الثلاثاء: في الطريق الى الطائرة التقيت بأربعة من معارفي.. الدكتورة نوال السعداوي, والدكتور شريف حتاتة, هما في طريقهما الى ادنبرة, مكثت بصحبتهم قليلا, وجرى حوار حول الادب ومشاكل الحياة الثقافية.عندما لمحتها في المقهى سألت نفسي: هي أم لا؟ عندما اقتربت من باب الطائرة تأكدت منها, صحفية ألمانية تعمل مراسلة للاذاعة , كانت تعد تحقيقا عن مقاهي القاهرة, كانت نشيطة, ذكية تركز على أمور دقيقة, مثل أصوات المقهى الخاصة, وأسماء المشروبات والمصطلحات المتداولة, كانت جميلة, لم يكن جمالها مريحا, وربما لأنني شعرت انها تخفي شخصية أخرى. قابلتني بحماس, قالت انها تقيم الآن في باريس, تتردد على مصر ولبنان والاردن, لاتزال تعمل صحفية للاذاعة, افترقنا داخل الطائرة, في السفر من عادتي تفضيل الوحدة, أن أكون منفردا, بعيدا, خاصة اذا انعدمت الصحبة الحميمة. الرابع رجل أعمال استصلح أرضا, يعيش متنقلا بين عواصم عالمية مختلفة, ذكي, لكنني أشعر ايضا بمسافة لا أرغب في عبورها. الى جواري رجل هادىء في الخمسينات, مهندس, يعيش في ألمانيا منذ ثلاثين سنة, ذكر اسم المدينة الصغيرة التي يعيش فيها قرب شتوتجارت, متزوج من ألمانية, كان حزينا أو منكسرا بشكل ما, وديعا, كالعادة تبادلنا العناوين وايقنت اننا لن نلتقي مرة اخرى. عندما وصلت الطائرة الى مطار شارل ديجول, عند الباب لمحت الصحفية الألمانية شابا طويلا يرتدي ملابس جلدية سوداء, تقريبا قفزت في الهواء وجلست على ساعديه, راحا في قبلة طويلة, وكنت مشغولا بالوصول الى مقر اقامتي. الجمعة: صباحا في المتجر الفسيح, قالت البائعة بالعربية ـ تبغي مساعدة؟ ـ من اين أنت؟ ـ من الجزائر. قالت انها جاءت مع اسرتها بسبب الظروف الصعبة هناك, تعمل هنا بائعة وزوجها لم يجد عملا مناسبا بعد, بدا في عينيها حزن عميق, وكانت نشطة, راغبة في مساعدتي ومسرورة لانها وجدت فرصة الحديث بالعربية, وكعادتنا في مد فرص الحوار سألتها عن بلدتها قالت انها من قسنطينة, قلت انني زرت هذه المدينة عام سبعة وثمانين وعندما نطقت بالعام اكتشفت ان اثنى عشر عاما مضت على زيارتي تلك. الظهر: الى المجلة المتخصصة في الاديان صحفية اصلها مصري تعمل هنا منذ سنوات, جميلة, نشيطة, ذكية, لاحظت علامات التقدم في العمر واضحة ولم تكن تخفيها لذلك كانت اجمل, لكل مرحلة جمالها وتألقها الخاص, المهم ان يتكيف الانسان معها, حدثتني عن ابنها الذي يدرس الكمبيوتر وذكائه, عن قدرته على فك الاجهزة تماما وتركيبها مرة اخرى, عن ابنتها عن صعوبة التربية, لما سألت عن الاب قالت انه في بيروت, يجيىء مرة كل شهرين تقريبا, لكنه منعزل تماما, خارج النطاق, لماذا؟ قالت انه طبيب شهير مقتدر ذائع الصيت لكن لسوء حظه وقع في اسر احدى القوى السياسية في لبنان, كان الحزب في حاجة الى اسرى من الطرف الآخر, واختطفوه مع آخرين, امضى في الحبس سنة كاملة, في غرفة ضيقة جدا, لم يستحم لمدة سنة كاملة إلا مرة واحدة, حطموا اسنانه, وسافرت زوجته التقت بزعيم الحزب, توسلت اليه, قبل ان يفرج عن زوجها, لكنه خرج انسانا مختلفا تماما, لا علاقة له بشيء غير متحمس لاحد, لا يعنيه الاولاد, لا يناقش مشاكلهم, غير راغب في الحياة, صار منسحبا الى الداخل, لكنه اولا واخير أبو الولد والبنت, وهي حريصة على قربهما منه ومحاولة اعادته الى الحياة. الجمعة عصرا شريف الشوباشي ليس مديرا نشطا فحسب لمكتب الاهرام, لكنه نبع غزير للنشاط الانساني, ما من انسان وصل الى باريس في ظروف صحية وعرة إلا ويبدأ شريف واجبه الانساني تجاهه, وهذا الواجب نابع من طبيعته وما نشأ عليه, لذلك يبدو هنا كبلسم بالنسبة لمن قدر لهم عبور المدينة الجميلة للعلاج او بحثا عن الشفاء او طلبا للعلم, اتجهت اليه لاصحبه لزيارة مريض عزيز في مستشفى خارج باريس. عندما دخلت المكتب كانت الفنانة لبلبة جاءت لتحضر عرض فيلم (الآخر) احدث انتاج يوسف شاهين, انها المرة الاولى التي اراها شخصيا بدت نفرة, يفيض وجهها بتلك البراءة الطفولية التي جذبتنا اليها, اشاعت المرح في حياتنا والبهجة بأدائها الجميل, بدأت لبلبة التمثيل وهي في الخامسة من العمر, ولذلك تمتزج بذكريات طفولتنا وصبانا, واشتهرت بالقدرة على التقليد, اثناء حديثنا تطرقنا الى افلامها وبرامجها التي تتقن فيها التقليد, قالت انها ترى بعض الشخصيات فتشعر بالرغبة في تقليدها للتو في احدى المرات كانت تعالج اسنانها عند الطبيب وفي ذورة عمله شعرت بالرغبة في تقليده وضحكت كان موقفا خطيرا بسبب موهبة المحاكاة التي هي أصل التمثيل. الجمعة عصرا ايضا من باريس الى الضواحي الى الضاحية الجنوبية بالتحديد فوق مرتفع يقوم مبنى ضخم, حوله تمتد مساحات من الزروعات الخضراء الجميلة, نوافذ, شرفات, وبشر, كل منهم ينتظر, يقترب او يبتعد, يدنو او ينأي, او يعاني المرحلة الأخيرة. هنا أهم مركز في العالم لمقاومة المرض الخبيث والذي يخشى الكثيرون ذكر اسمه صراحة, بما يذكرنا بحرص قدماء المصريين على قيمة الاسم, فالاسم حاوٍ للوجود, حافظ له, وجالب ايضا لذلك كان جهد المصري القديم موجها تجاه الحفاظ على الاسم, فهو يعني الابادة الكاملة لصاحبه, وذكر اسم الشيء يعني احضاره أو مثوله, لذلك يخشى القوم ذكر الأمور المخيفة أو الضارة. هنا معهد يختص بعلاج ومقاومة السرطان انه مستشفى ولمباني المستشفيات حضور خاص, يجري تجميل مداخلها وممراتها, وقد عرفت المستشفيات بأنواعها القديم منها والحديث, وأمضيت في مستشفى كليفلاند شهرا كاملا, ورغم المباني الحديثة, والأجهزة المعقدة, والأنانبيب المتصلة, وأجهزة الحواسب الآلية في الممرات والغرف, محور هذا كله الانسان معالجا ومريضا. غير ان هذا المعهد له حضور مغاير, أعرف ان مضمون المباني يؤثر على واجهاتها, ومداخلها, ثمة حدة في العمارة ربما توازي خطورة المرض الذي يتصدى له القائمون هنا, انظر بشجن الى المرضى الذين يتحركون بمقاعد ذات عجلات, رؤوسهم حليقة تماما, نتيجة العلاج الكيماوي, تتصل الانابيب بالأجساد وحقن الجلوكوز أو محاليل أخرى. أجهزة معقدة, مؤشرات, آلات, أسرة تدفع في الطريق يرقد فوقها المرضى, ننتظر خروج المريض الذي جئنا من أجله, ويقوم شريف ليسأل الطبيب المعالج, ثم يجري المكالمات مع الأهل في مصر, ليطمئن بما عرفه, يقول ما يمكن ان يقوله, ولا أكف عن المتابعة, والتعاطف مع من أراهم هنا, ورغبة دفينة في المساعدة لكن كيف؟ (ليس بوسعي الا التمني, واستعادة الترتيل الكريم (وخلق الانسان ضعيفا) . مساء الثلاثاء/الآخر معهد العالم العربي, زحام, كل هؤلاء جاءوا الليلة من أجل يوسف شاهين, سيعرض فيلم (الآخر) أحدث ما قدم, رأيت أهم شخصيات المجتمع الباريسي من الفرنسيين والعرب, وبالطبع المبدعين والمثقفين, من الأدباء التقيت باندريه شديد, والبير قصيري, وكلاهما مصري الأصل يعيشان منذ الأربعينات يكتبان بالفرنسية, رأيت حشدا كثيفا, ملامح أعرف أصحابها, وأخرى لا تساعدني الذاكرة, كان الواقفون خارج الصالة أكثر من الجالسين, ليوسف شاهين حضور قوي الآن في فرنسا وأوروبا, انه معدود بين كبار المخرجين العالميين, أتيح لي ان التقي بفرنسيين أدباء ومن مستويات شتى, ودار الحديث حول أفلام يوسف شاهين وفنه, وكنت أصغي الى آراء تعكس التقدير. بعد كلمات قصيرة من الدكتور ناصر الأنصاري, وأبطال الفيلم الذين حضروا الى باريس نبيلة عبيد ولبلبة, واعلان اعتذار يوسف شاهين عن الحضور بسبب ارهاق ألم به, بدأ عرض الفيلم. لا أدري السبب الذي دفع برغبة شغيفة في البكاء الى حالتي النفسية التي رحت أتابع من خلالها الفيلم؟ هل لأني بعيد عن الوطن, والفيلم يتحدث عن هموم أعيشها واحترق بها, بل انني شيئا فشيئا فوجئت بتطابق رؤيتي مع معظم ما طرحه, خاصة ما يجري على أرض الواقع من الثراء الجديد الفاحش, ومن زحف تتري أمريكي ومن مخاوف تتعلق بالمستقبل. الفيلم في مجمله يحتوي على رؤية, الرؤية نابعة من فنان كبير, هذه القدرة على النفاذ الى جوهر الحقيقة, ولديه الامكانيات التي يعبر بها عن هذا الجوهر, فيما عدا ما يخص الارهاب, تنطبق رؤيته على الموقف السائد منذ عامين, لكن الوضع مغاير الآن, لكن تظل صحة الجوهر, ذلك التحالف بين الفساد العالمي والمحلي والذي يؤدي الى اغتيال البراءة. عندما انتهى الفيلم صفقت القاعة طويلا, وكنت أحاول أن أخفي دموع تأثر عميق, لقد وصلت رسالة يوسف شاهين وأدركها الجميع حتى الغرباء الذين جاءوا للفرجة على فيلم جديد ليوسف شاهين. الأربعاء/ظهرا المرض والجوهر حوار بعد تناول الغداء في مطعم عتيق, كنت بصحبة الصديق بدر الدين عرودكي احد المسؤولين بمعهد العالم العربي. ولكن معرفتي به قديمة ترجع الى الستينات عندما كان في سوريا مسؤولا عن تحرير القسم الثقافي بمجلة الطليعة الأدبية, تراسلنا طويلا, ولم نلتق الا في مطلع الثمانينات عندما زرت باريس وكان هو قد وصلها قبل سنوات واستقر بها. كنت أتحدث عن المرض, وكيف انه يجلو الأمور, ويجعل الموجودات حادة الوضوح. كذلك الحقائق, انه يعيد الحقائق الى أصولها, ينفذ الانسان الى جوهر الحياة, يود المرء مهما كان متقدما في العمر ان يصبح كالطفل, الحقائق مجردة, أبيض أو أسود, لا وجود للمنطقة الرمادية, ماذا يمكن ان يبقى. ولماذا الحرص أو الصمت عن قول الحقيقة اذا كان الانسان يدنو من الخط الفاصل بين الحضور والأبدية المطلقة؟ ادراك الخلل يساعدنا على تحقيق الكمال. الأحد صباحا/العاصفة أتطلع من النافذة العريضة الى المدينة, أرى الأفق مظلما, لا أعرف الفرنسية لذلك لم أفهم ما قاله المذيع في نشرة الأخبار, كل ما ألممت به درجات الحرارة المكتوبة على خريطة فرنسا, انها مرتفعة بالنسبة لهذا الوقت من السنة اضافة الى الرطوبة التي تعيق التنفس, تبدو حرارة القاهرة أرحم. لكن هذا الاظلام المفاجىء للأفق يتناقض مع الجو, كان الليل المفاجىء يتقدم بسرعة شديدة. أدركنا خلال دقائق, كل شيء من الطبيعة في غير أوانه يثير الخشية, تذكرت وصف المؤرخين لنزول الليل وظهور النجوم في عز الظهر, واستعدت الاخبار التي تعلن عن أعاصير تجتاح الساحل الشرقي من الولايات المتحدة وتجتث كل مظاهر الحياة, ما يجري امامي في باريس يمت الى هذا بشكل ما, بعد الظلام الكثيف بدأ البرق, وانهال البرد من السماء كالحجارة, دام ذلك حوالي عشر دقائق, وبسرعة راح الليل يتوارى, عادت السماء صافية, كأن ليلا لم يحل في غير موعده, وكأن عاصفة لم تقع. ن