اول مرة رأيت فيها عبدالرحمن الخميسي كان ذلك في جريدة الجمهورية وقد دخلت مكتباً خطأ اسأل عن شخص لم اعد اذكره, فوجدت الخميسي الذي كنت اعرفه بالطبع يمزق اوراقا مع شخصين آخرين اعرف احدهما , وعندما اردت الانصراف بعد ان عرفت ان من اتيت لاجله ليس موجودا استوقفني الخميسي الذي كان مشهورا في ذلك الوقت, وبعده باسم (القديس) ودعاني الى مشاركتهم الى تمزيق الاوراق وكانت اقرب الى دعوة غداء او شراب ثم شرح لي ان هذه مقالات قديمة له قرر التخلص منها. وفي تلك الآونة او ربما قبلها بقليل قال عبدالرحمن الخميسي: اتمنى ان اجمع كل ما كتبته في بداية حياتي واحرقه, وكان الخميسي قد بدأ كاتبا رومانسيا, ثم انقلب الى كاتب سياسي يساري واراد من الناس ان يعرفوه ككاتب يساري وان يسقط من تاريخه ما له علاقة بالرومانسية. وبدا ان هذا الانتقال كان مبررا بل احسست آنئذ انني متعاطف مع وجهة نظره ولكن في مقابلة متأخرة ربما كانت لقاءنا الاخير نشأت صداقة بيننا, سألته عن ديوانه ولما لا يجمعه ويصدره في كتاب وهو الشاعر الغزير الانتاج, فقال لي: اريد ان انتقي للديوان ما يجب ان ينشر فيه, كثير مما اكتبه لا يعجبني ولا ارضى عنه. ولم يصدر ديوان عبدالرحمن الخميسي حتى الان, والاحظ ان هذا الكاتب الذي كان ملء السمع والبصر منذ ربع قرن يدخل عالم النسيان, فعندما كتبت عن سلامة موسى في بدايات استضافتي في (استراحة البيان) وقلت ان هذا الكاتب الذي كنت اجمع طبعات كتبه لم يعد في مكتبتي كتاب واحد له, دارت مناقشات حول هذه الظاهرة مع بعض الاصدقاء, وذكرت اسماء اخرى ربما كان عبدالرحمن الخميسي ابرزها, فلم يعد في مكتبتهم كتاب واحد للخميسي, رغم انه كان ذا تأثير كبير على جيلنا من الكتاب. وعبدالرحمن الخميسي ظاهرة ثقافية مدهشة, عرفته اول ما عرفته وهو يعيد صياغة الف ليلة وليلة بشكل جديد, ثم في قصصه الاولى التي كان ينشرها في جريدة الوفد الليبرالية (المصري) والتي اوقفتها ثورة يوليو في صراعها مع الاحزاب القديمة, ومازال لها في نفوس من عاصروها ذكريات طيبة, ايضا كان الخميسي شاعرا وكاتبا اذاعيا ومخرجا اذاعيا, هذا في البداية اما فيما بعد عرفناه مؤلفا سياسيا ومخرجا سينمائيا وايضا مؤلفا ومؤرخاً, واظن انني لم اسجل كل نشاطاته. واذكر انني كنت اتحدث عن (القديس) امام بعض الشباب عندما قال احدنا بحماس (يكفي انه اكتشف سعاد حسني) .. واجمع الشباب لهذه المعلومة الصحيحة, فهو الذي اكتشفها لاول مرة ومحرم فؤاد في فيلمه حسن ونعيمة, واخشى ما اخشاه الا يبقى من عبدالرحمن الخميسي الشاعر والقاص الا انه اكتشف سعاد حسني ومحرم فؤاد ومن يدري ربما لم يبق ذلك ايضا. وبمناسبة عالم النسيان الذي يظلل كاتبين من اكبر الكتاب هما سلامة موسى وعبدالرحمن الخميسي, اتذكر كاتبا آخر كان قمر دنيا الادب وشمسها ثم أيضا ثم انسدل عليه ستار النسيان هو احمد حسن الزيات, وكان احد اهم المفكرين والادباء والنقاد منذ عشرينات هذا القرن الى خمسيناته, وكان من اهم ما انجزه اصداره لاهم مجلة ادبية عربية وهي مجلة (الرسالة) التي كانت قلب الحركة الادبية لعدة عقود, وهي تحتاج الى رسائل ماجستير ودكتوراه تدرس ما قدمته وتأثيرها في الحركة الثقافية, واظن انه قدمت فعلا بعض هذه الرسائل. ومما يجهله حتى بعض المتابعين ان الزيات اصدر الى جانب الرسالة مجلة (الرواية) , ولعلها اول مجلة قصصية او على الاقل اول مجلة قصصية جادة لا تهدف الى التسلية وحسب. وكان نجيب محفوظ الذي كان آنئذ كاتبا شابا ينشر بانتظام في مجلة (الرواية) ولقد قرأ هذه القصص عندما استعرت معظم اعداد المجلة واعتقد ان عددا كبيرا من هذه القصص لم ينشر في كتب, حقا ان بعضه نشر فيما بعد عندما اخذ نجيب محفوظ مكانته, لكنني لاحظت ان بعض هذه القصص لم ينشر, وربما اسقطها نجيب محفوظ لاعتبارات ما, على أي حال اظن ان ذلك يحتاج الى بحث, وما ارسله من قول مبني على ملاحظات لست متيقنا تماماً منها. وبعض الكتاب لا يسقطون فقط بعض ما يكتبون بل يخجلون تماما من بعض ما كتبوا. ولن اذكر اسم هذا الكاتب احتراما لذكراه وكان كاتبا كبيرا حقق في مجاله ما لم يحققه احد من قبله حتى اننا اطلقنا عليه لقب (العميد) فكان يعترض على اللقب متدللا بأنه كان يطبق على طه حسين. وعلت مكانة العميد في سنواته الاخيرة, وارتبطت مواقفه بالقضايا الوطنية والتقدمية, وفجأة اتاني زميل لنا زائغ النظرات شاردا وسألني عن تاريخ العميد, فقلت له ما اعرفه فقاطعني: هل تعرف انه كان يعمل في مكتب المخابرات البريطانية ايام الحرب العالمية الثانية ؟ وابديت دهشتي, وكنت ومازلت من الذين لا يحبون القاء تهمة الخيانة والعمالة والجاسوسية وما اشبهها من تهم غليظة على اناس تهمتهم الكتابة. اعرف طبعا ان كاتبا مثل سومرست موم كان يعمل في المخابرات اثناء الحرب العالمية الثانية, ومثل لورانس دارين الذي كان مكتبه في مدينة الاسكندرية وكتب عن المدينة اجمل رواية كتبت عنها (رباعية الاسكندرية) ولكن الاستعانة بكاتب في شيء كهذا على اعتراضي عليه لا يعني ان الكاتب كان عميلا لدولة اجنبية. ولكن الزميل ظل مشغولا بالموضوع, الا ان رشحنا العميد رئيسا في احدى الجمعيات الثقافية الهامة, وكنا قد اتفقنا مع دخولنا الى مكان الانتخاب اننا جميعا معه, ودخلنا فعلا فوجدنا هذا الذي اشير اليه بكلمة (الزميل) يحمل عددا كبيرا من الكتب, وتساءلنا ضاحكين عن هذه الكتب, ووضعها الزميل على الطاولة, فاذا هي مجموعة نسخ من كتاب واحد كتبه العميد لصالح المخابرات البريطانية في الحرب العالمية الثانية. واصفر وجه العميد ولم يرشح نفسه للرئاسة, واصابته وعكة ارقدته الفراش فترة طويلة . وسألت العميد: الست راضيا عن هذا الكتاب؟ قال لي: لا, لكنني كتبته راضيا, كنت أرى النازية قوة ستدمر العالم وحضارته وتقضي على وجودنا كعرب, ورأيت انه من الطبيعي ان نقف مع البريطانيين والفرنسيين والامريكان والروس حتى يوقفوا تقدم هتلر, وبعد ان انتهت هذه الحرب يكون لنا موقف آخر معهم, الا ان الحلفاء هم الذين انتصروا, فأصبحت في نظر امثالك خائنا, واذا حدث وحكم هتلر العالم لحاكموني وقتلوني, واغلب الظن انهم كانوا سيعدموني دون محاكمة, وبالتأكيد كنت سأصبح شهيداً, وربما كتبت عني مسرحية او قصة, او كتب زملاؤك عني مقالات او كتبا سرية. ولم اقتنع بما قال, ثم سألته اكنت تظن ان هذا الكتاب سيختفي؟ فرد بسرعة: لقد اختفى خمسة وثلاثين عاما. وكنا نسير قريبا من شارع النيل, وتذكرت عملا كتبه يقوم على شيء مما قاله: شخص قام بعمل قديم وظن انه انتهى, ولكنه ظن في اواخر حياته مؤكدا انه لا شيء يموت. ويبدو ان العميد فكر في نفس ما فكرت فيه, فقال بعد صمت طويل: احيانا يكون الكاتب اكثر ذكاء في كتاباته منه في حياته العامة. ولقد اثارت هذه الخواطر في ذهني رواية كتبها اديب كتب قليلا جدا وروايته هذه هي بيضة الديك كما يقولون, كأنه وقف امامنا على المسرح وخلع جميع ملابسه, وتحدث عن علاقات كل من حوله بتجرد شديد ونسب لنفسه كل العلاقات المخزية. كم هائل من الحقارات تدل على عبقرية جمعها, وفي داخلها يهاجم ما كتبه في بداية حياته, وهي مجموعة لكتابات قليلة ذات طابع دعائي مباشر, كنا نظن انه سيخلص منها ليعبر بصدق عن نفسه, ولقد فعل وليته ما فعل.