مثلما يعشق الحداد مهنته ويجد فيها متعة أيما متعة وهو يطرق تلك القطعة الحديدية الصماء والبكماء ويحولها بقدرة قادر الى تحفة فنية تكاد تخرس الملايين لروعتها وجمالها. عشقت انا سحر القلم فتواءمت معه أينما كنت وكلما كان طقس الكتابة يأمرني . ولأن أغلبنا جُبِلَ على ممارسة عشقه دون تدخل مباشر من أحد, كبر هذا العشق وتوحدت معه تفاصيل حياتنا اليومية فأصبحنا نعرف به ونتواصل مع الآخرين من خلاله, وأصبح نادرا ما يتبرأ أحدنا من عشقه الجميل... فالبحّار يصاب بحالة لا أعرف ان أصفها عندما لا يرى بعينيه ذاك المد الأزرق, أو عندما لا يشم عبق البحر ورائحة الملح, أو عندما يستيقظ ذات صباح ولا يسمع بطبلة أذنيه ارتطام البحر باليابسة وتلك السيمفونية المثيرة التي يعزفها بتلقائية مطلقة. وبعيدا عن تلك المقدمة وهذا المدخل الضيق الذي حشرت نفسي فيه وكأنني أدخل من عنق زجاجة, وألتقط خيط الكلمات من جديد وأصرخ بأعلى صوتي بأن الكتابة قدر يطوقني مثلي مثل بقية الزملاء الآخرين الذين وجدوا في ايصال صوتهم رسالة منقوشة بالهم والتعب والمعاناة... وحتى لا أحوّل هذه المساحة الناعمة الى مأساة, أعود مرة ثانية فأوجه الكلمات وأقودها الى مراس جديدة, وفاتحة أخرى للبدء والتواصل. ولأن اليابانيين لم يتركوا لنا شيئا نفكر به أو بمعنى أدق, نحلم به, الا وحققوه بإبداعهم المثير ابدأ منهم وانتهي اليهم, ولكن قبل ان أميط اللثام عن الحكايات اليابانية أشير الى اننا معشر العاملين في الصحافة نصحو وننام على رائحة الحبر, وأخص بالذكر الزملاء العاملين في المطبعة الذين أصبحت تلك الرائحة من طقوسهم اليومية, فهم يشعرون بأن رائحة الحبر عشقهم الأزلي وعطرهم المثير الذي يميزهم ويطبع على صدورهم بكل فخر علامة الجودة بدءا من مدير المطابع الزميل محمد الحداد وانتهاء بأصغر العاملين, فلولا الحبر ما كان التواصل. قد يتساءل بعضكم ما علاقة اليابانيين برائحة الحبر وهدير المطابع؟ فأجيب قبل ان يتحول السؤال الى ظن وأثم بأن هؤلاء القوم أرادوا ان يسلبوا من زميلنا الحداد ورفاقه علامة الجودة وان يغيّروا تلك الرائحة التي تعود عليها القارىء منذ ان عرف الانسان الطباعة والورق والصحافة... فيصبح القارىء ليتلقف صحيفته برائحة المسك أو الورد أو الليمون أو البرتقال أو برائحة المشمش وهكذا. وبدلا من ان يرمي صحيفته بعد قراءتها في أي مكان, يحملها معه فتعطره في حله وترحاله, وبهذا يضرب عصفورين بحجر واحد, يقرأ الصحيفة ويوفر ثمن العطر... أقول ذلك بعد ان كشفت احدى الشركات اليابانية عن تصنيع حبر خاص للصحف بروائح عطرية مختارة وهو ما يعتبر صرعة جديدة في صناعة الاعلام المقروء. وما دمنا في عالم هذه الصناعة التي تشهد بصورة متواصلة تغييرات متلاحقة, وبما ان الاخوة الزملاء في مركز التدريب الاعلامي بمؤسسة (البيان) يتواصلون كذلك من خلال دورة الاخراج الصحفي, أشير الى ان ذلك بداية مثيرة وعالم جديد للمشاركين الذين يقتحمون هذا الفن لأول مرة, خاصة اذا ما عرفنا ان الصحافة الالكترونية ستصبح من أهم ثورات الألفية الثالثة, فقد شهدنا في بحر الاسبوع الماضي حدثا تناقلته وكالات الانباء يتمثل في تدشين جهاز محمول عبارة عن شاشة وطابعة صغيرة, خفيف الوزن ومدمج تستطيع من خلاله تكوين صحيفتك, اما بطباعتها رأسا أو اعادة اخراج موادها من جديد حسب رؤيتك الفنية, وذلك حسب المتاح على شبكة الانترنت. ولأننا لم نبعد كثيرا عن رائحة حبر المطابع وعن الرؤية الفنية للصحيفة التي نحلم بها أجول معكم في مزايا هاتف جديد ابتكرته شركة (آي.بي.ام) الامريكية عبارة عن نظارة ذات عين واحدة مثبتة أمام عين الشخص الذي يريد استخدامها, ويعمل هذا الهاتف بالصوت ومتصل بشبكة الانترنت التي تقوم بربطه حول العالم, ورغم ان حجمه بوصة واحدة فقط الا انه يتسع لنحو 340 ميجابايت, مما يعني امكانيته لاستدعاء أية صحيفة في العالم موجودة على شبكة الانترنت. وحتى لا أدخلكم في أزمة الحلم الذي ترغبون وكيفية تحقيقه اكتفي بالمثل الشعبي (أصبر على مجنونك فقد يأتيك الذي أجن منه) ... ولا أزيد أو أعيد خاصة واننا في هذا العالم الذي نعيشه الآن نرى عجبا بفضل الفضائيات... تلك التقنية التي لم توفر أحدا, حتى ورقة التوت التي تستر عورات البعض اسقطتها عنوة وليس سهوا كما يظن هؤلاء... عموما تتلاحق الابتكارات وتتواصل في دول العالم الصناعي, ونلقف نحن هكذا بكل بساطة ما صنعوا. ومن يتابع ملحق الرياضة الذي يصدر عن (البيان) يوميا يستطيع ان يلاحظ توظيف الامكانيات والتقنية العالية في التغطيات الدولية, فقد استطاعت المؤسسة ملاحقة آخر الابتكارات في مجال التصوير الصحفي ونجحت في اضافة كاميرا رقمية ذات تقنية عالية جدا مربوطة بهاتف نقال تمكن الزملاء المصورين من التقاط صورهم في مكان الحدث من أي مكان في العالم, فتكون مرئية وجاهزة هنا أولا بأول من خلال شاشة الكمبيوتر, ولا أدري ما الذي سنشهده في العام 2000 الذي بدأ يطل برأسه من خلال الصرعات والابتكارات والصنعات والصدمات المتلاحقة, فقد أصبحت حافظة النقود عبارة عن بطاقات مختلفة وأصبحت الصحيفة التي تنفث حبرا وسوادا أو اسئلة شاشة بلورية ملونة وقبلها أصبحت السيارات المختلفة كأنها سيارة واحدة مستنسخة... فما الذي تبقى؟ أين التباين والاختلاف والتميز؟ تنقلوا بالريموت كنترول بين الفضائيات فستجدون فيلما مكررا ووجها واحدا مستنسخا ولهجة طاغية وبرامج حوارية واحدة تعتمد على الصراخ والشتم... انه زمن الاستنساخ الفضائي فلا تتعجبوا.