اذا كانت عظمة الدول تقاس برصيدها الحضاري وثرواتها الانسانية, فإن الصين تعتبر من اغنى دول العالم, حيث انها وبرغم كل الظروف القاسية التي تنازعتها خلال سنوات طويلة الا ان شعبها عرف كيف يتغلب على المشاكل, وكيف يتفادى جميع مظاهرها . ولقد كان اجدادنا يضربون الامثال بهذا البلد, ويأتون بالاقاويل والاساطير عن هذا الشعب الذي اتسم بالاجتهاد والمثابرة واتقان العمل مستندا في ذلك على عراقة وتاريخ وحضارة استمرت لقرون طويلة. ان ما كتب عن الصين كثير وكثير جدا, لكني لم اعرف عنها الا القليل, لذا فإنني سررت جدا عندما اتيحت لي الفرصة ودعيت اليها في زيارة رسمية, انها بلد المارد الخفي وبلد الالف مليون نسمة. بلد الحضارات المختلفة والثقافات الغنية بالتراث منذ الاف السنين, ومعالمها خير دليل وشاهد على ذلك. كانت زيارة سور الصين العظيم احدى عجائب الدنيا ضمن برنامجنا فمن لم يزر هذا السور فكأنه لم يزر الصين ابدا او هكذا يقول الصينيون.. هناك آلاف من السياح الاجانب والصحفيين والمصورين يزورونه بشكل يومي, شاهدنا الكثير منهم مع ان الرحلة كانت في بداية عهد الانفتاح. اثناء الزيارة تجولنا في عدة مدن وعلى رأسها العاصمة (بكين) وكبرى مدنها (شنغهاي) ومع ذلك لم نخرج بأكثر من غيرنا عن طبيعة هذه البلاد التي تمكنت من العمل بفاعلية قصوى من اجل توازن ورفع مستوى الانتاج. ان اهم مالفت نظري في مدينة (بكين) العاصمة تلك القصور المتميزة لأباطرة الصين والتي تعتبر شاهدا على تاريخ هذا الشعب, ومدينة بكين حاليا مدينة عصرية لكنها من نوع مختلف واهم وسائل النقل فيها الدراجات الهوائية والتي تصل اعدادها كما قال مرافقنا الى 20 مليون دراجة وهذه ميزة جيدة بلا شك للمدن ولوسائل النقل فيها خصوصا اذا كان عددها بهذه الضخامة فهي بكل تأكيد تبعد العاصمة عن التلوث, فلكم ان تتخيلوا لو كان هذه العدد من السيارات كيف سيكون وضع المدينة؟ اما المدينة الثانية (شنغهاي) فهي مدينة صناعية تشكو من التلوث الى حد ما, وفيها اكبر ميناء تجاري في المنطقة ومكتظة بالسكان, وبها فنادق ضخمة وجسور, وكما قيل لنا فإن بها اطول جسر في العالم.. ويزيد عدد سكانها على 25 مليون نسمة. اي دولة داخل دولة! كان الاستقبال في الصين استقبالا رائعا فيه من كرم الضيافة الشرقية مع الاصالة الصينية الشيء الكثير, وكان طوال مدة الزيارة يرافقنا شخصان يتحدثان اللغة العربية بطلاقة واحدهم اسمه (سعيد) واعتقدنا انه من اصل عربي او مسلم, حتى عرفنا منه ان اسمه الحقيقي هو (شينج فويوكا) وقام بترجمته الى العربية تسهيلا لنا!! وفي لقائنا مع عمدة (شنغهاي) الذي رحب بنا اجمل ترحيب, وناقشنا معه وضع المدن ومشاكلها ومستقبلها, ودور البلديات واهم التحديات التي سوف تواجهها خصوصا المدن الكبيرة مثل (شنغهاي) .. وفي حفل الغداء الذي اقامه العمدة على شرف الوفد الزائر, تحدثنا عن امور كثيرة بعيدة عن العمل ومنها الاكلات الصينية الشهيرة على مستوى العالم, والاكلات الشعبية داخل الصين, وفجأة قال لنا العمدة: استمرارا لحديثنا الصباحي عن المدن, هل تعرفون ماهي اكبر مشكلة تقلق بالنا نحن المسؤولين عن مدينة (شنغهاي) ؟! قلنا: ماهي هذه المشكلة المؤرقة.. اجاب وهو يحمل في يده قطعة من البطيخ: مخلفات قشور هذا البطيخ!! وسألنا: هل لديكم حل لهذه المشكلة؟ وقبل ان يسمع الاجابة منا.. تابع حديثه قائلا: ان ارخص واحلى فاكهة في الصين هي البطيخ.. والشعب الصيني مولع بأكله وبالتالي فإن الناتج عن مخلفات قشور البطيخ يساوي اكثر من 25 مليون كيلو في اليوم الواحد.. فقط! ..ترى هل لديكم فكرة او نظام للتخلص والقضاء على هذه المخلفات؟ فاجئنا بهذا السؤال.. واعتبرناها نكتة وضحكنا لسببين الاول: على هذه المشكلة الضخمة, والثاني وهو الاهم: انه لم يخطر ببال العمدة ان هذه الكميات من البطيخ لايستهلكها شعب الامارات خلال عشرين عاما!!