اعتقد ان أغلبنا قد قرأ ما نشرته الصحف منذ أسابيع قريبة عن ذلك المعمر الذي تجاوز المائة والثلاثين عاما وقد نشب بينه وبين أبنائه الذين بلغ بعضهم السبعين خلاف حول رغبته في الزواج من شابة لا تتعدى العشرين , حيث اعترض الأبناء والأحفاد على هذه الرغبة, بينما لم يمانعوا في ان يقترن الوالد الكريم بآنسة أو سيدة شريطة ان تكون قد قاربت السبعين وقطعت شوطا لا بأس به من سن اليأس ولم يعد هناك أمل في ان ترزق بمولود من والدهم, يشاركهم في الميراث بينما أصر الوالد الثلاثيني بعد المائة على شرطه, في شريكة الحياة المقبلة على اعتبار ان مستقبله أمر يخصه وحده, وكان الأمر محلّ شد وجذب بين الاب والأبناء, ولا شك ان قصة كهذه على ما بها من طرافة قد تثير في نفوس الشباب أو بعضهم الحسد والغيرة من الروح والقوة التي يتمتع بها عجوز في هذه المرحلة المتأخرة من العمر بينما تصبح موضع تندر وشماتة ومادة دسمة للحديث عند النساء لاستفزاز الأزواج واخراج مكنون الصدور ينفّسن بها عمّا يشعرن به من غيظ وقهر وربما قلة حيلة وان كنت أظن ان أغلبكم لا يتفق معي في الأخيرة هذه, ومع ذلك فان هذه الجزئية ليست هي موضوعنا وانما أردناها مدخلا للحديث عن موضوع العمر وسنواته التي تمضي سراعاً لا نحس بها بعد ان أكد باحث أمريكي مؤخرا ان معظم الناس لن يعيشوا ليشهدوا الألفية الجديدة فحسب بل قد يحتفلون بالعام 2100 أيضا, وقال الدكتور مايكل فوسيل بروفيسور الطب السريري في جامعة ميتشجان الأمريكية ان البحوث البيوكيميائية ستتقدم بشكل لا يصدق وبصورة مذهلة في وقت ما خلال الألفية المقبلة بحيث تمد في عمر الانسان لتصل مدة حياته إلى 200 سنة على الأقل, وشرح الدكتور فوسيل نظريته في ان مفتاح الشيخوخة يكمن في جزء صغير جداً من المادة الوراثية يعرف باسم (تيلومير) ويقع في أعلى كل كروموسوم بشري, حيث يمثل هذا التيلومير الساعة البيولوجية لجسم الانسان والمؤقت الذي يدق داخل كل خلية بشرية ليخبرها متى تشيخ, وأوضح انه كلما تقدم الانسان في السن فإن معظم أجزاء التيلومير تنكمش وتتقلص, وعندها تبدأ الخلايا بالموت, مؤكدا ان النجاح في اطالة التيلومير يعيد الوضعية الطبيعية للساعة البيولوجية في الجسم, وقد يلعب دوراً مهماً في أمراض القلب والزهايمر وغيرها. ولعل هذا الفتح الذي يبشر به اكتشاف العالم الأمريكي يدفع الكثيرين الى التشبث به والميل إلى تصديقه وبالتالي اعادة ترتيب أمورهم والتخطيط للكيفية التي سيعيشون حياتهم بها, وهي كيفية ستكون لا شك مختلفة عن التقسيمة الحالية التي تفترض ان معدل عمر الانسان في أحسن الظروف وعلى أفضل الاحتمالات هو في حدود السبعين يزيد أو يقل حسب الظروف الصحية وحوادث السيارات في بلادنا والدجاج والبيض البلجيكي في أوروبا والخمور المغشوشة في بعض دول شرق آسيا, وكوارث الطيران والقطارات والمناجم والعمارات المخالفة لشروط البناء في أنحاء متفرقة من العالم, ناهيك عن الحروب التي ما ان ينطفئ أوارها في منطقة حتى تشتعل في أخرى لتظل مصانع الأسلحة والذخيرة دائرة خاصة وان بيوت وخزائن دول وحكومات كثيرة مفتوحة بفضل الله وفضل هذه المصانع والحروب التي تضمن لها استمرار تشغيلها. لنترك الحديث في السياسة جانبا, فنحن بصدد قضية أهم وهي كيف يخطط الانسان كي يعيش مائتي عام بالطول والعرض والارتفاع أيضا, فالواحد منا في ظل ظروف العمر الحالية المفترضة يقضي ثلث عمره تقريبا في الدراسة ــ ونستثني الأميين من ذلك وهم كُثُر ــ حيث يتخرج من الجامعة إذا لم يتعثر في الطريق ـ ولكل فارس كبوة وللبعض كبوات ـ وهو في سن الثانية والعشرين ليبدأ رحلة البحث عن الرزق وتكوين النفس إذا لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ـ وهو حال الكثرة الكاثرة ـ ويستغرق منه ذلك سنوات ربما امتدت إلى العشرين أو أكثر أيضا حتى إذا ما أفاق وجد نفسه على مشارف الخمسين وقد أثقلت كاهله مسؤوليات لا يعرف كيف تسللت إلى حياته, في غفلة منه, فإذا هو مسؤول عن أسرة وأبناء وبيت يمضي نهاره وربما جزءًا من الليل في محاولة توفير سبل العيش لهم, فإذا ما تبقى له جزء من اليوم أمضاه في استعراض ما مضى من حياته ومحاولة استيعاب الوضع الذي آل إليه وانقاذ ما يمكن انقاذه من القادم من أيام عمره, الذي عادة ما نطلق عليه المستقبل, وشتان بين مستقبل نتطلع إليه من طاقة العشرينات ومستقبل نختلس النظر إليه على استحياء ونحن نراكم تحت أقدامنا خمسين عاما حافلة بما تخبرون وتعلمون أو في طريقكم إلى ذلك من عناء الحياة ومعاركها الطاحنة. وإذا ما استمرت خطة الحياة على ماهي عليه وبنفس التسلسل من حيث سنوات تحصيل العلم وسنيّ الكد والعمل والجهد دون ان يعاد النظر في سن التقاعد وسنوات الخدمة ولا أظن ذلك وارداً, فإن الفائض من العمر بعد عملية الجمع والطرح البسيطة هذه ومع التجاوز سيصل إلى 140 عاما تحتاج منا إلى تنظيم مؤتمر دولي وتشكيل لجان مختصة لوضع خطط متعددة ذات خيارات جمّة ومتنوعة لكيفية الاستمتاع بهذه السنوات التي ربما كانت هي البداية الحقيقية لحياة الانسان. وإذا كانت هذه الفرضية قد أوقعتنا في حيرة خشية تسلل الملل إلى حياتنا فلا يعرف المرء كيف تمكنت الأمم السابقة التي ورد ان أعمار الناس فيها كانت تصل إلى الألف عام كقوم نوح مثلا من تجاوز هذه المشكلة التي لا تقل عن علة القرن, خاصة في ظل عدم وجود نظام شبيه بنظام التعليم لدينا, والذي يستغرق ثلث عمر الانسان كما قدّمنا وعدم وجود القوانين والأنظمة التي تحدد العمر الافتراضي لصلاحية الفرد للعمل والانتاج واحالته بالتالي الى الاستيداع الذي يطلقون عليه (المعاش) . ولا ندري ان كنا نستطيع ان نجعل من تجربة الشاعر زهير الكلبي الذي عاش مائتي عام مقياساً للحكم في هذه القضية, فقد خرج علينا بعد هذا العمر ليقول: لقد عمّرت حتى ما أبالي أحتفي في صباحٍ أو مساءِ وحقّ لمن أتى مائتان عاما عليه ان يملّ من الثواءِ وإذا كانت بحوث البروفيسور الأمريكي تتصور للانسان ان يعيش مائتي عام فقط فإن خيال الأدباء والفلاسفة قد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير, فها هو المفكر والفيلسوف الفرنسي الشهير (فولتير) يقول في رواية (ميكروميجاس) التي تعتبر تقليداً لـ (رحلات جليفر) للكاتب الانجليزي جوناثان سويفت ولكنها تمتاز بتصور الكون: (لقد زار الأرض ساكن من سكان قلب الجبار في الفلك, طوله خمسمائة ألف قدم, وهو طول يتناسب مع طول مواطن من هذا النجم الكبير, وفي طريقه في الفضاء التقط رجلاً من سكان زحل الذي أبدى حزنه لأن طوله بضعة آلاف من الأقدام فقط, وعندما كانا يسيران فوق البحر الأبيض المتوسط بلل العملاق الأول كعبيه في ماء البحر, وسأل زميله الذي من زحل عن عدد الحواس عند سكان زحل, فأجابه: لدينا اثنتان وسبعون, وكم سنة تعمرون عادة؟ يا للأسف انها مجرد سنوات قليلة تافهة, اذ ان القليل من سكان عالمنا يتجاوزون الخمسة عشر ألف سنة من أعمارهم, وهكذا كما ترى لا نكاد نولد حتى نموت, ان حياتنا ليست أطول من نقطة وبقاءنا برهة وعالمنا ذرة, ولا نكاد ان نبدأ نتعلم قليلاً حتى يتدخل الموت قبل ان نبدأ نستفيد من تجاربنا) . هذا التذمر وهذه الشكوى من قصر حياة تمتد لخمسة عشر ألف سنة كما نسمعه على لسان بطل قصة فولتير نجد نقيضه تماما عند شاعرنا العربي الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى الذي وجدناه في الثمانين من عمره يقول: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم وهكذا تصل إلينا الرسالة من مصادر متعددة, ومن عصور تاريخية مختلفة, بعضها عاش التجربة بالفعل, وبعضها تخيلها وسجّل لنا رأيه على لسان أبطال رواياته, فمن عاش خمسة عشر ألف سنة يقول: (لا نكاد نولد حتى نموت) ومن عاش ثمانين حولا يقول انه سئم الحياة وتكاليفها, أما نحن فنقول للدكتور فوسيل ولزميلته الدكتورة الامريكية أيضا كريستين كينيون استاذة الكيمياء والمشرفة على الابحاث التي قام بها فريق من العلماء الأمريكيين على بعض أنواع الديدان دائرية الشكل ليكتشفوا ان تطوير اداء جين معين لديها لعب دوراً هاما في مضاعفة العمر الافتراضي لديها, وليقولوا لنا ان هذا الاكتشاف الجديد قد يفتح المجال أمام امكانية مكافحة الشيخوخة والتقدم في العمر بواسطة النظم الجينية, نقول لهؤلاء جميعا لا تجهدوا أنفسكم بحساب عمر الانسان بعدد السنوات التي يعيشها فرُبَّ يوم مر عليك أطول من عام, ورُبَّ أعوام مرت عليك سراعا لم تشعر بانقضائها, فالعمر الحقيقي انما يقاس باللحظات السعيدة التي تعيشها وبما تقدم من عمل نافع تخلّف به لك ذكراً محموداً, فمآل من عاش ألف عام ومن مات يوم ولد إلى نفس المورد, وربما كانت ساعةٌ بالعمر كله, كما يقول أمير الشعراء (أحمد شوقي) على لسان أمير المحبين (قيس بن الملوّح): قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً وتهون الأرضُ إلا موضعا ويأبى شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري ذلك الأعمى الذي فاق المبصرين بصيرةً إلا ان يكون حاضراً, ولولا ضيق المجال وكوننا بدأنا حديث الاستراحة بخبر طريف لكانت لنا وقفة مع أعظم قصائده تلك التي قالها في رثاء (أبي حمزة) , على ان بيتا فيها يفرض علينا نفسه علّه يصل إلى العلماء الذين يجهدون أنفسهم لاطالة أعمار البشر, والاعمار أولاً وأخيراً بيد الله عزوجل والآجال مقدرة منذ الأزل, فلهم نقول كما قال شاعرنا: تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد