حياة الشاعر المصري احمد فتحي تصدق عليها المقولة الشهيرة التي سبق الى اطلاقها شاعر آخر هو (ابو العتاهية) من العصر العباسي الاول .. ان الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء, اي مفسدة ولد الشاعر احمد فتحي في عام 1913 وكان يتشاءم من ذلك الرقم ويعزو اليه كثيراً من همومه وتعقيدات حياته..ومن عجب ان يؤرخ الشاعر في قصة رمزية كتبها لأطوار حياته في سن الشباب حيث الفراغ في الوقت, وقدر من حياة ميسورة او شبه ميسورة (كان ابوه عميدا للمعهد الازهري في الاسكندرية وكان خاله عضواً في البرلمان) . وفي هذا السياق يعترف الشاعر قائلاً: حين دلفت الى سن الشباب, واخذت أتناول الحياة من كل جانب, واروي من شبابي ظمأه الى المتعة والملذات, وجدت انني اغدو على مر الايام صديقاً حميماً للشيطان (!) .. وما كان لي في تلك الحال من الصبوة ان افتكر بثواب او عقاب.. وهو كما ترى نوع من ادب الاعتراف الصريح الى حد موجع.. ولو ان الشاعر عمد الى كتابته على لسان احد ابطال حكايته الرمزية.. وهو يمضي في تبرير سلوكه هذا.. فيضيف قائلاً: كانت ايام شبابي الاول ضروبا من الوحدة والضعف والألم.. كنت في محيط اشعر في اعماق نفسي انه لا يمنحني من الحب بعض ما امنحه وأرجو ان يمنحني..) . وتلك في كل حال ازمة نفس شاعرة مفطورة على موهبة الابداع الفني.. يشعر صاحبها انه يعيش في محيط لا يفهمه ولا يتواصل معه وقد يدفعه هذا الى كآبة العزلة او الى هموم التشاؤم واحياناً الى التعويض بالاغراق في ملذات الحس وهي متع زائلة موقوتة في كل حال .. بمعنى انها تزول وتتبدد ولا يبقى الا ما تجود به موهبة الابداع.. لا يبقى الا الشعر المفعم بالمشاعر والحافل بنبض الموسيقى.. تلك كانت مأساة الرومانسيين بالذات من الشعراء تشهد عليها حياة فنانين شعراء مثل بايرون وكيتسي وشيلي مثلا عند الانجليز وقد قضوا جميعا ولما يفارقوا سن الشباب وهي ايضا مأساة شاعرنا احمد فتحي الذي رحل عن الدنيا في سن مبكرة نسبيا هي السابعة والاربعون وربما طالت أيامه اكثر من اجل مزيد من المعاناة والمكابدة والهموم. ولقد اسلمته نزوات الشباب الى شهادة دراسية متواضعة حصل عليها من مدرسة الفنون التطبيقية ووظيفة اكثر تواضعا في جمرك الاسكندرية شتان ما كان بينها وبين توثب الشاعر بين جوانحه لكي يبدع ويعالج القريض ومن ثم فقد طرق بعنف ابواب ابولو وهي مدرسة او جماعة الشباب من الشعراء الرومانسيين في الثلاثينات وكان من اعلامها في مصر ابراهيم ناجي وعلي محمود طه واحمد زكي ابو شادي وكان من اعلامها خارج مصر العبقري التونسي ابو القاسم الشابي ولقد كان جواز مروره الى ساحة ابولو قصيدته التي بعث بها الى الجماعة ويقول فيها: نوحي على قلق الغصون ورجعي يا طير آهات الفؤاد الموجع واستودعي الالحان من ألم النوى وشجونه, شئت ان تستودعي وعندما انتقل الشاعر مدرسا في القاهرة تلقفته مغاني العاصمة في دنيا الثلاثينات واحتفلت به منتدياتها ودوائر الفن والثقافة فيها وكانت يانعة مزدهرة في تلك الايام.. هنالك بدأت اشعاره تجد طريقها الى اسماع الملايين من خلال محطة اذاعة القاهرة.. وغنى له مطرب مجيد في تلك الفترة اسمه محمد صادق قصيدة بعنوان (انت) يقول فيها احمد فتحي: سألتني عنك اشواقي واحلام سهادي واماني التي تصحبني في كل واد وخيالاتي, وما أكثر ما تغشى فؤادي انت في عيني ضياء لا ترى عيني سواه كلما اشرق حياني شعاع من سناه تبعث الفرحة والنشوة في روحي خطاه ولك ـ يا مولانا ـ ان تتأمل كيف كان القوم يغنون في تلك الايام السالفة ـ منذ ستين عاما ويزيد ـ مثل هذه الاشعار الحلوة.. بطيوفها وايقاعاتها وتصاويرها النبيلة الانيقة.. ولقد قيض للفقير كاتب السطور ان يسمع المطرب محمد صادق واشهد الله ان كان صوته العذب ونطقه الفصيح واداؤه الرصين نبضا جميلا وطربا محترما.. يوصل رسالة الفن الرائق الجليل الى اذان قوم يسمعون ويستمتعون ولا حاجة بهم الى اوساط الديسكو وصخب الاصوات المشروخة والمواهب المدعية او بالادق اللامواهب العاكفة على تعبئة وتغليف وتسويق شرائط الكاسيت مثلما يفعل بائعوا الفول والجبنة والمقانق الرخيصة في مضمار التعبئة والتغليف والتسويق. وفي حياة الشاعر احمد فتحي مشاجرة اقتحم معمعاتها ووصلت الى حد التشابك بالأيدي مع رئيسه في المدرسة . لا لأن أحمد فتحي كان شاعرا موهوبا, ولكن لأنه كان مدرسا مهملا وموظفا لا يصلح لخدمة الدولة, ولقد نال عقابه بالنقل الى مدينة الأقصر .. وبقدر ما كان هذا النفي الى أقصى جنوب مصر معاناة للمدرس بقدر ما كان خيرا على الشاعر الذي استطاع أن يحول قسوة العيش الى ألحان شجية وان يترجم مجاورته للصحراء والآثار الغابرة الى أناشيد ما زالت متألقة في سجل الشعر العربي الحديث. هكذا شهد المنفى الاقصري مولد قصيدة تقول: ظمئت على قربى من النهل والعلِّ فهل عاف عذب المورد ظمآن من قَبلي؟ وضقت بليلي ساهرا, ولو أنني تعزيت, لم أشك التسهد في ليلي وغشت حياتي وحشة ليس ينتهي مداها, ودوني سائر الصحب والأهل وأقبلت أشكو للصحارى لو أعجت وآنس بالا خلاد في كنف السهل ورغم ان الشاعر عاش في الأقصر حياة قاتمة كئيبة يدخن 100 سيجارة في اليوم .. ولا يكاد يتواصل مع انسان, اللهم الا رفقة (الأحجار الجاثمة والأطلال القائمة) ــ كما قال أحمد فتحي نفسه في رسالة الى صديق ــ الا ان هذه الأحجار والأطلال هي التي أوحت له بقصيدته الكرنك التي شدا بها عبد الوهاب وحملت شهرة أحمد فتحي الى أركان العالم الذي يتخذ من العربية الشريفة لغة ولسانا وايقاعا. هي نفس الأطلال التي ناجاها الشاعر بين أبيات الكرنك قائلا: أين يا أطلال جند الغالب؟ أين آمون وصوت الراهب؟ وصلاة الشمس وهم طار بي نشوة تزري بكرم العاصر أنا هيمان ويا طول هيامي صور الماضي, ورائي وأمامي هي زهرى وغنائي ومدامي وهي في حلمي جناح الطائر ولأن نفس الشاعر كانت نهبا للقلق وفريسة للتقلبات .. ولقد كانت نفسا ضعيفة كما قد نصفها .. تحلق أحيانا الى ذرى (الكرنك) ثم تسف أحيانا أخرى الى وهدة شعر المناسبات لزوم مراءات الكبراء ومداهنة الباشوات ... بل قد تنحط ــ علم الله ــ الى حيث يتحول المرحوم أحمد فتحي شخصيا الى بوق, نعم مجرد بوق للدعاية بالشعر السخيف المكرور والنثر الاكثر سخافة وركاكة ــ من أجل نصرة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حيث وجدوا له عملا في قلم (البروبا جاندا) الانجليزي - بل حملوه إلى لندن ليشارك بصوته في اذاعة لندن الاستعمارية في عقد الأربعينات. ولم يكن صدفة - وسط هذه المهانة الأدبية كما قد نسميها - ان يقع أحمد فتحي في غرام مطربة من الدرجة العاشرة, وان يتصور انه يرفعها إلى ذرى المجد الفني حين يكتب لها أنشودة أو طقطوقة في غاية الركاكة من قبيل: أفتكرك ليه وانت ناسيني يا ملوعني يا مهنيني... إلخ ثم جاء العهد الذي شهد الشاعر القلق المتوتر أبدا وهو يلقي مراسيه في العربية السعودية حيث ظل يعمل في اذاعة جدة إلى أوائل الخمسينات وقد اتصل حبل الود بينه وبين الشاعر الأمير عبدالله الفيصل.. الذي أغدق على الشاعر فيضان مال جعله يعيش حياة معقولة ومريحة حين عاد إلى القاهرة في السنوات الأخيرة من عقد الخمسينات وهي الفترة التي أبدع فيها آخر روائعه - قصيدة (انا لن أعود إليك) التي أنشدتها أم كلثوم. هكذا - باختصار شديد - دارت حياة (شاعر الكرنك) أحمد فتحي.. فنان موهوب وشاعر مطبوع.. لكن تقلب الحياة وضعف الإرادة وخطل النظرة إلى البشر والأشياء أوصله إلى مرارة في النفس وانغماس في معاقرة الشراب إلى حد نال من الإرادة والصحة في آن ولقد حاول الشاعر أن يلخص كل هذه المرارات في أبيات قال فيها: ماذا أفدت بأشعاري وروعتها سوى علالة تخليد لآثاري

وما الخلود بمأثور لعارية

غير الخسيسين من ترب وأحجار

يرحم الله الشاعر أحمد فتحي.