يشار اليه بالبنان حين الحديث عن الرواية في الامارات, ولد في رأس الخيمة عام 1957 وتخرج في علم النفس من جامعة عين شمس 1979. انه علي ابوالريش حاورناه في تجربته ومستوى وآفاق الرواية في الامارات , ولجنا الى موضوعات وهموم ثقافية ادلى فيها بدلوه, فكان الحوار التالي. لماذا هذه الضجة اليوم على الرواية في الامارات ألأنها مطلوبة للبروز على الساحة الأدبية أم للدلالة على قدرة ابناء البلد على صوغ حكاياهم في قالبها؟ ــ الضجة تعني صرخة الميلاد, وفرحة باثمار النخلة التي طالما, سقيت بملح الصحراء, حتى قيض لها, ان تستفيق على قطرات, الغيث من حزن, المحبين لهذا الصنف الابداعي الجميل وفي قالب الرواية الاماراتية, بوح الصحراء, وشهقة البحر, والوان الجبال الجسوره, لهذا, فإن الطيور التي غردت على شاهق الرواية, كانت تود ان تقول للآخرين, ان النبتة التي جسد عنفوانها ابن ماجد, لاتزال على قيد الحياة, او هي قادرة على تلوين الوجود بالاخضر ومنح الصراع البشري, لحن الخلود, فهل يعقل ان يزعق السياب في شمال الخليج ولا يمطر جنوبه, هل يعقل ان تندثر كل ملامح جلفار ولا تبقى الرائحة العطرة, فالتاريخ قد يغفو لفترة من الزمن لكنه لا محالة يفوق في صحوته, زمجرة الاسمنت, وعواء الفيديو كليب الطارىء, نحن في واقع الامر في ازمة, ازمة المصدومين, والمدهوشين الذين يتصورون ان الصحراء لا تنبت الا حطبا لذلك اشعلنا النار في قلوبنا, لنحتمي بها من مخالب الضالعين في تهميش قارئي الرواية في خليجنا الثري. في الملتقى الادبي الاخير الذي أقامته رابطة أديبات الامارات ورقة قدمتها الكاتبة امنيات سالم ونقرأ فيها ملاحظة النقص في تدوين التجربة. ــ عموم التجارب الانسانية تستند الى التراكم الكمي, الذي يأتي بعد الفرز في سبيل ابراز الكيف والقيمة الابداعية, لما تقدمه المخيلة البشرية.. في الامارات, أعمال روائية, بعضها استطاع ان يفتح النافذة على مصراعيها, ليطل على العالم والبعض الآخر, فكان يغلق النوافذ, وينكفىء ليقرأ ما كتب على جدران الغرفة المغلقة, ومن ثم, يبدأ في اجترار ما حفظ, كل ذلك لا يهم, المهم ان الروح الانسانية تهفو لان تضيع مفرداتها على الجسد المهمل, وتستنطقه ليبوح بسر مقتل الطموح في أقوى صحراء متوحشة. (مادام الفرسان يملأون الساحة.. فالرواية بخير) هذه الجملة ــ الرؤية التي ختمت بها شهادتك حول الوضع الروائي في الامارات, إلام استندت في الواقع؟ ــ للتحولات الاقتصادية دور أساسي في صنع المتغيرات في المتخيلة الانسانية, لكن ذلك لا يعني ان هذه التحولات دائما ما تقوم بالدور السلبي, فالمعضلة الكبرى, تقع على عاتق الافراد, فالناس هم الذين يصنعون قرارات التغيير وليس العكس لذا فان جنون الكتابة يمكن ان تحده حدود التحولات الطارئة, وليست التغيرات الاجتماعية هي العقبة الكأداء التي تمنع انهمار الشلال الابداعي. نرى ان شريحة لا بأس بها ضنت بانتاجاتها, لماذا هذا الوضع وهل ثمة دور لعبته التغيرات الموضوعية واحلام المراحل؟ ــ اذا كان للبيئة المكانية دور مهم, فإن للبيئة النفسية دور أهم فأنا لا أتصور ان هناك مجالا للشك, في ان اللاشعور الجمعي, الممتد عبر أزمنة غابرة, قادر على صياغة مشروعه الروائي بابعاده النفسية والاجتماعية, وتوالي تاريخه الاقتصادي الذي أفاد كثيرا في قولبة مشاريع روائية عظيمة خلدت اسماء مهمة على مدى التاريخ الانساني, ففي غرفة ضيقة من منزل صغير ضمن قرية متواضعة, يمكن ان ينطلق عمل روائي محكم أو بارز المسألة في العمل الابداعي, لاتنضوى كثيرا ضمن اطار المكان ان كان ضيقاً أو واسعا, بل ان أبعاد العمل الروائي تأخذ مداها الانساني الابعد والأهم ذلك المدى النفس والمتداعي الحر الذي يتم من خلاله. ما زال الاعتراف العربي, اعني ما يطلق عليه اعتراف المراكز ضامراً وخجولاً في اشاراته الى الانتاج الادبي والروائي تحديداً في منطقة الخليج العربي كله, وتصح المسألة مع الامارات؟ ــ المسألة ليست اعترافا وانما هو الاغتراب الثقافي والنفسي وبلاشك فقد لعبت السياسة دورا سلبيا ومزرياً في هذا الاتجاه فقد ظل الخليج العربي ردحا من الزمن مغمورا تحت الشعار العنصري الفارسي الى ان حدثت الطفرة الثقافية وانبعاث الثورة العربية في مصر في 23 يوليو 1952 وامتشق الفرسان هناك في مصر سيف المنهاضة لكل ما هو مسيء الى العروبة واحتدم الصراع الجدلي بين العروبة وسواها من الثقافات المذوبة حتى استطاع الانسان في الخليج العربي ان يطل عبر نافذة الشعار الجميل والرائع الذي ظل صغيراً حتى وقت متأخر من هذا الزمان لكن في المسألة الثقافية لم يتمكن الانسان العربي في المراكز الثقافية ان يتخلص من براثن الماضي ولم يستطع ان يتحرر من سطوة الافكار التسلطية السالفة, لذا ظلت الفكرة السائدة من ان سماء الخليج العربي لا تمطر الا (نفطا) , وهذا بطبيعة الحال غيب الكثير من المفاهيم, واباد رغبة التواصل الثقافي, وفي تصوري ان عملية الاعتراف, او غيرها, لا تؤكد تماما, ان هذه المنطقة, صحراء جرداء بل ان ما نراهن عليه الآن هو المثابرة والمغامرة ودخول البحور الابداعية, بكل شجاعة, لان المخزون الثقافي لدى ابناء المنطقة, وفير, وجزيل, قادر على ان يثبت عكس النظرية. المهم ان نستخرج من باطن هذه التربة الخصبة, مالدينا من رصيد ابداعي, لتتم بعد ذلك, المعادلة الحقيقية, فاعتراف الآخرين ليس محلا للاعراب, ولا يبني بيتا لقصيد, ولا يمنح قيمة لرواية, نحن نريد ان نعمل فقط, ونخوض التحدي, بجرأة ونتجاوز عقد النقص التي رسخها مغرضون اعتقدوا ان الرسل لا ينزلون الا في بقاع معينة دون غيرها, علينا ان نؤسس تجربتنا. مالذي يحفز علي ابو الريش على الاستمرار في العطاء في حين تخلف غيره أو تباطأ؟ كل شيء في هذه الحياة, مثير, ومحفز, ومغري, كل شيء في الاتجاهات الاربعة يمنحني المضي قدما, نحو اتون العمل الروائي, لذا لا أجد مجالا للتقاعس, ولا فكاكا, من هذا الهاجس الجميل, المسيطر على كياني اشعر ان الرواية, تستولي على منابت الطاقة في داخلي, فيزداد جنوني بها, انها كالمرأة الجميلة, تملأني غبطة, لكلما اقترب من مفاتنها اكثر, وتستفز بداخلي, شيطان الرغبة, في التعاطي, على الرغم من المنغصات الاخرى, الرواية, كائن, ملائكي, يجوس في الدماء فيمنحها الدفقة, وتهبه الحرارة, لذا, فان التوقف عن الكتابة, يعني الموت, او عدم الاقتراب من الرواية, يقودني الى ظلمة حياتية اشبه بالقبر, ولا استطيع ان اشبه ظروفي بالآخرين, فكل كاتب له خصوصتيه, وتباطؤ الاخرين, لا يعني فشلهم, وانما قد يتبع الوقف, او التريث, شلال من دماء الحياة, وفيض اخر من العطاء. ست روايات حتى الآن, حصيلة جيدة لجهة الكم, كيف تراها من منظور نوعي وهل غزارة الانتاج دوما في صالح صاحبها؟ ـ لتصحيح المعلومات هي سبع روايات واعتقد ان المقارنة هنا بالكم والكيف, هي في الاساس, مقارنة غير صحيحة, وبخاصة اذا وضع المقياس, طرف اخر, او مبدع اخر, فانا اود ان يكون القياس, من داخل الاشياء وليس من خارجها, بمعنى ان التطور الكمي, والكيفي لأي عمل ابداعي ينبغي الا يتم من خارج الاطار الشخصي, فالخصوصية, والفردية تلعب هنا دورا فاعلا, ومهما فلا يمكن ان نضع في الميزان اعمال كاتب ما لنقائها كميا, بأعمال اخرى بل العكس, هو الصحيح, هناك رؤية تبدو لي اكثر اتزاناً فيما لو تمت العملية, في اطار الدراسة الواحدة, والبحث الواحد لسلسلة اعمال, لكاتب ما, نفضي من خلالها, الى نتيجة تبين لنا مدى الاغناء او الاستقامة, والتطور في الاعمال نفسها, اما من حيث الحديث عن شح البعض وجزاله سواء فهذه مسألة تخضع للخصوصية الفردية, التي لا تقبل الموقوف عندها كثيرا من الجانب الاخر والمهم فالكتابة بالنسبة لي ليست لأجل الوجاهة الاجتماعية, وليست ترفا انسانيا, بقدر ماهي, حاجة نفسية ملحة, انني افهم الكتابة على انها فعل له اثره في صياغة الكون وتشكيل الوانه, وتوزيعها على سبورة الحياة فلا يمكن لكاتب حقيقي ان ينوء بهاجس الكتابة, فيمتنع عن انهاء عمل ابداعي ما. هذه معضلة كبرى بالنسبة لي. هواجس الامكنة او المكان والناس قاسم مشترك لعطاءات علي ابو الريش, أهي بحث أم تمسك بالهوية ام ارتباط طبيعي بمخزون ذاكرة الطفولة؟ عندما لا يكون للمكان مكانة في العمل الروائي, وعندما لايكون للناس موقع في قلب الكاتب فأي عمل ابداعي نصبو اليه يشكل فحوى اللاشعور الجمعي للكاتب ومخزونه الانساني بعلاقاته ووشائجه التي تمثل شكل الهدية وخصوصية الذاكرة, وطفولة العطاء المخربش على جدران الزمن نحن نولد ونكبر, وتبقى الذاكرة, مساحة, تتسع لطفولة مجنونة, وشرسة احيانا تمارس غضبها البريء وتتجدد الآمال لدى الانسان, بأن الحياة الا تتوقف عند عمر زمني معين, طالما بقيت مياه الطفولة, فياضة في دماء الحياة, هذه الذاكرة, التي تستدير في الرواية, وتتحرك ككريات الدم في الجسد, ثم تتطور ضمن منحنى اعتدال هندسي يخوض رغبته العارمة متحديا الموت.. اللجوء الى الذاكرة رهان الاحياء, ومعركتهم ضد الموت, وضد السكون وضد الصمت المطبق.. العودة الى الذاكرة المغسولة, برائحة المكان توقف اللهاث نحو فانتازيا اللامكان بالرغم من انني لا اهيم كثيرا بالمكان الجغرافي بقدر ما اعيش المكان النفسي والزمان الروحي وهذا بطبيعة الحال يمنحني الفرصة الاوسع لخلق عالمي الخاص في اقتناص مفردات اعمالي الروائية. مجموعة قصصية يتيمة اصدرتها (ذات المخالب) لم لا تتكرر المحاولة؟ الكتابة ليست خيارا وانما هي بذرة شيطانية لذيذة تفرض نفسها على الكاتب ولكل فرد منا قدراته وامكانياته الابداعية وخصوصيته الفطرية لذا فأنا لم اجد نفسي في القصة القصيرة ولم اشعر انها تشبع ذلك الكامن في داخلي فالرواية بالنسبة لي هي خليتي العصبية التي من خلالها اتلمس آلامي وعذاباتي ومن خلالها استطيع اكتشاف العالم واعادة صياغة شتاتي النفسي انا لا اكتب الرواية لانني اخترت هذا النوع من الكتابة وانما اكتب الرواية لانها وجدت فيّ ضالتها كما وجدت فيها معضلتي الوجودية هاآنذا اكتب الرواية وامنحها عمري لتمنحني رعونتها وشراستها اكتبها لانها المرآة التي اجد فيها الطمأنينة عندما يتوحش العالم وتنوء ازمته بالقهر والشح العاطفي ــ تكتبني الرواية لانها وجدت في داخلي المرتع الخصب لتمارس سطوتها وجبروتها متكئة على صبري مستندة على قبولي باهميتها وضرورتها في عالم اسقط من حساباته الروح الانسانية وتسلق جبال الغطرسة محتميا بكتيب من رمل النسيان. كتبت ايضا مسرحية (الرسالة وجزر السلام) التي اداها مسرح رأس الخيمة بمشاركة فردوس عبدالحميد و(ابن ماجد يحاكم متهميه) لمسرح ام القيوين الوطني والتي عرضت خلال احدى دورات مهرجان ايام الشارقة المسرحية هل توقفت ولأية اسباب؟ الى جانب الرواية هناك رغبة عارمة تشدني نحو المسرح والكتابة فيه وحوله لكن ليس كل ما تمنى المرء يدركه فالكتابة المسرحية حتى تصبح عالما شاهدا فلابد ان تكتمل اطراف واضلاع المثلث وفي تصوري ان هذه الضرورة ليست متوفرة الآن فالوطن العربي بشكل عام يعاني من معضلات شتى اهمها انعدام الوعي بأهمية المطروح وعدم القدرة على الخروج من واقع الحال هذا ما يجعل المسرح يعاني من هشاشة العظام وفقر الدم وانفلونزا التعاطي المسرح في الوطن العربي مأزوم بالتدفق نحو المشاهد المغيب والمؤلف الذي يعد نصه حسب الطلب والمخرج الذي يفصل ثوب العمل بناءً على ما تقتضيه مصلحة الجهات المنتجة اعتقد ان روح المسرح غائبة عن وعي الكثيرين وهذا ما يجعل المسرح في بلادنا يعيش حالة استلاب النفس ومبتعدا عن اهدافه وطموحات الانسان بمعنى اخر ان ما يراد للمسرح هو ان يكون حاله كحال الاغنية اي مسرح الفيديو كليب تتراقص الدمى فيه على الخشبة من اجل المتعة واستدرار الضحك ما امكن لكل هذه المعطيات السلبية والمزرية تجعل من التفاعل مع هكذا مسرح مسألة في غاية الصعوبة. العمل الاعلامي كم اخذك من العمل الابداعي وماهي علاقتك الداخلية الذاتية معه؟ ــ أتصور ان العمل الاعلامي جزء من العملية الابداعية فيما لو استثمر بالشكل الصحيح والمناسب واعتقد ان هناك تداخلا جميلا بين الاعلام والابداع لان في الوسائل الاعلامية ما يفتح الافق لمشاريع ابداعية قد لا تتوفر لغير الاعلامي المهم في الامر كيف نستطيع تحقيق هذا الزواج الكاثوليكي بين الاثنين. حوار رندة العزير