نتائج كثيرة يخرج بها المرء من قراءة الانجاز الادبي للنهضة العربية في القرن التاسع عشر. وتؤكد أولى هذه النتائج ان سرديات الرحلة الى عواصم التقدم الاوروبي كانت احدى نقاط البداية التي سرعان ما تحوّلت الى قص روائي. وكما كانت المقامة إحدى هذه البدايات عندما تولّدت منها أعمال مثل (الساق على الساق) و(حديث عيسى بن هشام) فإن الرحلة الى الغرب, حيث تأسس فن الرواية الحديثة, كانت بدورها, بداية سرعان ما تحولت الى قص روائي داخل اطار وظيفة الرحلة التي لم يتغير هدفها, سواء من منظور الفتنة بحضور (الآلة) التي أصبحت علامة التحديث في المدينة المتحولة, أو الدهشة لملامح التحول المكاني في (خطط) المدينة التي أصبحت تعرف الآلة. والصلة بين (علم الدين) لعلي مبارك و(تخليص الإبريز) لرفاعة الطهطاوي على وجه الخصوص صلة متعددة الأبعاد, فرواية (علم الدين) هي رواية رحلة لم تفقد صلة الرحم التي جمعتها بسرد (تخليص الإبريز) الذي سبق بحوالي ثلاثين عاما. وقالب الرحلة الوصفي في (تخليص الإبريز) هو القالب الذي لم يفارق السرد الروائي في (علم الدين) التي اقترن هدفها باشاعة النوع نفسه من الاستنارة. وتوتر الدهشة في رحلة المكان والزمان والوعي لا يتغير جذريا ما بين العملين اللذين لا يكفان عن التحديق في متغيرات التحديث المرتبطة بالحضور الواعد للآلة التي أغوت الوعي المحدث بأفاعيلها. وربما كانت رواية (علم الدين) التي نشرها علي مبارك باشا قبل عشر سنوات من وفاته, تحديدا سنة ,1983 هي الرواية الاحيائية الأولى في الدلالة على هذا الجانب, فالسياق الأساسي للحبكة الرئيسية ينبني على رحلة وعي يتحول عبر متغيرات المكان وبواسطة مستحدثاته, منتقلا من وضع معرفي أضيق الى وضع معرفي أوسع, ومن عقل يجمع ما بين علوم الرواية والدراية القديمة الى عقل ينفتح على المعارف الواعدة للعصر, سواء في علومه الجديدة التي تفتن العقل أو مخترعاته المدهشة التي تثير الخيال. وجِدّة العلوم هي الوجه الآخر من الدهشة التي تخلفها المخترعات المترتبة عليها في الوعي الذي انطوى على غواية حلم الانتقال من وهاد التخلف الى ذرى التقدم. وتختلف (علم الدين) عن (الساق على الساق) التي كتبها احمد فارس الشديقان من هذه الزاوية بأمرين, أولهما: ان السرد في (علم الدين) أقرب الى الرواية بالقياس الى (الساق على الساق) . وثانيهما: ان إطار الرحلة في (الساق على الساق) مقرون بمحاولة اكتشاف (ما هو الفارياق) في تقلبه ما بين المذاهب والديانات والأقطار. أما (علم الدين) فإطار الرحلة فيها هو إطار رحلة الوعي الذي يجاوز قصوره بالارتحال في العوالم التي تضيف اليه ما لم يكن يعرفه. ولذلك تخلو (الساق على الساق) من مشاعر الدهشة التي تحل محلها رغبة السخرية التي تنفي القداسة عن الأشخاص أو الأفكار لتضعها موضع المساءلة من منظور (الأنا) التي تسعى الى اكتشاف هويتها الفارقة. ولا أحسبني أتباعد عن واقع الأمر, تاريخيا على الأقل, لو قلت ان دهشة الصدمة في (علم الدين) هي رجع صدى صدمات الدهشة التي تولّدت عن العلاقة بالآخر الأجنبي واضافة كمية وكيفية اليها, ابتداء من دهشة الشيخ عبدالرحمن الجبرتي (1754 ــ 1822) الذي كتب عما شهده من عجائب اختراعات (الفرنسيس) في تاريخه, وليس انتهاء بدهشة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 ــ 1873) الذي عانى صدمة التقدم في الضفة الأخرى من البحر المتوسط فكتب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) . والصلة بين علي مبارك والطهطاوي, في هذا السياق, هي صلة الوعي الذي يصطدم بنوع لا يعرفه من مظاهر التقدم متعدد المجالات, فلا يملك سوى ان يحاول الفهم, ويجاوز ما عبّـر عنه الجبرتي في التعقيب على ما شاهده من مخترعات الفرنسيس بقوله: (ولهم... أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا) . ولذلك فالمسافة الزمنية والفكرية بين ما كتبه الجبرتي وما كتبه علي مبارك, بعد الطهطاوي, هي مسافة درجات السلم الصاعد في مجال المعرفة الجديدة, ومخالطة أهلها. واكتشاف الكثير من أسرار التقدم التي تستحق النقل الى العربية, ومن ثم الحكاية عنها في قالب السرد الذي تستدعيه تقنيات وصف الرحلة الى عواصم التقدم وتبرير الأخذ عنها. وقد وصلت هذه التقنيات بين الطهطاوي وتلميذه علي مبارك ومايزت بينهما في دائرتين من الدلالة, الدائرة الاولى هي التي جعلت من (مسامرات) السرد في (علم الدين) تقنية أقرب الى القص الروائي بالقياس الى سرديات (تخليص الإبريز) الوصفية. اما الدائرة الثانية فهي ما جعلت من نموذج المثقف الذي يمثله علي مبارك (الأفندي) خطوة الى الامام على طريق الوعي المديني بالقياس الى النموذج الذي يمثله (الشيخ) رفاعة الطهطاوي الذي استهل هذا الوعي بأكثر من وجه. ولذلك تتسع حدقتا عيني (علم الدين) بوجه خاص لترى من مظاهر التحدي المادي, ومظاهر الاختراعات الحديثة, ما يضيف اضافات كمية الى ما رأته حدقتا عيني الطهطاوي, ويصل الامر بشعور علي مبارك بهذا الجانب, تحديدا, الى حد التهكم غير المباشر على قلة معارف سلفه فيما يتصل بإدراك اسرار باريس. يحدث ذلك في المسامرة التاسعة بعد المائة, وهي عن نور الغاز, حين يلحظ الشيخ (علم الدين) ان العربات وأصناف الخلق تقبل وتدبر في الليل كما في النهار, ويتذكر الشيخ من كثرة الضوء في الليل وشبهه بضوء النهار شطر بيت يقول: (وليل الكفر ليس لها نهار) . وسرعان ما يعقب صديقه (الخواجا) بأن الشطر لرفاعة الطهطاوي, قاله في وصف رحلته الى باريس, ويمضي (الخواجا) قائلا انه وقع على نسخة من كتاب رحلة رفاعة الذي يصفه على النحو التالي: (رأيته قد أكثر فيها من مدح باريز وأهلها, وأطنب في وصف نسائها ورجالها, وطاف حول الدن الا انه لم يدندن, ورتع حول ذاك الحمى وحام, وما رفع عن وجه ليلى اللثام, وأظنه لم يأتها من أبوابها, ولا كشف له عند وصفه لها عن نقابها, ومع ذلك فجميع ما ذكره ورآه قد تغير الآن, ومضى من وقته الى الآن نحو ثلاثين سنة. وفي هذه المدة تقدمت العلوم والصنائع تقدما زائدا, وظهر في أعمال الخلق النتائج المفيدة, فصلح بذلك شأنها واتسعت دائرة ثروتها) . وليس المهم في هذا السياق مباهاة الكاتب الأفندي بكثرة ما يعرفه من مخترعات التقدم وآلاته التي لم يعرفها سلفه الشيخ, فالأهم من التوقف عند المباهاة ما يكمن وراءها من المضي قدما في طريق المعرفة (غير النقلية) بأدوات التحديث وآلاته, الأمر الذي يعني ادراك مستلزمات المدينة العصرية, ومجاوزة علم الرواية والدراية القديمة الى علوم العمران الحديث بكل لوازمه, أقصد الى ان هذه العلوم كانت سلاح علي مبارك (الأفندي) الذي أوكل اليه الخديوي اسماعيل ــ زميله في البعثة إلى باريس ــ مهمة الاشراف على بناء القناطر الخيرية, واستكمال منشآت السكك الحديدية, وتخطيط مدينة القاهرة الجديدة, وإدخال المياه الصحية الى منازلها, وأضواء الغاز الى شوارعها, جنبا الى جنب المدارس الحديثة ودار الكتب الخديوية والأوبرا والحدائق العامة... الخ. ولا أحسبني أغالي لو قلت ان علي مبارك الذي فرغ من كتابة (علم الدين) في عهد توفيق باشا, بعد سنوات من اشرافه على عملية التحديث المعماري للقاهرة القديمة في عهد اسماعيل باشا, ينطق من وراء قناع (الخواجا) الانجليزي, لا ليؤكد اختلاف (الأفندي) فيه عن (الشيخ) في سلفه الطهطاوي فحسب, وانما ليؤكد الى جانب ذلك احساسه الحاد بالزمن, نتيجة ادراكه المتزايد بتصاعد ايقاع خطى التقدم في علوم الغرب وصنائعه, وما يفرضه هذا التصاعد من اتساع المسافة بين المتخلف والمتقدم, الأمر الذي يفرض على المتأخر الاسراع في اللحاق بخطى المتقدم بأسرع وأقصى ما يستطيع, هذا الاحساس الحاد بالزمن, وما يفرضه تتابع ايقاعه على البشر, خصوصا في علاقته بالتحولات الناتجة عن عمليات التحديث. سيظل, منذ كتابة (علم الدين) ونشرها في المساق الزمني الذي شهد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882, موضوعا من اهم موضوعات الرواية العربية, وذلك ابتداء من نشأة الصبا في اعمال من مثل (علم الدين) الى اكتمال النضج في اعمال تجمع ما بين ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين, قصر الشوق, السكرية) وخماسية عبدالرحمن منيف عن (مدن الملح) . ولكن اللافت للانتباه ان الاحساس الحاد بالزمن, ومن ثم التغير, يظل مقترنا في كل الاحوال بتجليات (الآخر) الذي يبدو في (علم الدين) على هيئة رجل من مشاهير الانجليز المشتغلين في بلادهم بتعلم اللسان العربي وقراءة علومه, وهي صفة لا تعدو ان تكون حيلة روائية يتيح بها خيال علي مبارك الروائي امكان اللقاء بين الشيخ الأزهري (علم الدين) ورجل العلم الانجليزي, كي يقود الثاني خطى الأول في رحلة معرفة محدثات الزمن الصاعد للغرب (الأوروبي) واختراعاته.