عندما يحمل احمد مصطفى قلمه لا يتردد ابدا بأي اتجاه او مدى طول الخط الذي سيضعه على الورقة او قماش اللوحة, بل أنه يضع ريشة القلم مباشرة على سطح صفحة بيضاء ويرسم افقيا , وبينما تتحرك يده يترك الحبر آثارا له تقارب تماما عرض ريشة القلم, وبلمسة مباشرة وواثقة ومن دون تردد بشأن الاتجاه والتوقيت, تتوقف يد مصطفى فيرفع القلم عن الورقة ثم يتوقف لبرهة من الزمن, هذا الخط البسيط والعامودي على امتداد سطح خال يعد بالنسبة الى احمد مصطفى النغمة الاولى لقطعة موسيقية, وفيه نغم متآلف يصدح ليس بالحس المرئي فحسب بل بروحه هو ايضا. والتناقض بين دور الفنان في الحضارتين الاسلامية والغربية واضح بالنسبة لاحمد لانه هو بحد ذاته متأثر بالحضارتين معا, ويجب ان يذكرنا بأن مايكل انجلو عندما كان يحتضر كان يتوق الى رسم زهرة, ولم يكتف هذا الفنان من عنصر النهضة الايطالية بروائع الاشكال والالوان التي خلفها فكان الرسام العظيم يريد ان يلتقط الهندسة البسيطة والكاملة لبتلات الزهرة, التي يعرف انها شمولية وخالدة, وهذه القصة هي سر فهم احمد لمعنى ان تكون فنانا في التقليد الاسلامي. ولد احمد عام 1943 وهو اكبر اخوانه الستة واخت له في كنف عائلة من الطبقة العاملة, وفي البداية لم يفكر ان موهبته في الرسم كانت شيئا خاصا, وقال لم اكن ادرك انني كنت موهوبا وكنت اعتقد ان الموهبة متاحة لاناس آخرين وليس لي, ولكن سرعان ما بات واضحا لمدرسيه بأنه تلميذ مميز وبذلك بدأ في سن مبكرة سيرة من المديح والشهرة, وعندما نجح في الشهادة الثانوية في الفن بعلامات كاملة حصل على منحة حكومية سخية, ثم التحق بكلية الفنون في الاسكندرية حيث ظل الاول في صفه حتى تخرجه في العام 1966, وحقق اعلى علامات منحت لطالب على الاطلاق وحصل على شهادة جامعية من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر نفسه, وفي سن 23 عين محاضرا في كليته وعمل لمدة عشر سنوات في التأليف والرسم والتصميم المسرحي, وكان ايضا منغمسا في الحياة الفنية للاسكندرية واستمد وحيه من خيرة الفنانين والكتاب المصريين الذي اغدقوا عليه التشجيع والمديح. وبعد السنوات العشر حان الوقت له لكي يكمل دراسته للحصول على درجة الماجستير وقرر الدراسة في لندن, واليوم لا تبدو اي اشارة على الغطرسة في احمد, ولكن كما يصف نفسه هو في ذلك الحين, بانه من السهل تصور الفنان الشاب القادم الى لندن بأن ملىء بالثقة في النفس, وقال جئت الى لندن لانني اردت ان اجسر الفجوة بين حضارتين وان اجد قاعدة لي في كلية راقية, ومن هذه القاعدة كنت أريد ان اكون قادرا على فهم الثقافة البريطانية وان انقل في الوقت نفسه ثقافتي المصرية. ولكن ما ان وصل الى لندن حتى خانته طموحاته للمرة الاولى, فقد رفضت الكلية الملكية للفنون حيث قدم طلبا للالتحاق بها بادب طلبه على اساس انه لا يوجد شيء اضافي يمكنها تعليمه, والاسوأ من ذلك ادرك ان رسوماته التي جلبها معه والتي كان الهدف منها التعبير عن ثقافته المصرية لم يكن فيها شيء يعكس هذه الثقافة, وتذكر كنت مشوشا ومنزعجا ونظروا الى اعمالي واطروني مديحا لجودتها ثم التفتوا الى وسألوني (من اين انت) ؟ سنوات الدراسة في مصر كانت سمحت له باستيعاب التقاليد الفنية الاوروبية ولكنها لم توفر له اي وسائل للتعبير عن هويته الثقافية الخاصة به, ولم يكن متأكدا من تلك الثقافة, وبعد ان امضى دورة في كلية سانت مارتنز للفنون وجد نفسه انه ليس اقرب من ذي قبل الى فهم كيف يمكنه ان يعبر عن تراثه العربي. وكان امامه بضعة اسابيع قبل ان يعود الى بلده ولكنه كان مترددا بمغادرة البلد التي اصبح مرتبطا بها بالفعل. وكان على وشك الزواج من فتاة انجليزية وامضى وقته في مكتبة الكلية وهناك عثر على مقالة في جورنال اكاديمي نشر في العام 1939 وكان موضوع المقال هو نص اسلامي من شمال افريقيا, اثار اهتماما عابرا ولكن اللغز المحير فيه هو ان اكاديميا امريكيا كان يبحث في اعمال ابن مقلا وهو عالم اسلامي من القرن التاسع لم يسمع به احمد مصطفى من قبل, واكتشف احمد من المقال ان ابن مقلا كان استاذا في الخط العربي وكان وضع نظاما لتوحيد اشكال الاحرف العربية واسمه نظام (الخط المتسق) . وقال احمد لم اصدق ان هناك نظرية ترجع الى القرن التاسع الميلادي اي قبل 500 عام تقريبا من عصر النهضة, وتحدثت عن القوانين الهندسية التي تتحكم بالتناسق المرئي للاحرف الثمانية والعشرين للابجدية العربية وابتسم احمد وهو يتذكر الشعور بالحرج وقال (عثرت على رجل اعتبر المنظر الاول لفن الخط الاسلامي ولكن رغم ذلك كنت منغمسا بأساطين فن النهضة وكنت جاهلا بشخص اقرب بكثير الى ثقافتي. وكان ذلك نقطة تحول جذري في حياتي وبدأت البحث لاستكشاف تاريخي وكانت مبادىء نظرية ابن مقلا مفقودة عبر القرون, وكان الخطوط نسخت ببساطة الاحرف الابجدية من دون اي فهم حول كيف ترابطت اشكالها وتناسقها, وخلال ايام قليلة قرر احمد مصطفى (حرق جسوره مع السلطات المصرية) التي كانت تنتظر عودته الى البلاد بفارغ الصبر وقرر الفنان البقاء في بريطانيا لاجراء بحثه الجديد في نظرية ابن مقلا حول الخط المتناسق, من دون اي ضمانات بتوفر المال له. واغرق الفنان نفسه في مفاهيم علم الهندسة التي كانت سر النظرية واساسها ولكن لم يكن لديه اي تدريب رسمي في هذا المجال, ولم يعد يتابع مؤهلاته الاكاديمية ولكنه كان يبحث عن حقيقة واستمر بحثه عامين ونقله الى مكتبات في جميع انحاء العالم العربي, ويعتقد احمد ايضا ان قوة روحانية كانت تقوده. اكتشافه لابن مقلا لم يكن وليد صدفة وفي احدى المراحل عندما بدأ عمله بأنه لم يحقق اي نتائج ملموسة حصل على ارشاد جوهري جاء في حلم, وقال سمعت صوتا هتف بي: (هناك شبكة هندسية تمثل التناسق الصوري بين الاحرف الثمانية والعشرين) . وحتى تلك اللحظة كان احمد قد تفحص كل حرف من الابجدية العربية على انفراد وكان يبحث عن حرف واحد يحمل مفتاح السر لكل بقية الاحرف ووجده في حرف الالف, وهو الحرف الاول للابجدية والعامودي الوحيد, وشرع في اعادة قياسه وحسابه, ووضع شبكة هندسية جديدة توافقت بشكل كامل مع نظرية ابن مقلا التي ترجع الى 1000 عام, وأخذ ريشة القلم وقصها الى زاوية دقيقة استخدمها ابن مقلا وبواسطة القلم خلق نقطة مربعة ذات حجم متسق واعاد قياسها ووجد ان ارتفاع الف ابن مقلا كان دائما سبع نقاط, وبواسطة نقطة ثامنة اضافية تم خلق قطر دائرة تشكل داخلها كل الحروف الابجدية السبعة والعشرين الاخرى. ورغم ثقته في انه احد اساطين فن الخط الاسلامي يعلم احمد ان ابداعه لا يأتي من داخل نفسه بل من خارجها, ويقول نحن الكائنات البشرية ادوات في يد الخالق, وعندما نكون في حالة من الخشوع فسوف نسير بشكل ارادي في الاتجاه الذي تقودنا فيه هذه اليد, واذا قاومنا فمن المفارقات اننا لا نزال نسير في الاتجاه نفسه ولكن على مضض. ومن خصال الانسان ان يسير بشكل تلقائي. لندن ـ ماكس دولوتبنير: خدمة وورلد نيوز لنك