كنت وزميل لي في زيارة رسمية الى اليابان, وقبل رجوعنا أصر على الذهاب الى مدينة (...)للتسوق, حاولت اثناءه عن رأيه واقناعه بشتى الطرق للتخلي عن الفكرة , الا انه لم يقتنع.. أخبرته بأني لا أحب هذه المدينة ولا أتسوق منها, لقد زرتها مرة واحدة فاكتشفت ان المدينة بمجملها قابلة للبيع والشراء, يباع كل شيء فيها.. مدينة لا تعرف الممنوعات.. الغش فيها صفة التجارة والتجار, وبصراحة فأنا أنزعج عندما يشبهها البعض بمدينة دبي (مع ان دبي في ذلك الوقت لم تكن كما هي عليه الآن). مع ذلك أصر على رأيه, ومع اصراره وافقت على مرافقته شريطة ان تكون الرحلة ليوم واحد, وألا أخرج فيه من الفندق, واتفقنا على ذلك. وصلنا الى تلك المدينة في الصباح الباكر وكان علينا ان نتركها مساء اليوم نفسه, وخرج صديقي للتسوق, وبقيت أنا في غرفة الفندق. وعندما رجع بدأ يحكي لي ما جرى له خلال هذه الساعات التي قضاها في المدينة (وكان يبدو عليه التوتر مع شيء من السعادة في آن واحد), وقال: تخيل, ذهبت الى الخياط فوجدت لديه أنواعا من الأقمشة الانجليزية الفاخرة, وفصلت على الفور بدلتين سلمني اياهما خلال ساعات, وبسعر رخيص جدا, وها هما الآن معي. ألا تعتقد انها سرعة في الانجاز والاتقان؟ بدل جميلة وأنيقة وبهذه السرعة الفائقة.. وتابع حديثه قائلا: ومع ذلك فهذا ليس كل شيء, سأحكي لك الجزء الآخر من القصة.. بعد خروجي من عند الخياط مع موعد باستلام البدل بعد ساعات, ذهبت لأشتري هدايا للأولاد, وكنت أتجول بين محل وآخر, فوقعت عيني على مقهى جميل جدا, انبهرت بواجهته والديكور المتميز, وعندما فتح لي الباب انبهرت أكثر بالمضيفات الجميلات.. بنات في عمر الزهور, ملكات جمال.. أما عن لبسهن فلا تسأل, وهكذا شدني المقهى فجلست على أول طاولة, وطلبت طلبي.. فجأة وجدت من يشاركني الطاولة, ثلاث بنات جميلات جئن دون استئذان وبدون مقدمات وجلسن معي, وعلى الفور طلبن الطلبات من المقهى وعلى الفور لبت المضيفات طلباتهن.. وجلسنا معاً.. ضحكة من هذه, ونكتة من اخرى, وثالثة تتحدث معي وكأنها تعرفني منذ زمن بعيد مع انه لم يمر على جلوسها معي أكثر من دقائق تتحدث معي الانجليزية بطلاقة وبأسلوب أقرب منه الى الاصدقاء, وأنا مندهش ومنفعل في آن واحد.. ظننت اني أصبحت (دون جوان عصري) مع انني أسمر اللون. قلت في نفسي قد تكون معجبة بسمار لوني أو بأناقتي, أو ربما جذبها أنفي الكبير.. كل هذا كان يدور في ذهني وأنا في هذه الحالة, وهن يطلبن طلبا تلو الآخر. مضى الوقت سريعا مع تلك الضحكات الجميلة والهمسات الغريبة, وبعد مضي ساعة غادرن من الطاولة وقلن لي: مع السلامة, الى اللقاء.. مع اني لم أتوقع لقاء آخر, حيث لا وقت لديّ, ولا أعرف عنوانهن.. تركن المقهى الى الخارج, وقبل خروجهن ذهبت الفتاة التي كانت بجانبي لدفع الفاتورة أو هكذا بدا لي, وتخيلت انها دفعت حسابي ايضا, ومع ذلك طلبت الفاتورة فأصابني الذهول والاندهاش عندما عرفت ان عليّ ان أدفع ما يعادل 500 دولار أمريكي مضاف عليها مبلغ آخر رسوم خدمة.. أبديت اعتراضي وسألتهم: لماذا هذه المبالغة؟ أنا لم أشرب الا كوبا من العصير.. وجاء الجواب ان فاتورة تلك الفتيات وما شربن كان على حسابي.. سألت لماذا أدفع فاتورتهن؟ فأجابوا: لقد جلسن على طاولتك ولم تمانع.. قلت: لكني لم أدعوهن!! فقالوا: هذا أمر يخصك!! قلت: لماذا لم تنبهونني؟ قالوا: هذا ليس من اختصاصنا, كان عليك ألا تسمح لهن بالجلوس, اعتقدنا ان الفتيات الجميلات صديقاتك.. انهن حقا جميلات, حظا سعيدا.. قلت: لكني لا أعرفهن. فأجابوا: المهم الآن ان تدفع الفاتورة.. عندها شعرت ان الأمر كان مدبرا, وأدركت انه فخ, ولكن يا حسرة بعد فوات الأوان, فعندما عرفت ان الموضوع سيصل الى الشرطة, فضلت ان أدفع الفاتورة التي كان لابد من دفعها. لم يكن لديّ وقت بعد ذلك ولا حتى نقود لشراء هدايا, فذهبت الى الخياط لأستلم البدل, على الأقل هذا هو المكسب, وسألني بعد ان أخرج البدل: أليست جميلة؟ قلت له: نعم انها جميلة وبسعر معقول جدا.. فأجابني: ومع ذلك أوافقك الرأي بأن الابتعاد عن هذه المدينة أسلم لنا.. وهكذا غادرنا الفندق ورجعنا الى البلاد. وبعد حوالي شهر من وصولنا البلد فوجئت بذلك الصديق يدخل على مكتبي وبيده كيس صغير. قلت له: ماذا بك يا فلان؟ قال: أتذكر تلك البدل التي اشتريتها في آخر سفرة لنا؟.. قلت له: نعم. قال: انها في هذا الكيس الصغير الذي تراه, تصور انني بعد ان أرسلتها للغسيل وجدتها لا تصلح حتى لأولادي الصغار, لقد تقلص حجمها, مع ان أطراف كل قطعة من القماش مكتوب عليه (صنع في بريطانيا)!! وأضاف صديقي: لقد كنت أتصور ان ما أهدرته من دولارات بسبب تصرفاتي الغبية, عوضته بهذه البدل, أما الآن فأنا اعترف بأني كنت مغفلا في الاثنين معا, وانك كنت على حق!!