شوهد الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر وهو يوقع أمام (تياترو دي روما) في العاصمة الايطالية احتجاجا على الاخراج السيء لمسرحيته الأيام الخوالي وكان ذلك منذ حوالي ستة وعشرين عاما مضت وقد وقف يوما ليقول ان تلك اللغة التي أخرج بها العرض ليست لغته, واصفا نفسه بأنه يحرص دائما على اظهار اختلافه, من خلال اسلوبه الكتابي وقد وصف في حينها العرض بأنه قاتل ومشوه. وشوهد بنتر مرة أخرى الاسبوع الماضي وهو يحتج ايضا أمام باب المسرح, لكن المسرح في هذه المرة كان مغلقا في وجهه, فقد أعلن مسرح (جيلجود) اللندني انه لن يعرض في مقره بالوست اند مسرحيته سيمون جرى بعنوان (الطبقات الوسطى الاخيرة) التي أخرجها بنتر على الرغم من النجاح الذي حققته في جولتها بالاقاليم, ويقول بنتر معلقا على ذلك: (لقد عاملونا بشكل سيء للغاية واعتقد ان في ذلك اهانة لي وللاخراج وللمسرح الانجليزي) . ان المتتبعين لبنتر يرون فيما حدث مفارقة مثيرة فمنذ حوالي ربع قرن كان بنتر قد فرض حضوره على الصحف بشنه هجوما كاسحا ضد الاسلوب الذي عرضت به مسرحية له أما اليوم فانه يفرض حضوره في عناوين الصحف بالدرجة نفسها من الغضب الذي يبديه ضد الاسلوب الذي منعت من خلاله مسرحيته من العرض. غير ان هذا الضعف وذلك الصخب هما اكثر ما يجذب انتباه الآخرين, فقد صار بنتر اكثر هياجا وصارت كلماته تلوح وكأنها تدوي في الآذان, وقد شاهده الناس عبر شاشة التلفزيون في برنامج (نيوزنايت) وهو يدمدم غاضبا على قرار تسليم الجنرال بينوشيه المقترح الى اسبانيا. وفي الصحف البريطانية قرأ له الناس رسائل غاضبة, خاصة تلك الرسالة التي نشرتها له صحيفة (الجارديان) والتي كان يعرف من خلالها بالسياسة الامريكية موجها خطابه الى الرئيس الأمريكي على وجه التحديد, ومهاجما اياه بالغمز في قناة فضيحة مونيكا جيت, ثم شاهدوه على شاشة التلفزيون مرة أخرى وهو يهاجم القصف الجوي من قبل الناتو لصربيا. واليوم يعد هارولد بنتر فيما يبدو, مؤلف نوعية من الدراما تختلف عن مسرحياته, فهي دراما يتألق فيها باعتباره نجما, وفي هذا الصدد يقول الناقد المسرحي مايكل بلنتون, ان الخطأ هو في القطع بأن ما يقوله بنتر هو شيء جديد عليه فهو مهيأ أصلاً للانشقاق على كل اشكال التسلط, وذلك العداء للسلطة واضح جدا في مسرحيته (حفلة عيد الميلاد) قد لا نستطيع تمييز ذلك لان هذا الموضوع كما نتصوره الآن هو انشقاق جماعي اكثر منه انشقاق فردي) . وقد يكون هذا صحيحا الى حد ما ومما لاشك فيه ان بنتر كان قد عرف بنشاطه السياسي السابق لشهرته ونجاحه ككاتب مسرحي, في عام 1948 وقبل عشر سنوات من انطلاق مسرحيته (حفلة عيد الميلاد) التي جذبت اليه الانتباه, أعلن انه لن يخدم في صفوف القوات المسلحة ورفض بالفعل اداء الخدمة الاجبارية لاسباب تتعلق بالضمير والرأي والمعتقد, ثم انتهى به الامر الى السجن, وعندما كان في الثامنة والعشرين ضرب رجلا في مشرب لادلائه بملاحظة ساخرة تشي بمعاداته للسامية. لايعدو هذا ان يكون هو السيناريو الشخصي لبنتر كمنشق وهو الجزء الذي يحق له أن يحتفظ به لنفسه, لكن المعارك الفكرية التي يثيرها موجهه للرأي العام, فبنتر يبدو وكأنه قد اختار القيام بمهمتين, المهمة الأولى تتمثل في دوره كأعظم كاتب مسرحي بريطاني بعد الحرب العالمية الثانية يقاس بمدى ما تلاقيه أعماله المسرحية المتباعدة والتي تعكس تأملا عميقا من ترحيب من قبل النقاد, ومنها (الوصي) و(العودة الى الوطن) و(الوسيط) و(الخادم) والمهمة الثانية هي دوره كصانع أحداث ومحرك تيارات محترف, مستعد دائماً للدخول في عراك دفاعا عن معتقداته مثلما فعل ذات يوم في ذلك المشرب, وكما ان بريق سنوات الستينيات والسبعينيات الزاهية قد انطفأ, كذلك خبا بريق كتابات بنتر, وحلت محلها القضايا التي كان يتمنى ان يكرس نفسه لها. ويقول بنتر نفسه ان ما حدث في تشيلي سنة 1973 من مؤامرة انقلابية مدعومة من قبل المخابرات المركزية الامريكية, ضد الرئيس سلفادور الليندي, كان كافيا لأن يحمله على أن يتحرك بنشاط سياسي وان يصبح معاديا للهيمنة الامريكية وان يستمر ذلك الأمر حتى اليوم. وقد قال بنتر في عام 1984 (في الغرب يشجعوننا على التفكير في اننا اصحاب مبادئ عليا, واننا نتبوأ مكانة اخلاقية مميزة, ولكن الولايات المتحدة أذلت النظام التشيلي وهم يفعلون الشيء ذاته في نيكاراجوا, واذا كنا نصافح القتلة فهذا يعني اننا لسنا في تلك المكانة الاخلاقية التي نزعمها لأنفسنا) . التقى بنتر بالكاتبة انتونيا فريزر بعيد مقتل سلفادور الليندي ثم تزوجها, وكان ذلك اللقاء تحولا حقيقيا في حياته, حمله على الانفصال عن زوجته فيفيان ميرشنت, الأمر الذي لم يجد له الاصدقاء مبررا آخر غير ان تلك العلاقة لم تكن لتدفعه الى الكتابة بمقدار تشجيعها له على الانهماك في الامور السياسية, وبنتر يبدو كمن ينفجر ثم يتحول بسهولة ليلتقط انفاسه ربما لجولة, وكانت انتونيا هي مشروعه الجديد. كان بنتر في تلك المرحلة يكرس كتاباته للعمل المنظم من خلال مشاركته في حملة المطالبة بنزع الأسلحة النووية والحملات التي كانت تنظمها منظمة العفو الدولية, وفي عام 1988 كتب مسرحية (لغة الجبال) التي تناول من خلالها محنة الاكراد الامر الذي صار يعكس نجاحا آخر لقيه في محاولة الكتابة عن موضوعات أخرى نادرة كانت تمليها عليه تجاربه السياسية المختلفة, وفي السنة ذاتها عرفا هو وزوجته بتحريضهما الشديد ضد حكومة مارجريت تاتشر وكانا قد انضما الى جماعة غير رسمية أطلقت على نفسها اسم جماعة الـ 20 من يونيو وكان بعض المعلقين قد وصفوا التجمع بأنه (مجرد تجمع شرذمة محتسي الشراب الاشتراكيين, وفي تلك التجمعات أخذ بنتر يظهر كشخص عنيف الى أقصى الحدود. ويقول أحد أصدقائه: (كنا ندخل معه في مشاجرات عنيفة فقد أرادنا مرة أن نوقع على ميثاق 1988 من دون قراءته! وبنتر منشق بذيء لايجد حرجا في القول بأن بريطانيا مجرد تابع يدور في فلك الولايات المتحدة, وهو كما يقول عنه الصحافي والمؤرخ جارتون آش انسان يمتلك تلك الرؤية الخيالية الواسعة للعالم لذا فهو يصيب أحيانا, ويخطئ أحيانا كما تخطئ صواريخ الناتو. ان جزءا من مشكلة بنتر يعود الى انه على العكس مما يفعله الكثير من الكتاب والمفكرين البريطانيين قد أقحم نفسه في شؤون السياسة, وصار متفردا في ذلك كبريطاني, تقول هيلاري وبنرايت رئيسة تحرير مجلة (ريدبيبر) لو انه كان في فرنسا أو ايطاليا لما صار ينظر اليه هكذا. وعن أسلوب بنتر في الكتابة يقول مايكل بلنتون (عندما يكتب بنتر فانه يقصد كل كلمة يكتبها) الامر الذي يبدو من خلاله بلنتون مختلفا مع من يصفون كتابات بنتر بالصخب والعدوانية والغموض ويقول بلنتون في هذا المجال (تصبح لغة بنتر, وهو يهاجم أمريكا, لغة أخرى لغة مباشرة وغير مبهمة, ولا أعتقد الا انه يتعمد استخدام تلك اللغة, فهو يعبر عما يجيش في أعماقه) . وأخيرا فان هارولد بنتركاتب يشرف على السبعين وعلى الرغم من ذلك فهو يزداد غموضا كما ان لديه المزيد مما يريد ان يقوله. إعداد- مريم جمعة فرج