علمتني الحياة الزوجية ومثلي كثيرون, أن نترك بعض عاداتنا, وهواياتنا, وأفكارنا جانبا, وأن نلتزم قوانين أخرى, نتعود عليها ونعمل بها, وهذا ليس عيبا بقدر ما هو تطبع لمتطلبات التغيير, والمشاركة, ومسك العصا من الوسط كما يقال . وحتى لا أدخل في جدلية الأسرة, والمرأة, والانقلابة التي يجد المرء نفسه فيها بعد الزواج, ومقارنتها بما قبل الزواج, أقف عند الهوايات فلا أتجاوزها.. فالهواية ممارسة فعلية تعيش بالاهتمام والاعتناء والتواصل, وتموت بالسكتة القلبية إذا ما تركها الإنسان خلفه غير مكترث بها.. وأغلبنا له هواية وعشق وممارسة, وبعضنا له هوايات يجدّ لها ولا يستغني عنها, بل يعطيها جل وقته واهتمامه مهملا أمور حياته الأخرى, سواء كانت أسرية أو اجتماعية أو على صعيد العمل. ومن باب الهواية أدخل اليوم دون اكتراث, فأشير إلى انني تركت الرسم والتشكيل وهجرته من أجل عيون الشعر, وتركت كرة القدم من أجل الدراسة والتحصيل, وتركت الجميع من أجل الصحافة, ورغم هذا لا أحس بالندم كما يفعل غيري. ولكن بين تناثر الهوايات وتفردها يظل الحضور لهواية ما, شئنا أم أبينا, ويبدو ان هناك هوايات يتقنها غالبية الرجال بأوامر نسائية, وهي الطبخ والغسيل والكي, ولا نستثني من ذلك أحدا, فأغلبنا تعرض أو هو عرضة لممارسة تلك الهوايات المثيرة, إن آجلا أم عاجلا. وحتى لا يجد الرجال أنفسهم مجبرين في يوم ما على الدخول في تجارب من هذا النوع, وهم غير مهيئين لها, افتتحت في ولاية تينسي الأمريكية مدينة للهوايات الاجبارية وهي عبارة عن مؤسسة خيرية تؤهل الأعضاء فيها على الدخول في تجارب غير مسبوقة, إذ بامكان الشخص ممارسة هوايات لا يحبها وينفر منها ولا يجد فيها متعة واستفادة, ولكنه رغم ذلك يتعلمها ويتقنها ويجد نفسه بعد فترة من التأهيل والتعود متفاعلا معها. ولا تعتمد المؤسسة على أساتذة وباحثين وأكاديميين في تأهيل المشتركين في دورتها, بل تقوم من خلال أصحاب الهوايات أنفسهم بايصال الهواية وتحبيبها للمشاركين, فيقوم أحد المشاركين مثلا باجراء مسابقة لأسرع غاسل أطباق بشكل يومي ولمدة أسبوعين, بينما يقوم مشارك آخر بعمل برنامج للطبخ يتم من خلاله اكتشاف المواهب الجديدة في اعداد الطعام بأشكاله المختلفة, وهكذا. وبهذه الطريقة يتعرف الشخص الذي كانت هوايته القراءة فقط على الجوانب الأخرى من الهوايات المتعددة, وبذلك ربما يجد في هواية جمع الطوابع اثارة وعلما وفنا وتواصلا مثلما يجدها في القراءة. وقد وجدت المؤسسة اقبالا مثيرا من أصحاب الهوايات الذين يريدون الدخول في تجربة استبدال هواياتهم أو تعلم كيفية التأقلم مع الهواية البديلة. ورغم نجاح التجربة بشكل كبير, الا ان هناك عثرات وقفت حائلا دون اتمام بعض المشاركين للتجربة, فقد اصطدم بعض المشاركين بعائق الموهبة للاستمتاع بالهواية, فمثلا لم يستطع إلا قلة من المشاركين اتمام هواية الشعر, لأن الاستعداد الفطري لم يك موجودا أساسا, وهكذا بالنسبة للأشكال الابداعية الأخرى.. الا ان هناك تصميما مثيرا من المشاركين للخروج بهوايات بديلة وخاصة التأقلم مع الهوايات المتعلقة بالأسرة كالطبخ والغسيل واعداد المائدة. ولكن ماذا عن النساء؟! يبدو ان الإنسان جُبل على فك الطلاسم والاسرار ومحاولة البحث عميقا عن كل ما هو بعيد عنه, ولهذا تجد الرجال يبحثون ويبحثون عن خفايا النساء في محاولة لمعرفة أسرار تلك القارورة المثيرة في كل شيء, إن سكتت أو تكلمت, إن ثارت أو هدأت, إن بكت أو ضحكت, إن أظهرت أو أبطنت.. وهكذا بالنسبة لكثير من النساء حيث تجدهن يدخلن عنوة بتصميم مسبق إلى عالم بعيد عنهن في محاولة لمعرفة أسراره, وفي تلك المؤسسة المثيرة كان للنساء نصيب من الهوايات الرجالية, فقد بدأت مجموعة منهن بالدخول إلى حلبات الملاكمة ودورات الكاراتيه والجودو, واقتحام كل ما هو رجالي. والسؤال الذي يطرح نفسه رغم نجاح استبدال الهواية كما أكدت تلك المؤسسة التأهيلية.. هل سيكون المشترك سعيدا في هوايته الجديدة؟ أياً كانت الاجابة بالنسبة للمشاركين في استبدال هواياتهم, أعتقد ان الدخول في تجربة جديدة هو نجاح يؤدي إلى السعادة.. ومن يدقق في مسار حياته اليومي يكتشف تعرج التجربة وتباينها خاصة في مجال الهواية, فأنت طباخ ماهر خارج بيتك, عندما تسنح لك الفرصة, خاصة في الرحلات وبين الأصدقاء, وأنت لاعب كرة قدم من الطراز الأول, وأنت كذلك سائق مميز ورسام وكاتب وشاعر ومطرب ومؤلف وناقد, وغيرها من الهوايات والفنون, لكنك لا تمارس من ذلك الا هواية واحدة وفيما ندر. ولأن البعض منا يبحث عن كل ما هو جديد أثارني حديث صديق لي قال انه يمارس هواية مثيرة وهي التهام أي نوع من الأكل مهما كان غريبا صينيا, يابانيا, فيتناميا, افريقيا, ألاسكيا, المهم التهامه دون معرفة محتوياته ومقاديره, وهذا يدعونا الى التصفيق له اعجابا, بل ونطالب القائمين على موسوعة جينز بادراج اسمه فيها, لأن مثل هؤلاء الأشخاص قليل ونادر, خاصة أيام الأزمات كالأزمة التي تعاني منها بلجيكا حاليا بخصوص الدجاج والكوكاكولا والتي طالت أوروبا والعالم ككل. وقبل أن أختم أشير الى ان ممارسة بعض الهوايات مكلف ليس على ممارسها, بل على الآخرين, وأعرف شخصيا صاحب عمارة كلفته هواية لأحد المستأجرين آلاف الدراهم وما زال يدفع حتى يومنا هذا مبالغ من جيبه من أجل عيون هواية المستأجر والتي كانت بكل بساطة تربية الصراصير .. نعم تربية الصراصير, وقد علم صاحب العمارة عن تلك الهواية بالصدفة بعد ان تقدم المستأجرون بعريضة تطالب المالك بالتدخل السريع لوقف تكاثر الصراصير التي تداهم الشقق, فقام من فوره باستئجار شركة نظافة لعمل اللازم, وقد كانت دهشة العاملين مضاعفة عندما اكتشفوا ان احدى الشقق ويسكنها فلبينيون هي سبب الأزمة, فقد كانت الصراصير متواجدة وبأعداد هائلة في كل ركن من أركان الشقة, بل في كل درج وعلى كل كرسي وفراش .. وقد طلب المالك على الفور من المستأجر صاحب الهواية الغريبة مغادرة الشقة وانهاء العقد علما بأن البناية جديدة ولم يمض عليها أكثر من ثلاث سنوات فقط الا ان الصراصير ما زالت تخرج منها حتى الآن!