كثيرون هم الذين يأتون إلى هذه الدنيا ويرحلون عنها, فهذه سنة الله في خلقه, وطبيعة الحياة. لكنهم قليلون أولئك الذين يتركون وراءهم بصمات في أوطانهم من خلال الاسهام في وضع اللبنات الأساسية للمجتمع . ولكن الأقل من كل أولئك من يذكرون جهود تلك القلة ويثمنون صنيعها. وعيسى بن أحمد الأشرم واحد من أولئك الذين ساهموا بجهد في بناء الوعي الحديث. فقبل ستة أشهر تقريبا, كنت أحادث المحامي محمد سعيد النيار حول مقهاه الشعبي الذي افتتحه في الخمسينات بدبي وكان يحمل اسم (قهوة روضة الوطن) أو (قهوة النيار) كما يطلق عليها العامة. وفي معرض حديثه عن المقهى, وعن المرتادين الذين كانوا يرتادونه من الصفوة والعامة, ذكر لي انه كان لديه (جهاز راديو) يستمع منه الحضور إلى الأغاني والأخبار. وجاءه شخص فأخبره بأن ذلك الراديو يمكن أن يتحول إلى جهاز ارسال, يذيع من خلاله, فطلب منه تحويل راديو آخر وتم ذلك. وبعد فترة وصل عيسى الأشرم قادما من الكويت فاتفق معه على انشاء اذاعة في بيته. بعد أن أنهيت الحديث مع النيار حاولت البحث عن هاتف عيسى الأشرم وبعد محاولات عديدة توصلت إلى رقم النقال فهاتفته. وبعد أن قدمت له نفسي عرفني فقد كان ووالدي رحمهما الله معا في الخمسينات يعملان بدولة الكويت. رحب بي فطرحت عليه سؤالا عن تلك الاذاعة. فضحك قليلا ثم قال لقد أرجعتني سنينا طويلة إلى الوراء, هذه المحاولة تعود إلى أواخر الخمسينات عندما عدت من الكويت, وسرد لي القصة. عيسى بن أحمد الأشرم غادر إلى البحرين للدراسة في أواخر الأربعينات والتحق بمدرسة السيد عبدالرسوم التاجر الواقعة في منطقة العوالي مقابل الكنيسة الكاثوليكية. فدرس على يديه مادتي المحاسبة ومسك الدفاتر واللغة الانجليزية, بالاضافة إلى الطباعة والمواد الأخرى. ثم التحق بمؤسسة المؤيد التجارية للعمل. وبعد أن كون نفسه ماديا غادر إلى بريطانيا في منتصف الخمسينات, والتحق بمعهد فني تلقى فيه مبادئ الالكترونيات, وصقل لغته الانجليزية. بعدها سافر إلى الكويت وعمل بدائرة المالية في مجال الحسابات دراسته وعمله السابق. وفي حوالي عام 1958م عاد إلى الوطن. والتحق بالعمل الحكومي بحكومة دبي. وحيث انه كان يعمل بالكويت مع السيد (دف) الذي جاء أيضا ليعمل مديرا للحسابات المركزية لحكومة دبي فقد تم تعيينه مساعدا للمدير العام وخلال تلك الفترة أشرف على اصدار الاعداد الأولى من الجريدة الرسمية لحكومة دبي. ويذكر عبدالغفار حسين انه في الستينات, نشرت إحدى الجرائد البحرينية مقالة لأحد الكتاب البحرينيين ينتقد فيها دبي, فأعد البعض ردودهم, ولم تكن يومها صحف ولا مجلات بدبي, فقام المرحوم عيسى الأشرم بنشر مقالة الأستاذ عبدالغفار بالجريدة الرسمية. وفي منتصف الستينات صدر أمر من حاكم دبي يمنع موظفي الحكومة من العمل في التجارة. حتى لا يكون هناك تضارب بين المسؤوليات, وحتى لا يتأثر جانب بسبب جانب آخر. وقد سعى بعض الموظفين للحصول على استثناء من ذلك. لكن المرحوم عيسى الأشرم آثر الاستقالة من العمل الحكومي والتفرغ للعمل الحر, فافتتح محلا لتجارة المواد الصحية. واستمر في تجارته بعيدا عن المسؤوليات الرسمية. أما حديث الاذاعة فإنه بعد وصوله التقى السيد محمد النيار ولما له من دراية بالالكترونيات قام بانشاء اذاعة في بيته بعد أن أحضر المعدات اللازمة, وكانت تبث على الموجة القصيرة (هنا دبي - الاذاعة الوطنية) ويذكر النيار انه كان مسؤولا عن فتح الاذاعة من الساعة التاسعة وحتى الحادية عشرة صباحا ومن الرابعة حتى السابعة مساء. وكانت تبث الأغاني والأشعار من خلال جهاز (جرام فون) وكان ارسالها محدودا, ويذكر السيد أحمد بن خليفة المطروشي انه كان يخرج مع المرحوم عيسى الأشرم بالسيارة إلى منطقة مشرف والخوانيج لمعرفة مدى الارسال وكانوا يلتقطونها هناك, ونظرا لوجود الانجليز وتدخلاتهم فقد أوعز لهم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي بعدم اذاعة الأخبار السياسية حتى لا يتعرضوا للتتبع والمساءلة من الانجليز. تلك جهود طيبة في بواكير العمل الثقافي وبشارات الوعي لم يقدر أصحابها. ولم يتم تبني مواهبهم وتقديرها حتى يقدموا الكثير لمجتمعهم. وقبل أيام فارقنا المرحوم عيسى الأشرم إلى رحمة رب كريم. بقلم - بلال البدور