في الاستطلاع الذي اجراه سليم زبال لمجلة العربي عن خورفكان في مايو 1968 كتب عن الحياة على هذا الساحل, حاول مكتب الكويت في الامارات ارسال طبيب ليعمل في خورفكان , ولكنه ما كاد يقضي اسبوعين هناك حتى عاد هارباً, مفضلاً العيش في منطقة مزدهرة قريبة, ولم يقبل اي طبيب عربي العمل في خورفكان حتى تقدم اخيراً طبيب هندي مع زوجته هو الدكتور (مالك ازهر ايمام) ووافقا على الذهاب للعمل هناك. ويكمل (ونحن نسجل اسمه على صفحات (العربي) تكريماً له واعجاباً بعنايته بمائة وخمسين مريضاً ومريضة يأتونه يومياً في السيارات وعلى ظهور الجمال من الشارقة والفجيرة وعمان يشكون من فقر الدم, وآلام الاسنان والسل والعمى والملاريا وامراض النساء! ومقابل تسجيل موقف هؤلاء الاطباء, نسجل بالاعجاب موقفاً مضاداً لست مدرسات وتسعة مدرسين يتولون التدريس في مدارس خورفكان ويقومون بتعليم 170 طالبة و278 طالباً من ابناء خورفكان, بأسلوب يبعث على الفخر والاعجاب, حتى ان فريق كشافة خورفكان مثل امارة الشارقة كلها في المخيم الكشفي العربي العام) . وكتب المحرر في استطلاع آخر نشره في مارس 1972 عن الفجيرة (.. اتجهنا الى الفجيرة, لقد تبدلت صورتها كثيراً, ففي سفح جبل سكمكم ارتفعت المنازل الحديثة.. اتجهنا الى مقر الحاكم فوجدنا ممثله الشيخ حمد بن سيف بن حمد, ورحب بنا ممثل الحاكم بحرارة قائلاً: لقد قرأت ما كتبتموه عن بلدنا منذ اربع سنوات, ولكن والحمد لله لقد تغير الوضع تماماً حالياً, لقد ذكرت انه لا يوجد حلاقون في الفجيرة, اما اليوم فأصبح عندنا ثلاثة حلاقين (وكأنه استقل الرقم فقال مستطرداً ــ العبارة للمحرر ــ): لو تقول خمسة موجودين والحمد لله, وعندنا 4 الى 5 دوبي اي كوائين, وخياطون حوالي 10 وتلفزيون عندنا 8 أجهزة, والتطور سريع, فكل يوم يشتري الاهالي جهازاً جديداً, وعندنا مطاعم ومقاه وثلاثة مستشفيات, واحد كويتي وواحد ايراني وثالث امريكاني...) . استعنت بالوصف السابق الذي كتبه سليم زبال عن الحياة وهموم الانسان في تلك الفترة, كمدخل لحادثة ساخرة بطلها زميلنا صالح الجسمي وقعت في الفترة الزمنية نفسها التي يتحدث عنها الاستطلاع الاخير, يقول صالح الذي يعرفه القراء كمحرر صحفي ويعرفه جمهور الفن والحفلات انه مطرب شعبي: كنت في الصف السادس الابتدائي عندما قررت ادارة المدرسة الذهاب بنا في رحلة الى الشارقة, فرحنا كثيراً بهذه الرحلة, واعطاني والدي وقتها عشرة دراهم كمصروف للرحلة, وركبنا الباص, وكانت الرحلة في موسم الشتاء والجو شديد البرودة ومن شدة الفرحة غنيت طوال رحلة الذهاب وكذلك في العودة, وعندما عدت الى البيت كنت متعباً جداً, فنمت لأستيقظ في اليوم التالي, واذا بي لا اجد صوتي! لقد اختفى تماماً.. ومن شدة الخوف لم اذهب للمدرسة, وانما جلست في (حوش) الغنم, وعندما علمت المدرسة بأمر هروبي, بحثت عني, وابلغت والدي, وكانت المشكلة اكبر من امر الهروب, فصالح اصبح من غير صوت, كنت خائفا جداً, لكن خوف ابي كان اكبر, فحملني مسرعاً الى مستوصف خورفكان, هناك اخبره الاطباء ان الحالة مستعصية, وانهم لا يملكون ان يعملوا شيئاً والافضل ان يذهب الى الفجيرة. يكمل صالح وصف الرحلة: ركبت مع ابي السيارة, وكانت سرعته هذه المرة اكبر, ازداد خوفي ليس من مرضي وانما من سرعة والدي, مطبات على الشارع مر عليها كالصاروخ, ومجموعة من الحواجز وضعت في منتصف الطريق صدمتها سيارتنا ورمتها على بعد عدة امتار, واكثر من مرة التصق وجهي بالزجاج الامامي اثناء التجاوزات الخطرة التي كان يرتكبها والدي بشكل متكرر. ووصلنا بالسلامة والحمد لله الى مستشفى الفجيرة. كان الوقت ظهراً, وبدأ العد التنازلي لخروج الموظفين من دوامهم, وتم اجراء فحوصات سريعة لصالح, ورأى الطبيب ان حالته قد تستدعي اجراء عملية جراحية, وانه لا توجد عنده التجهيزات الطبية اللازمة لذلك, كل ما يستطيع عمله هو تحويله بسرعة الى المستشفى الامريكاني, وكان على ابو صالح ان يراجع بإبنه في صباح اليوم التالي المستشفى الآخر وقرر ان نجلس عند احد اقاربنا في الفجيرة انتظاراً لصباح اليوم الجديد. فريج بو صالح في خورفكان والاحياء المجاورة كانت في حالة ترقب وانتظار, وازداد خوفهم عندما سمعوا بأمر العملية والتحويل, وقرر عم بو صالح ان يتصرف بسرعة قبل ان يموت الشاب من شدة المرض أو اثناء العملية, وذهب الى شقيقه في الفجيرة واقنعه بالعودة الى خورفكان, فعنده علاج (أبرك) من وصف الدكاترة. ولأن المضطر يركب الصعب, عاد بو صالح يبحث عن دواء أخف من العملية, كان عم بو صالح قد بعث مرسالاً عاجلاً الى المطوع خميس الذي يسكن في كلباء, وعلى وجه السرعة جاء المطوع على دراجته النارية (الطقطاقي) , واجتمع اهل الفريج بوصول المطوع, وبدأ يمارس دوره, ادعية وصراخ, وصالح وسط الدائرة مريضاً, مجهداً, خائفاً, وفجأة بدأت طلبات المطوع خميس: هاتوا لي ديك اسود, طلب غريب, الا انه ليس صعباً, واحضر الديك, قرب الحاج خميس سكينه وقطع رأس الديك, وأمر صالح ان يفتح فمه, وانسكب دم الديك الاسود حتى امتلأ جوف المريض. وصاح بعدها الحاج خميس ان اتركوا المريض يرتاح قليلاً. يقول صالح: كنت في امس الحاجة الى الراحة, ما ان دخلت غرفتي حتى اخذني النوم, واستيقظت على صرير الباب الذي كان يقف خلفه شقيقي الصغير, فطلبت منه بصوت مبحوح ضعيف, ان اخرج واغلق الباب, فإذا بشقيقي يصرخ فرحاً, وينادي على والدي, ان صالح قد عاد له صوته, وجاء والدي مسرعاً وسمع صوتي الخافت, فحملني فرحاً مسرعاً الى حيث القوم مجتمعين, وصاحوا جميعاً مع والدي ان هذه بركات المطوع خميس, واخرج عمي (نوط) خمسمائة درهم, وما أكبره من مبلغ آنذاك, للمطوع المعجزة. يقول صالح: لم تكن سوى نزلة برد شديدة ألمت بي, كادت ان تأخذ عقلي معها! وظلت معجزات الحاج خميس في عقول أهلي زمناً طويلاً.