هو أديب صحفي مصري كان ملء السمع والبصر في عقد الأربعينات.. كان وقتها في شرخ الشباب. لم يحصل على شهادة عليا ولكن كان موهوبا في فن الصياغة والحبكة القصصية, طوحت به مقادير لقمة العيش الى حيث اشتغل في (القرنص) (القاف المضمومة والراء الساكنة) وهو دائرة خدمة الامداد والتموين لجيوش الانجليز والحلفاء في مصر خلال الحرب العالمية الثانية. كان في وظيفة كاتب صغير يدون الصادر والوارد في دفاتر جنود الاحتلال البريطاني.. كسب فلوسا كثيرة بمقياس ذلك العهد.. وبعدها كما يقول في ذكرياته المعشورة اتجه الى حرفة كتابة القصص القصيرة واثبت ان له باعا طويلا في هذا المجال, الذي كان جديدا على الحياة الادبية وقتئذ في مصر وفي العالم العربي جنبا الى جنب مع ادباء رواد في فن الاقصوصة, كان على رأسهم محمود تيمور سليل العائلة الارستقراطية الذي ادركته حرفة الادب.. كما ادركت من قبل والده العلامة أحمد باشا تيمور الذي وضع كتبا لها مذاق خاص في ادب العربية الحديث, مثل كتاب (الامثال العامية) و(الكنايات العامية) و(الآثار النبوية) وغيرها ثم كان شقيقه الذي قضي في شرخ الشباب ــ وهو محمد تيمور رائدا في معالجة فن المسرح العربي الحديث وقد سبق في ذلك الاستاذ توفيق الحكيم. ولقد ادركت وعاصرت الأديب القصاص المذكور كاتب الجيش الانجليزي سابقا, حين تزاملنا في العمل بجريدة (الجمهورية) القاهرية حيث كان صاحبنا قريبا بشكل أو بآخر من قمة السلطة في السبعينات ومن ثم كان متوفرا, وكم كان مثابرا على كيل اطنان المديح للرئيس السادات غفر الله له, منقلبا في ذلك على عهد الزعيم ناصر الذي كان بدوره قد تلقى من صاحبنا المخضرم قلائد مديح كانت ترفعه ــ ناصر ــ الى عنان السماء وقتها كنت ــ الفقير كاتب السطور ــ مهاجرا مستجدا من دنيا الاذاعة الى عالم الصحافة قصاراي ان احمل صفة كاتب ولو على استحياء شديد, بينما كان صاحبنا يضيف الى هذه الصفة اللقب الاثير وهو .. (الكبير) وهو لقب لا يزال يرفعه او يشهره في وجه الناس, رجل يشتم كل مخالفيه في الرأي ــ ان كان له رأي ــ في اكبر صحيفة مصرية يتحفها كل اسبوع بموضوع انشائي ركيك كأنه يكتبه من عصور اهل الكهف الغابرين.. كما يحمله ــ لقب الكاتب الكبير حتى لا ننسى ــ رجل آخر يكتب بحروف عربية كل صباح اي نعم.. ولكن الهوى عبري والعياذ بالله. نعود الى بطل قصتنا.. الذي كنت اراه يختال في أروقة مؤسستنا الصحفية وقد بلغت حلته اوج الاناقة والحفلطة (تأمل فصاحة هذا المصطلح الدال من صوته على معناه!) ومع ذلك كنت اتهرب من مواجهته خشية ان يصدق على العبد لله الوصف العربي الذائع المأثور, وظل يضحك ويضحك حتى استلقى على قفاه, نعم كنت اخشى ان اطالع سحنة الاديب الكاتب.. الكبير فأنفجر في ضحك كان حبيساً في وجداني على طول السنين لماذا؟ لانني كنت اتذكر واقعتين بالتحديد كان بطلهما الكاتب المذكور: الاولى كانت مع عميد الادب الدكتور طه حسين والثانية مع صديقنا عميد الساخرين محمود السعدني. الحكاية الاولى تحكي قصة صاحبنا وقد غربت شمس ريادته للقصة القصيرة اذ انقضت الاربعينات وجاءت ثورة يوليو بمواهب فائرة وعبقريات متوقدة بل متفجرة كان على رأسها يوسف ادريس, وفيما كان صاحبنا يحاول الاحتفاظ بتوازنه, اذ به يفاجأ بتيار ثقافي جديد جاءت به الثورة متمثلاً في عدد من الاساتذة الاكاديميين الذين شقوا طريقهم الى اعمدة الصحف, كتيبة واعدة من المثقفين الجادين ضمت اساتذة من امثال لويس عوض وعلي الراعي وعبدالقادر القط ورشاد رشدي وبالطبع الدكتور محمد مندور, بدأ الناس ومعهم صاحبنا القصاص اياه يقرأون عن الميثولوجيا اليونانية وأثرها في فن الدراما, التراجيديا والكوميديا, وفي هذا الاطار كانت تتردد اسماء ارباب الاولمب عند قدماء الاغريق زيوس كبيرهم, واثينا ربة الحكمة وافروديت رمز الجمال وايروس اله الحب والعشاق.. الخ هنالك اضطربت نفس صاحبنا اضطراباً شديداً فهو محدود التعليم ولا يكاد يدري من امر هذه المعارف الكلاسيكية شيئا, فما كان منه إلا ان أمسك قلمه وكتب سلسلة مقالات ليتمحك فيها بالعهد الثوري الجديد, ويهاجم ما اطلق عليه اسم (أدب العفاريت) ولما عرضوا هذه المقالات بعباراتها الحادة وغلوها الشديد على الدكتور طه حسين, اطلق عبارته الشهيرة يصف الكاتب اياه قائلا: (لقد رضي بجهله, ورضي جهله به) , وسارت مثلا ضحكت له القاهرة.. الحكاية الثانية تتعلق بشقاوة محمود السعدني الذي هدته ذات مرة إلى ان يكتب مقلدا أساليب الكتاب المشاهير في عقد الستينات, وهكذا فتح صفحتين في مجلة (صباح الخير) القاهرية مقلدا اسلوب الدكتور محمد مندور ومن ثم فقد حشا السعدني مقالته بالفاظ لاتينية ومصطلحات نقدية فرنسية ومتون يونانية.. إلخ, وعندما جاء ليقلد أسلوب صاحبنا الكاتب الكبير الذي نتحدث عنه قال السعدني ما معناه: ـ ينعون عليّ صاحب هذا القلم انه لا يقرأ, لا يتثقف, وعجبا لهؤلاء أنهم لا يفهمون وظيفة الكتابة بعد ان تغشاهم أدب العفاريت.. ان الكاتب لا يقرأ ـ أيها السادة ـ ولابد من ثم ان يظل جهولا, أما الذي يقرأ فهو القارئ.. تلك وظيفته ومهمته ورسالته, وهذه هي أصول العلاقة بين كاتب يكتب وقارئ يقرأ, ولكن ماذا أفعل وهؤلاء القوم لا يفهمون, ومرة أخرى ضحكت القاهرة.