مجتمع الامارات كغيره من المجتمعات الانسانية. يمر بمراحل مختلفة من حيث النمو وملامح الحضارة, ولكنه كان في جميع مراحله, قريباً من الاهتمام بالثقافة والفكر , حسب معطيات كل مرحلة, ورغم الظروف الاقتصادية التي سادت المنطقة في بدايات هذا القرن, مما شغل الناس بلقمة العيش, وحول اهتماماتهم الى الجانب الاجتماعي, والبحث عن حياة كريمة تسد الرمق, وتساعد على الحياة, الا ان الثقافة كانت حاضرة كذلك فكانت هناك جهود معرفية تعد علامات بارزة وملامح جديرة بالانتباه والرصد. كان المتعلمون ودعاة الاصلاح يهتمون باقتناء الكتب وتدارسها مع قرنائهم, ويحاولون بث حب الاطلاع والمعرفة بين الناس. واولئك الذين لم يكن لهم حظ من التعليم والقراءة والكتابة كانوايتحلقون في مجالسهم حول الراوي او القارىء ليقرأ لهم في كتاب من كتب المعرفة, في السير والتراجم والتاريخ والدين, والشعر. فنادراً ما يخلو منزل من كتاب فتوح الشام للواقدي او رياض الصالحين او سيرة ابو زيد الهلالي او ديوان المتنبي, الزير سالم, الجارية تودد, وغيرها. اما علماء الدين والقضاة فكانت تصحبهم كتب الحديث والتفسير والفقه, وكانت دواوين الشعراء محفوظة في صدور القوم. ونحاول هنا ان نوجز في اطلالة سريعة وضع المكتبات والكتب بالامارات من بدايات القرن وحتى قبل قيام الاتحاد. المكتبات العامة في الحلقة الاولى من هذا الحديث سنتناول بواكير المكتبات العامة, فقد كانت المكتبة في بعض الاحيان مكتبة عامة بحيث يوقف اصحابها كتبهم للآخرين للاطلاع, اما من خلال مدرسة او تجمع ثقافي او مسجد او مجلس, وهنا بعض النماذج التي اسست للمكتبات العامة وكانت نواة لها بقدر ما تتيحه ظروف ومتطلبات العصر. مكتبة المدرسة التيمية المحمودية وهي المكتبة التي انشئت بالمدرسة التيمية المحمودية بالشارقة عام 1905م او قريب منه كما يذكر الشيخ محمد بن علي المحمود لتكون رافداً لطلاب المدرسة ومعيناً لهم على الاطلاع والمعرفة الخارجية, التي لا تتيحها المقررات الدراسية وانطلاقاً من فكر مؤسس المدرسة علي المحمود ومديرها الشيخ عبدالكريم البكري, المستند على الدعوة السلفية فكانت المكتبة تسهم بنشر الفكر السلفي, وقد ضمت كتباً في معارف شتى من فروع المعرفة, الدينية والادبية, والتاريخية. المكتبة التيمية بحضور سمو الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة (1929-1951) القيت خطبة بالمكتبة التيمية بالشارقة حوالي عام 1348هـ - 1930م اوضحت ان هدف المكتبة تسهيل مطالعة الكتب للراغب, ونشر العلم, ومحاربة البدع والخرافات ومنع الالحاد والزندقة ولتكون منبعاً لكل خير في الدنيا والآخرة. اما مؤسس هذه المكتبة فهو الوجيه عبدالله بن حسن المدفع الذي وفر لها المكان وامدها بالكتب القيمة النفيسة وقد كلف المرحوم ابراهيم المدفع اميناً لها. حيث جاء في ذات الخطبة (ولكن يكفيها شرفاً وفخراً بأن تدفع الى ميدان العمل الواعظ المرشد والاديب المهذب والشاعر المفلق ابراهيم بن محمد كاتب سرها الخاص وعضوها العامل بل وقلبها الخافق فهو الكل في الكل) . ولما كانت المكتبة في منزل الوجيه عبدالله بن حسن المدفع جد ابراهيم المدفع فقد بقيت بعد وفاته لدى حفيده ابراهيم واعتنى بها واضاف اليها وزودها بالمفيد والنافع. وفي خطاب موقع باسم عبدالله عبدالوهاب المزين مرسل من دبي في 14 شوال سنة 1348هـ - 1930م يقول فيه (أخي ابراهيم صلاة الله وسلامه عليك وعلى جميع آلك وأصحابك قدمت لحضرتكم منذ يومين صحيفة الفتح وعددين آخرين من الصحف العراقية..) . وفي رسالة أخرى يخاطبه قائلا: (لحضرة الغيور الفاضل مدير المكتبة التيمية الوهابية في الشارقة...) وقد بلغ عدد الكتب في المكتبة ما يربو على أربعمائة كتاب, بالاضافة إلى الصحف والمجلات, حيث كانت تأتيها المقتطف ـ وادي النيل ـ الرسالة ــ الفتح ــ الشورى والهلال من مصر, ومن العراق كانت تأتيها مجلة بوحمد ـ الفرات ـ خبربوز (الفكاهية الساخرة), ومن الكويت مجلة الكويت, كما ذكر ذلك ابراهيم المدفع في لقاء معه بمجلة الأزمنة, وكانت المكتبة ملتقى المثقفين والمتنورين من رجال ذلك الزمان, فكانت مجلسا ومنتدى ثقافيا لهم, يتبادلون فيه الآراء الاصلاحية ويفكرون في الوضع العام, ويستقبلون الزوار والضيوف فيها, فيذكر عمران بن سالم العويس ان المرحوم ابراهيم محمد المدفع أخبره ان المكتبة كان بها سجل تدون فيه كلمات الزوار, وممن زار المكتبة الشيخ سليمان بن حمير النبهاني أمير الجبل الأخضر سابقا, وكان لها نظام يحدد عملها ووقتها كما يذكر البعض. ويروي احمد بورحيمة ان المكتبة لم يكن بها نظام للاعارة, فمن أراد ان يطلع عليه ان يقرأ ما يستطيع في الجلسة, ويعود مرة أخرى استكمال ما يريد, وقد كتب صاحبها بيتين من الشعر على لوحة علقت على الجدار يقول فيهما: ألا يا مستعير الكتب دعني فان اعارة المحبوب عار ومحبوبتي من الدنيا كتابي وهل أبصرت محبوبا يعار مكتبة النادي الأهلي الأدبي أنشىء النادي الأهلي الأدبي بدبي عام 1945م لممارسة الأنشطة الثقافية والأدبية, والرياضية, وفي عام 1960م تم تغيير مسماه إلى نادي النصر الذي هو حاليا (نادي النصر الثقافي الرياضي) , كان مقره قرب موقع البنك البريطاني ببر دبي حاليا. وكان به مكتبة فيها عدد من الكتب والمجلات التي تبرع بها الأعضاء المهتمون بالثقافة والفكر, فقد تبرع كل من أحمد بن سلطان بن سليم وأحمد بن علي العويس وعمران بن سالم العويس ببعض الكتب, منها مؤلفات محمد حسين هيكل. ويروي جمعة جعفر انه زار هذا النادي وشاهد الأعضاء يقرأون الصحف والمجلات. مكتبة نادي الطلبة في أواخر الأربعينات وفي فترة ادارة أحمد بو رحيمة لمدرسة الاصلاح القاسمية بالشارقة, افتتحت المدرسة مكتبة من احدى غرفها, لتتيح للطلاب فرصة الاطلاع والقراءة الخارجية, وكتب على تلك الغرفة (نادي الطلبة) وكانت الكتب في معظمها اما مقتنيات المعلمين أو ما تتم استعارته من المهتمين بالقراءة والمطالعة, وكانت تفتح أبوابها أمام الطلاب في وقت الفسحة وبها كتب في معارف شتى. مكتبة النادي (النادي) تجمع ثقافي انشىء بالشارقة في بداية الخمسينات, كان مقره غرفة طويلة قرب مصلى العيد انشأه مجموعة من الشباب الواعي والمتطلع إلى المعرفة, رفض أولياء الأمور الفكرة وعارضوا افتتاح النادي في بداية الأمر, ثم اقتنعوا وأيدوا الفكرة وساندوه بالحضور والدعم. كانت به مكتبة تحتوي على بعض الكتب والمجلات, وتنظم به الندوات والمحاضرات, وتتم استضافة زوار الشارقة والمهتمين بالثقافة, وفي عام 1951م استضاف النادي البعثة التعليمية الكويتية التي جاءت لبدء التعليم الحديث. المكتبة الثقافية في منتصف الأربعينات قام بدبي تجمع ثقافي, اطلق عليه (المكتبة الثقافية) كان مقره بمنزل الشيخ محمد بن عبدالسلام قاضي البلاد, بمنطقة سكة الخيل, سوق الذهب حاليا. وضم مجموعة من شباب الامارة المهتمين بالثقافة, وكانت تنظم به البرامج والأنشطة الثقافية وبه مكتبة للأعضاء مزودة بالكتب والمجلات والصحف للاطلاع والمتابعة, وبه آلة سحب (استناسل) لطبع النشرات التثقيفية, وبناء على مضايقة من الانجليز تم تغييره إلى (ناد) وادخلت فيه الرياضة وممارسة كرة القدم, وسمي (نادي العروبة) . المكتبة العامة بدبي تعد المكتبة العامة بدبي بمنطقة الرأس بديرة أول مكتبة تؤسس بالامارات وفق النظام الحديث للمكتبات العامة, ويرى عبدالغفار حسين النائب الاسبق لمدير بلدية دبي انه في عام 1963 وأثناء زيارة للشيخ احمد بن علي آل ثاني حاكم قطر الاسبق اقترح أحد مرافقيه وهو الشيخ عبدالبديع صقر انشاء مكتبة عامة بدبي. وقد تأسست المكتبة تحت اشراف بلدية دبي وأحضر أمين صقر في نفس عام 1963 ليتولى ادارتها. وقد تم تزويد المكتبة بمطبوعات من دار الكتب الوطنية بقطر على سبيل الاهداء, ثم قامت البلدية بتزويد المكتبة بكتب من السوق المحلية, والشراء من الخارج. وقد ساهم الأهالي في تزويد المكتبة بما تحتاج اليه, فقد نشرت مجلة أخبار دبي في عددها الصادر في 23 يناير 1965 ان احمد ماجد الغرير وأولاده سيف وعبدالله وماجد تبرعوا بمائة كرسي للمكتبة, وتبرعت محلات محمد وعبدالصمد الكيتوب بمبلغ خمسمائة روبية, وكانت المكتبة مؤسسة ثقافية تنظم فيها الاحتفالات بالمناسبات الدينية والثقافية, ويدعى لها المحاضرون من الخارج ايضا, وتقام بها المعارض. وممن تولى ادارتها حامد عاشور, د. احمد أمين المدني, ربحي حلوم. وعمل بها أحمد صالح الخطيب مساعدا للمدير فترة من الزمن عام ,1969 وأتاحت المكتبة الفرصة للطلاب للاستذكار وقت الامتحانات, والمطالعة أثناء العام, ويذكر جاسم محمد نور القيواني انه وزملاء له تلقوا دروسا في اللغة الانجليزية على يد مدرس هندي يدعى (وركيز) في أروقة المكتبة. مكتبة مكتب قطر الثقافي بعد وصول البعثات التعليمية القطرية الى دبي, افتتح في دبي عام 1965 مكتبا ثقافيا تحت رعاية الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم, وحضر الافتتاح د. كمال ناجي مدير معارف قطر آنذاك, وكان بالمكتب مكتبة عامرة, وكانت ملتقى لرواد الثقافة, وللطلاب للاستذكار, وكان مدير المكتب الشيخ كامل زغموت. مكتبة مركز الاستعلامات الانجليزي في عام 1960 افتتح دار الاعتماد البريطاني بحضور صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي مركزا للاستعلامات تابعا للوكالة السياسية وذلك بمنطقة البطين (السبخة) وكان به مكتبة للقراءة والاطلاع, يحضر اليها الشباب للمذاكرة ومتابعة النشرات الانجليزية الصادرة باللغة العربية ومنها (هنا لندن) وكذلك مشاهدة الأخبار والمباريات التي كانت تعرض من خلال جهاز عرض سينمائي. تلك نبذة مختصرة عن أهم المكتبات العامة من حيث النشأة والدور, وقد تكون هناك محاولات وجهود اخرى في بعض المواقع الأخرى.