الاثنين ــ آن ماري،27 روجاكوب، 27 شارع جاكوب, المنطقة السادسة, سان جرمان دوبري, حيث قلب باريس الثقافي, ومراكز دور النشر الشهيرة, منها لوسوي (العتبة) احدى كبريات دور النشر العالمية, هذا عنوانها الذي كتبته كثيرا على مظاريف المراسلات التي نتبادلها منذ عشرين عاما , بالتحديد منذ خريف عام ثمانين عندما علمت بمشروع ترجمة رواية (الزيني بركات) خلال اتصال هاتفي بالاستاذ جمال الدين بن شيخ وهو استاذ شهير بالكوليج دوفرانس, وشاعر متميز, جزائري الاصل, كنت نزيل بيت صاحبي الاديب والصحفي علي الشوباشي, وعندما اصغيت الى الاستاذ جمال يفضي الي بما ينويه, تقديم روايتي الى دار لوسوي, سألته بتلقائية (ما لوسوي هذه؟) , هنا صاحت فريدة الشوباشي (اقبل.. اقبل..) . عرفت الطريق الى مقر لوسوي في شارع جاكوب, وخلال السنوات التالية ترددت عليه كثيرا, عند صدور كتبي المترجمة الى الفرنسية, او خلال المراحل المختلفة للنشر, او اثناء زياراتي لباريس, ارتبطت بصلة عميقة بعدد من المسؤولين في الدار, وكانت حفاوتهم تؤثر في كثيرا. لم تعد علاقات عمل انما اصبحت صلات وطيدة, ومنها صداقتي بآن ماري المسؤولة عن قسم الصحافة بدار النشر, سيدة تفيض حيوية, متزوجة من روائي فرنسي شهير, لهما مواقف مشتركة من قضايا التحرر في الاقطار الافريقية والقضية الفلسطينية, كنت باستمرار معجبا بنشاطها ودقة آرائها في الأعمال الادبية التي تقرأها, وتقدمها للصحف والتلفزيون والاذاعة, كذلك دهشتها عندما تصغي الى بعض الآراء او الاخبار, تبدو عيناها مليئة بالفضول والتساؤلات, تماما كعيون الاطفال. لسنوات تقرب من العشرين اعتدت ان اتحدث اليها فور وصولي لتحديد موعد, وعندما اتجه الى 27 شارع جاكوب, استعيد تلك اللحظات من صباح شتوي قارس البرد, برد استثنائي في باريس, كان ذلك في يناير عام خمسة وثمانين, عندما مضيت بصحبة زوجتي الى دار النشر, كنا على موعد مع آن ماري, وعند مدخل الدار وقعت عيوننا على نسخ الزيني بركات المترجمة الى الفرنسية, بالتأكيد لحظات لا تنسى, علامة في المسيرة الشاقة, سرعان ما بدأت آن ماري تنفيذ برنامج اتصالات مكثفة مع الصحف الفرنسية الكبرى, وخلال اسبوعين عرفناها عن قرب, وارتبطنا بوطيد العلاقة. في كل مرة اتردد فيها على باريس اثق ان ثمة شيئاً قد تغير, خاصة ما يتعلق بالبشر, حتى لو كانت الزيارات متقاربة, فلا يمكن ان تتشابه الظروف, بعد ان تناولنا الغداء في المطعم نفسه, وعلى المنضدة التي اعتدنا الجلوس اليها, قالت آن ماري بهدوء. (سأتقاعد في الثلاثين من يونيو المقبل...) قلت بدهشة وتلقائية (لماذا؟) قالت بنفس الهدوء (لقد بلغت سن التقاعد...) في هذه اللحظة اكتشفت ان سنوات عديدة مرت منذ ان التقيت بآن ماري, وانني قابلتها في الاربعين, وهي الان توشك على اتمام الستين, وانها ستتقاعد وتخطط لرحلات كانت تتمنى القيام بها, واكتشفت انني اعتدت التعامل مع حيويتها ونشاطها. ولم افكر قط في تقدمها وقطعها مزيداً من الخطوات في رحلة العمر. وانني في الزيارة التالية سوف اعبر الناحية الى المبنى القديم واجتاز الممر المؤدي الى مكتبها. لكنها لن تكون هناك رأيت اللحظات المتوقعة, وآلمني افتقادها رغم انها امامي. كانت آن ماري علامة في مرحلة من مسيرتي. وقد انطوت. الاحد صباحا ــ العاصفة اتطلع من النافذة العريضة الى المدينة ارى الافق مظلما, لا اعرف الفرنسية لذلك لم افهم ما قاله المذيع في نشرة الاخبار, كل ما ألممت به درجات الحرارة المكتوبة على خريطة فرنسا. انها مرتفعة بالنسبة لهذا الوقت من السنة اضافة الى الرطوبة التي تعيق التنفس, تبدو حرارة القاهرة ارحم, لكن هذا الاظلام المفاجىء للافق يتناقض مع الحر, كان الليل المفاجىء يتقدم بسرعة شديدة, ادركنا خلال دقائق, كل شيء من الطبيعة في غير أوانه يثير الخشية, تذكرت وصف المؤرخين لنزول الليل وظهور النجوم في عز الظهر. واستعدت الاخبار التي تصلنا عن اعاصير تجتاح الساحل الشرقي من الولايات المتحدة وتجتث كل مظاهر الحياة, ما يجري امامي في باريس يمت الى هذا بشكل ما, بعد الظلام الكثيف بدأ البرق, وانهال البرد من السماء كالحجارة, دام ذلك حوالي عشر دقائق, وبسرعة راح الليل يتوارى, عادت السماء صافية, كأن ليلا لم يحل في غير موعده, وكأن عاصفة لم تقع. الخميس ــ مساء امسية للوطن عدت الى البيت متأثرا بتلك الساعات التي امضيتها بصحبة اصدقاء اعزاء في بيت الصديق الحميم, الكاتب الكبير جمال بدوي, دعانا الى حفل لتكريم جمال اسعد عبدالملاك, ابن القوصية, اسيوط, قبلي, وصاحب التجربة الرائدة في العمل الوطني والسياسي والتي كان هدفها تقريب ابناء الوطن الواحد, وللأسف لم يقدر لها الاستمرار بفعل الاسباب التي قامت من اجل محاربتها والقضاء عليها, ابرزها التعصب. الدعوة لتكريم الرجل بمبادرة من جمال بدوي, والطريف انهما لم يلتقيا قط من قبل, ولكن جمال بدوي يتابع اخباره وجهوده ومقالاته, فأقدم على دعوة عدد من اصدقائه للمشاركة في تكريم الرجل, جاء نبيل زكي, حسنين كروم, مصطفى بكري, يوسف الشريف, صلاح منتصر, والفنان الكبير عادل امام. تحدث جمال اسعد عن نشأته وتربيته في مدارس الاحد, وعن اتجاهه الى العمل السياسي في منظمة الشباب, ثم عضويته لمجلس الشعب, وسنوات احتدام الفتنة الطائفية, والمد المتطرف, وسريان التوتر بين ابناء الوطن الواحد, ونبه الى اخطاء شائعة في قاموس الحياة اليومية والاعلامية مثل تعبير (الاخوة الاقباط) او (عنصري الامة) . تحدث عن ارتفاع الاسوار بين ابناء الوطن. وهذا ما أشرت اليه مرارا في اليوميات عندما اكدت على ضرورة معرفة الابناء لبعضهم البعض, على سبيل المثال, يعرف الاقباط عادات المسلمين وأعيادهم, ولكن اعياد الاقباط وعاداتهم مجهولة عند غالبية المسلمين. كما ان تاريخهم لا ذكر له في مناهج التعليم ولا يرد الا بقدر يسير. مع ان تاريخ الكنيسة المصرية يحوي صفحات مجيدة لنضال المصريين من اجل الحفاظ على هويتهم واستقلالهم. واكد جمال اسعد على ضرورة العمل المتواصل من أجل ازالة الاسوار التي زرعت في القلوب منذ السبعينات, وهذا التوتر الخفي الذي يختفي حينا ويظهر حينا اخر, وقال ان التعصب هو الذي ادى الى اجهاض التجربة الناجحة التي قام بها في القوصية, عندما نظم ندوة الاربعاء التي استضافت عددا من نجوم الفكر والفن, كان اخرهم الفنانة رغدة, كانت الندوة تقام داخل كنيسة القوصية. ليس في صحن الكنيسة المخصص للشعائر, انما في صالة كبيرة تقع تحت مقر اقامة المطران, ولاول مرة يفد على المقر مصريون بينهم القبطي والمسلم, وكما يقول احد أبناء القوصية. (لم اتعرف على جاري المسلم جيدا الا بعد ان التقينا داخل الندوة..) توقف الندوة لم يدفع باليأس الى جمال اسعد, بل قرر ان يبدأ من جديد بتجربة جديدة سيعلن عنها قريبا, في اتجاه الحوار بين ابناء الوطن الواحد. تحدث جمال بدوي وعادل امام وحسنين كروم ونبيل زكي ومصطفى بكري وامتعنا صلاح منتصر بذكرياته عن الشاعر مصطفى حمام, وتلا من ذاكرته مرثية طويلة كتبها في رئيس وزراء مصر القبطي يوسف وهبة باشا. ذكر كل منا امثلة من الواقع تدل على عمق عناصر الوحدة الوطنية, ولم ينقص الحديث الصراحة ايضا. طال الحوار الى ما بعد منتصف الليل. وانصرفنا متأثرين بالدافع الى تلك الدعوة المؤثرة, وستظل ملامح جمال بدوي ماثلة وهو يكرم ضيفه قائلا (انها المرة الاولى التي نلتقي فيها.. لنكرم شخصية بارزة ومؤثرة..) هدم فلما كان ثالث يوم بعث الشيخ خادمه اليّ فحضرت اليه ووجدت عنده جماعة وهو يتكلم لهم فعندما جلست اخذت وشهدت الشيخ قائما على رأسي ومعه قدوم وهو يهدم فيّ وانا اشهد ابعاضي كيف تتفرق على الارض كما يهدم الهادم, وكنا في ولاة وهو يهدم الى ان وصل الى كعبي ولم يبق فيّ شيء الا شمله الهدم واقامني فأخذ يبنيني من جديد من كعبي وطالع الى عقد دماغي, فقت فرفعت رأسي فأطرق الشيخ برأسه وأشار بيده للخادم فأقامني وقال لي: قال لك الشيخ: قد استغنيت سافر لبلدك فسافرت وحين خرجت من بين يدي الشيخ انكشف لي العالم العلوي كشفا لا ينحجب عني منه شيء وكنت امشي على الارض كالرغوة التي تجري فوق وجه الماء. رسالة صفي الدين بن أبي المنصور تحقيق داود كريل