشياء الأخيرة) . والحقيقة ان اوستر كاتب من طراز يمتلك الكثير مما يمكن الحديث عنه باستغراب, وهو يؤمن بأن الكوارث تتيح الفرصة لعمل شيء, تماما كما تأتي الحياة من الموت, وكما تتألق الذاكرة الابداعية في عزلتها, لذا فان المغامرة والاكتشاف ضروريان بالنسبة له على الرغم من انه يبدأ دائما من لا شيء, سواء كان ذلك مما يختص بتجربته الشخصية او بتجارب الاخرين, حيث تنتقل اعماله المتنوعة سريعة بين الايقاعات كلها, الايقاع الامريكي المترامي الاطراف والمشهد البسيط في أي مدينة وايقاع آخر لا تخلو منه العزلة الشخصية, فالقاعدة لديه قابلة للتحول والجدل, وتحتمل التناقض, حين تنتهي بعمل روائي على شاكلة اعماله الاولى التي قادته الى الشهرة مثل مؤلفه النقدي (فن الجوع) وهو اول عمل نقدي له يدور حول رواية كلاسيكية. لنت هامسون بعنوان (الجوع) تعود الى العام ,1890 يجسد هامسون من خلالها شخصية كاتب يتضور جوعا الى حد ان عظمة في فم كلب تولد لديه مشاعر الحسد, وهو ذاته ما شجع اوستر على الكتابة عن نفسه فيما بعد. كان يكتب عن حاجته الى المال وعن حياة التفريط التي كان يعيشها وهو ما قاده الى الشهرة والعزم على الانتقام الجميل من الماضي الذي صار اختبارا ملهما بالنسبة له وظل يجسده في اكثر اعماله تألقا مثل فيلم (الكآبة) وروايتيه (ثلاثية نيويورك) و(الوحش) وغيرها بما تتميز به من اسلوب شعري نقدي بسيط وغير عادي في الوقت ذاته. ولعلها من بين الاسباب التي سارعت باعطائه موقعا مرموقا في عالم السينما, وهو عالم اكثر جماهيرية كما انه اكثر مدعاة للمغامرة والقلق بدلا من ذلك القلق الذي يلازم كبار المخرجين, لم يجد بول اوستر بدا من الدفاع عن هذه الفكرة بقوله بأنه مشغول بفكرة تحويل اعماله الى افلام سينمائية كما كان صموئيل بيكيب (مشغولا) بتحويل اعماله الى المسرح. السينما, الرافد الاكثر حداثة والذي لم يكن هاجسا كبيرا بالنسبة لكتاب آخرين, خلافا لما هي الحال الآن لبول اوستر, المغامر الذي يعتمد من اجلها نوعا فريدا من العمل, هو تلك التقنية الجديدة, التي يمزج من خلالها ما بين العمل الملتزم الذي يقربه كثيرا من اجواء فرانز كافكا, والعمل الذي يبدو للوهلة طائشا, منفرا, فيما يفسره هو بأنه الواقع الذي نعيشه, والذي يتألف من المزج ما بين عنصري الجد والبلاهة, وهي تلك المفاهيم الغريبة التي تجمع بينها روايته القصيرة الجديدة (تمبكتو) الصادرة مؤخرا والتي طار الى لندن لترويج طبعتها الصادرة عن دار فابر حيث القواسم المشتركة مع موضوعات اخرى كتبها اوستر كرواية (مستر فيرتيجو) 1996 وفيلم (الكآبة) وهو مأخوذ من واقع الحياة في حي بروكلين الشهير بنيويورك حيث السود والفقراء ومشاهير الرياضة. وفيلمه الاول وهو العمل الذي ارتبط من خلاله بالمرأة التي اصبحت زوجته فيما بعد وهو بعنوان (المرأة التي تزوجتها) . والرواية الجديدة لاوستر هي نوع من القصص التي تروى على السنة الحيوانات حيث يحكي لنا تفاصيلها (مستر بونز) الكلب الذي يلازم شاعرا جوالا طوال حياته, وعندما يفارق الرجل الحياة يواصل كلبه الطيب البحث عن روحه التي قال له الشاعر ذات مرة بأنها ستذهب الى عالم آخر اسمه (تمبكتو) وهي مرادف لجزيرة الارواح. الا ان اهم ما يميز هذه الرواية الجديدة التي تعيد اصداء رواية (تحريات كلب) لفرانز كافكا الى جانب كونها تمثل تحولا واضحا في اسلوب اوستر الكتابي الذي ينحو نحو البساطة وربما النزعة الطفولية (لغة مستر بونز) في تمبكتو هو انها لا تختلف كثيرا عن سابقاتها في تمثيلها لتلك الجوانب التي تشكل مصدرا للاحتفاء اليومي بما يحدث في الحياة العادية من الحب ومن القلق ومن الفكاهة والعبث والخواء. واحدث ما صدر لاوستر هو مجموعة من الاعمال الادبية والسينمائية من اهمها روايته الجديدة (تمبكتو) وفيلم جديد بعنوان (لولو فوق الجسر) يقوم باخراجه الى جانب كتابته للسيناريو, وعمل اخر مشترك بعنوان (اللعبة المزدوجة) مع الفنانة صوفي كول, وهو جزء من مشروعه كمخرج سينمائي مغامر وصانع نجوم ومتعقب للقراء والمشاهدين بأعماله التي تثير, حماسا غير متوقع في حقيقة الامر, مما يمنحه شعورا يشبه الشعور الذي يخالج الساحر الذي يحول الاوراق بمجرد لمسة سحرية الى ذهب. أخيرا فان اوستر الكاتب الذي يتواصل مع الآخرين من خلال تواضع انسان لا يستحي من قول ما لديه, وهو يرى ان كل هذا الانتاج الادبي والنقدي والسينمائي المتفاوت في الاسلوب, المتقلب ما بين العمق والتفاهة انما يمثل لديه وحدات نغمية جميلة ومختلفة تميز كل كتاب عن غيره, وبدون ذلك لا يمكن ان تحدث المعادلة في الحياة اليومية المتقلبة اصلا, والمليئة باليأس والقلق, لكنه عندما يبدأ بالكتابة لا يعرف حدودا لكتابته عن ذلك, فالكتابة عنده تشبه الاكتشاف لما هو جديد في كل مرة, الامر الذي يشعره بالخوف او كما يقول (ان عملية تأليف كتاب هي عملية تتعلم خلالها كيف تكتب ذلك الكتاب وهو مالم تفعله من قبل) . حقائق عن عالم بول اوستر الابداعي * ولد بول اوستر في نيويورك عام 1947 وتخرج من جامعة كولومبيا سنة 1970. * ارتحل فجأة الى فرنسا سنة 1971. ليعود مرة اخرى الى نيويورك سنة 1974 حيث بدأ بكتابة الشعر والنقد والترجمة عن اللغة الفرنسية. * كان لموت والده عام 1979 اثر كبير في تحوله الى كتابة الرواية, حيث صدرت له عدة روايات من اهمها رواية (ثلاثية نيويورك) سنة 1987 و(قصر القمر) 1989 و(الوحش) 1992 وكتاب في النقد بعنوان (فن الجوع) 1997 ومختارات شعرية 1998 بالاضافة الى كتابته للسيناريو واخراجه للافلام. * يقيم اوستر في حي بروكلين الشهير بنيويورك مع زوجته الثانية, الروائية سيري هستفت. اعداد ـ مريم جمعة فرج