لست ادري هل حدث لك مثلما يحدث لي أحيانا, وهو ان تستيقظ فتجد شخصية ما, ربما كانت تاريخية, تسكن عقلك ووجدانك , تحاول ان تهرب منها فلا تستطيع, وأهم من ذلك وقبله تسأل نفسك عن السبب الذي جعل هذه الشخصية تركب فوق كتفيك وكأنها عفريت من اساطير جدتي, وأنت تعرفها من قبل, وكنت تتعامل معها بشكل طبيعي. اخواننا المهتمون بالنفس علما وتحليلا يرجعون ذلك الى اسباب خاصة باللاشعور والعقل الباطن, ولو اعتمدت التفسير الفرويدي فلابد من أن تدخل في مناطق زلقة, اذ أن فرويد فسر كل شيء تقريبا بالدوافع الجنسية, ولا اظن ان فرويد ولاغيره من المهتمين بالنفس يصلحون لتفسير الحالة التي اشير اليها. ولو انهم حاولوا التدخل في تفسير اهتمامي الفجائي بشخصية رجل اعتقد انه خائن, فلابد انهم سيقولون أنه صار لدي نزعة قوية للخيانة, ولما كان الرجل قد قاد دولة, اما انا فلم اصل والحمد لله لأي سلطة, فربما فسروه بخيانة اخرى مثل الخيانة الزوجية مثلا! وأنا اعتقد انني تجاوزت سن الخيانة الزوجية, إلا إذا استعدنا (النكتة) التي تقول ان بعض سكان دار للمسنين اخذوا يتحدثون عن تمنياتهم بالنهاية, فقال آخرهم: اتمنى ان أموت برصاص عاشق غيور! ولا ادري لم لايفسرون هذا الاهتمام العارم دون مقدمات معقولة بأنه اهتمام فني, فالرجل قفز فجأة الى سطح الذاكرة, وسيطر عليها لأنه قضية فنية معقدة وممتعة والرجل مشهور في التاريخ باسم ( ابن العلقمي) أما اسمه كاملا فهو أبو طالب مؤيد الدين محمد بن العلقمي, وهو (المهندس) الذي انهى الدولة العباسية اكثر الدول العربية والاسلامية قوة وثراء وامتدادا, وربما كانت اكبر امبراطورية اسرية في العالم. والمؤرخ الفارسي خوندمير يقول في كتابه (دستور اهرزراد) انه اجتمعت فيه (جميع انواع الفضائل والكمالات والكرم, وكان عليما بالفلسفة والمنطق وبفنون الشعر والنثر) . ولا نتخيل ان يكون بن العلقمي شخصا تافها او قليل المعارف, فهو وارث منصب تولاه البرامكة, والفضل الربيع, ومحمد بن عبد الملك الزيات, والفتح بن فاقان, وابو الحسن بن الفرات وغيرهم وكل واحد فيهم له مكانة في التاريخ لاتقل عن بعض الخلفاء. فنحن لانناقش علم ابن العلقمي, فلكي يصل الى منصب الوزارة ويستمر فيه, وينجز كل ما انجز لابد أنه كان شخصا عظيما, ولكن العظمة لها معان مختلفة. فابن العلقمي ــ كما ذكرت ــ هو الرجل الذي سلم الدولة العباسية الى هولاكو خان المغولي. ونحاول ان نتعرف على (مفاتيح) الشخصية, فنعرف اول مانعرف ان ابن العلقمي رغم علمه ومكانته وسلطانه الا ان عامة الناس لم يكونوا يحترمونه وهي ملاحظة غريبة فالمؤهلات التي يمتلكها الرجل هي مؤهلات الاحترام في كل زمان ومكان. كان ابن العلقمي رجلا (هزؤة) يسخر منه الناس ولاترى سببا في هذا, الا اذا كان سببا في شخصيته, او سرا يعرفه الناس ولا يذيعونه. على اي حال هي بداية معقولة, فالرجل لم يستطع ان يحصل على احترام الناس, فقرر عقابهم بالخيانة. وكان هولاكو يخترق الولايات الشرقية للامبراطورية, متجها الى الولايات الغربية, لكنه بالتأكيد كان مترددا في الاقتراب من بغداد, فلقد كانت حصينة استمرت قوية لقرون طويلة. ولكن ابن العلقمي شجعه على الاقتراب من بغداد, بل وغزوها. ونتساءل ما هي دوافع ابن العلقمي سوى ان الناس لايحترمونه, اذا جاء هولاكو فمن المستبعد ان يجد لديه نفوذا اكبر مما يجده لدى خليفته المستعصم بالله فلقد كان المقرب من المستعصم بالله يقضي معه يومه وليله. ويبدو ان الخليفة المستعصم بالله كان بخيلا, وابن العلقمي لم يثقل عليه بمطالب مادية, ولذلك خزن الخليفة ذهبه كمصاطب تحت البركة ( البسين بلغة عصرنا). ولما ضغط المغول على الخليفة بعد سقوط بغداد أقر بمكان الذهب, ودهش هولاكو وتساءل اذا كان المستعصم بالله يملك كل هذا المال فلماذا لم يعد الجيوش والاسلحة وينتصر به على غازيه؟ فقال المستعصم: كنت اكنز هذا الذهب للايام السوداء!! رغم انني لا اعرف لهولاكو شكلا الا انني اتخيله جاحظ العينين مندهشا وهو يسمع هذا التبرير الظريف من الخليفة. ولا ندري من الذي بدأ الاتصال هل أرسل ابن العلقمي الى هولاكو يزين له غزو بغداد لغرض في نفسه, أو ان هولاكو أرسل الى ابن العلقمي يطلب عونه, ونحن ميالون الى الثانية لأنه كان من عادة التتار اختراق المجتمعات التي يرغبون قبل غزوها. أغلب الظن ان بعضهم أتى الى العلقمي في سفارة أو تجارة أو تعاون وجس الرجل فعرف انه صيد سهل, واظن ان هولاكو وابن العلقمي التقيا في الخيانة كما يلتقي العاشق والمعشوق احيانا دون كلمة واحدة, بل احيانا يلتقيان دون نظرة, فالخيانة في الدم, والقاء الموعود تفرضه الغرائز قبل المنطق. ومرة اخرى نعود الى (النكتة) فهناك نكتة تقول ان أحد الخونة وصل الى أعلى المناصب, وكان مدير المخابرات متأكدا من خيانته, لكن المراقبة الدقيقة خلال أربعين عاما لم تصل الى شيء. وبدأ الخائن يحتضر, فأتى مدير المخابرات يزوره, وهمس في أذنه ان النهاية قد أتت وهو يريد ان يعرف منه ما حدث, فقال الخائن انه التقى بالاعداء مرة واحدة منذ أربعين عاما, ثم سار على السياسة التي اتفقوا عليها. وسأله مدير المخابرات عن هذه السياسة, فقال: مهمتي أن أعين الرجل غير المناسب في أي منصب هام يخلو. وكذلك كان ابن العلقمي يخدم التتار بالنصيحة الفاسدة. عرف بخل سيده المستعصم بالله فقال له: لمَ تنفق كل هذه الأموال على الجند وبغداد قلعة الخلافة السامقة, لترسل القواد بجنودهم الى الأمصار والثغور يأخذون منها رواتبهم, بل ويرسلون لك الاموال الكثيرة. ووجد هذا الاقتراح الماكر هوى في نفس الخليفة البخيل, فأخذ الوزير يفرق الاجناد في أطراف البلاد, ولما أتم هذا سار هولاكو بجيش كبير الى بغداد. وبالطبع وجد الخليفة من ينصحه بمواجهة الموقف عن طريق اعداد جيش جديد, ولكن الجيش كان يحتاج الى مال والخليفة يكنز المال. كما قال فيما بعد, للأيام السوداء! أما ابن العلقمي فضحك ساخرا من هذه النصائح: من هولاكو هذا الذي يهدد بغداد؟ والله ان ضربة واحدة من يد مولانا الخليفة كافية لأن تهزم المغول كلهم! ثم ان بغداد محمية بالرقى والتمائم, ولو لم تكن كذلك لاستولوا عليها من هم أعظم من هذا الجلف هولاكو. هكذا كانت نصائح ابن العلقمي بينما كان جيش المغول يقترب من بغداد فيرسل له الخليفة عشرة آلاف فارس يلقون الهزيمة, ويبدأ التتار الحصار القاسي للمدينة المحصنة. ويطلب الخليفة النصيحة من وزيره فيعرض عليه الوزير (تحليلا جذابا) للموقف. وهذا المصطلح الذي يبدو عصريا هو للمؤرخ الفارسي خوندمير, والتحليل يقول ان جند المغول لا وجه لهم, والاهالي ليس لديهم القدرة على الحرب. وحرصا على المصلحة العامة على الخليفة ان يفتح أبواب المدينة للغزاة, فيعرفون انه يقصد الصلح لا الحرب. ولا بأس من مصاهرة بين العاهلين. وبذلك تتجدد عظمة السلطنة وهيبة الخلافة قد تكون مثلى. ترى ان ابن العلقمي انسانا حقيرا, ولكن ما رأيك في رجل يصدق هذه المتاهات؟. وهكذا خرج المستعصم بالله مع ولديه ابي بكر وعبدالرحمن قاصدا الاستسلام لهولاكو في يوم الاحد الرابع من صفر عام 656هــ, وبالطبع دفعوا جميعا حياتهم ثمنا للعنف فيما بعد, اما الثمن الذي دفعته بغداد فكان فوريا. وفرك ابن العلقمي يديه فرحا بنجاحه الباهر, وانتظر المكافأة وهي ان يكون واليا على بغداد وعربستان, وفي ظني ان هذا دون منصبه في حكم المستعصم. ويقال ان هولاكو رفض طلبه قائلا: الخائن يخون مرة اخرى. وأغلب الظن انه قال له: من يسعى لزوال دولة ولي نعمته لا ينفعنا حسب النصوص الموجودة. وفقد ابن العلقمي منصب الوزارة وحلم الولاية, وأمره هولاكو ان يعمل في خدمة حاكم بغداد ــ الذي كان عدوا قديما له ــ وبعد ان كان أهل بغداد يسخرون من ابن العلقمي انضم اليهم المغول. و(كان الجميع من العامة والخاصة يسبونه علنا حيثما كان يسير ــ خجولا مضطربا ــ في الحواري والاسواق) . وانتشرت على الابنية عبارة تقول: (لعن الله من لا يلعن ابن العلقمي) فلما حذف أحد اصدقائه حرف (لا) ضربه الناس سبعين عصا. وهكذا عاش العلقمي بقية حياته ذليلا مهانا معاقبا على خيانة سعى لها بكل جهده ولم يتسلم ثمنا لها!