حاليا في الاسواق مطبوعة تكاد تكون نجمة فريدة يشار اليها بالاعجاب, وتتسابق الايادي نحوها وحدها . هذه مطبوعة لا يميزها وجه امرأة (ملون) او عنوان عريض تحمل كلماته ايحاءات مثيرة من ثلاثية ما يطلبه الجمهور: جنس او رياضة او جرائم. انها لا تتحدث بابتذال او ابتزاز, انها عكس الجميع, بسيطة, رصينة في اوراقها والوانها واخراجها, وموضوعاتها, انها (محتشمة) ومحترمة جدا. اسمها (الكتب وجهات نظر) وسطر تعريف صغير يقول انها : في الثقافة والسياسة والفكر. صدر منها حتى هذا الشهر خمسة اعداد, حجمها من مقاس (التابلويد) غير الشائع وغير المطلوب في اسواق الاعلان والتوزيع, وسعرها مرتفع عندما نقارنه ببقية المطبوعات (الفخمة) والممتلئة فهي بعشرة جنيهات في مصر وخمسة عشر درهما في الامارات. لماذا هي حديث الناس, ولماذا يتسابق الجمهور عليها كما يخبرنا موزعها هنا في الدولة, او كما نسمع عنها في القاهرة, او كما اشاهدها عندنا في واجهة مكتبة الجريدة, فهي الوحيدة بين عشرات المجلات التي تتجدد اسبوعيا, الوحيدة التي لا تقف على الرف لازدياد الطلب عليها, اقول قد يكون السبب في هذا الاهتمام بها, انه يكتب فيها اعظم واهم كاتب في الوطن العربي اليوم محمد حسنين هيكل الذي تحبه او تختلف معه, لكنك مجبر ان تقرأ له. هيكل الذي قاطع الكتابة الصحفية زمنا, لاشك ان عودته بانتظام حدث في ذاته, على الاقل لاعادة شيء من الامل للساحة الثقافية والكتابة الصحفية في هذا الوطن العريض. وبالتأكيد ان المطبوعة التي استطاعت ان تعيد هذا المفكر الكبير للصحافة هي مطبوعة غير عادية, وهي مطبوعة تستحق ان تكون حدثا وحديثا بارزا في المكان الذي يتواجد فيه ذكرها. وايضا لان اسماء اعلامية لها مكانة في نفوس الكثيرين اجتمعت معا في اعداد ونشر هذا العمل هم: ابراهيم المعلم, جميل مطر, سلامة احمد سلامة, وحلمي التوني. الدرس الذي شدني في هذه المطبوعة, إنها رسخت تقاليد اساسية ورئيسية في هذه المهنة, تقاليد للاسف (خربت) بفعل أهل المهنة والدخلاء عليها. فاسم رئيس مجلس الادارة مثله كرئيس التحرير, وعضو مجلس الادارة بنفس الحرف ونفس المقاس, صغير, انيق لا يتجاوز الـ 16 بنطا, وكتاب العدد جاء ترتيبهم حسب الحروف الابجدية, فجاء اكبر واهم كاتب في المجلة وهو هيكل قبل الاخير بثلاثة اسماء, والاهم في اسماء الكتاب هو تعريفاتهم, فكاتب مثل هيكل لم يعرف على انه المفكر العربي البارز او وزير سابق او رئيس تحرير ومؤسس صحف ومجلات عدة او مستشار الرئيس او استاذ وكاتب كبير, او جميعها معا كما يفعل الكثيرون, انما جاء تعريفه في كلمة وحيدة هي (صحفي) ! وعرف كامل زهيري انه كاتب صحفي, وسلامة احمد سلامة صحفي, وجميل مطر كاتب.. الخ. وفي الصفحات نجد موضوع هيكل مثل بقية الموضوعات من حيث الاخراج الفني, واسم العلم مثل غيره من الكتاب ايضا بنطه لا يزيد على 18, وصورة مرسومة للكاتب بريشة الفنان التوني على عمود واحد تأخذ شكل بصمة اليد. بساطة, وفن, وتقاليد محفوظة في كل شيء, يقابلها صراع على الفوضى والبدع, تشارك فيه ـ وهذه مصيبة ـ صحف كبرى لها تاريخ وتعتبر مدارس صحفية رائدة, تجد اسم رئيس التحرير اكبر من حجم شعار واسم الجريدة نفسها, وبنط حرف اسمه على خبر الصفحة الاولى او مقالته اذا كتب, في نفس درجة المانشيت العريض! وتجد في مدرسة صحفية اخرى عريقة ايضا, ان مقالة رئيس التحرير على الصفحة الاولى في مكان بارز, لابد ان تزينها صورة فنية له, مقاسها قد يتساوى او يكون اكبر من صورة رئيس الدولة! وتجد الذات متضخمة جدا :(قال لي الرئيس.. وقلت له) . وصحف جديدة تخرج في صرعات جديدة, ابتداء من هوية رئيس التحرير الذي هو نكره عند الجميع؟ لا اسم ولا تاريخ له في هذه المهنة, كيف جاء, ومن أين, ومتى وصل الى درجة الاستاذية هذه! وتأتي الى مثل هذه الصحيفة التي يرأسها رئيس مغمور ـ وما اكثر هذه الصحف في مختلف البلدان العربية اليوم! ـ وتنظر الى فاتحة هذه الجريدة, صفحتها الاولى, فلا تجد الثوابت المتعارف عليها لشكل ومضمون الجريدة, لا اخبار ولا اخراج, انما اسطر عناوين متتابعة من اول عمود في الجريدة وحتى القاع, و(سلطة) من الالوان والصور والكلمات الفاضحة, ومطبوعة هكذا غلافها ماذا تتوقع ان تجد داخلها؟! في عالم الفوضى هذه التي تعيشها صحافتنا واعلامنا فأن مطبوعة تثبت مبدأ احترام المهنة والقارىء, لاشك انها ستجد من يحترمها ويتعلم منها, ويبحث عنها دائما, لانها معدن ثمين, وسط زحام المواد الرخيصة.. والمقلدة.