قد تبدو الصورة مغايرة عن بعد تعوزها المعلومة الدقيقة والواقع الملموس, وسعيا لايضاحها اقام قسم البحوث والتخطيط في جريدة (البيان) مؤخرا ندوة مغلقة ادارها رئيس القسم د. عبدالله العوضي وتحدثت فيها د. عزيزة الهبري بالتفصيل عن أوجه الاختلاف بين الحقوق المدنية المنصوص عليها في الدستور الأمريكي وأحكام الشريعة الاسلامية, وتطرقت للمشاكل التي يواجهها المسلمون الأمريكيون خاصة في مسائل الزواج والطلاق والحضانة. ورأت ان صورة الاسلام والمسلمين قد تحسنت مطوفة على الجهود التي تبذل في هذا الاطار. ود. الهبري حاصلة على دكتوراه في العلوم القانونية وفي الفلسفة من جامعة بنسلفانيا. عندما فتحت بابت الحديث عن الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الامريكية اشارت الى انها محفوظة في الدستور وضمن جزء من (بيان حقوق المواطنة الامريكية) . وقالت لقد اجريت دراسة تقارن بين هذه الحقوق والمفاهيم الواردة في معاهدة المدينة واستنتجت ان ثمة تناسب وأفكار متقاربة ظهرت في مقدمة الدستور. وتساءلت عن مدى معرفة مؤسسي الدولة الامريكية بالاسلام ومبادئه ما حداها الى بدء دراسة حول شخصية جيفرسون وغيره, فاتضح لها انه كان يملك قرآنا في مكتبته وكان هو ورفاقه مطلعين على ديننا وخاصة المطبق على الدولة العثمانية السابقة وأدركوا المشاكل التي واجهتها ورغبوا بتلافي مثيلاتها. وقد جاء في وثيقة (الحوار حول الدستور) ذكر للدولة العثمانية ومعاناتها جراء غياب الديمقراطية والتي لعبت دورا في تفككها وأراد جيفرسون تثبيت فكرة الديمقراطية. وعادت بالتواريخ الى القبائل ايام الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان لكل واحدة حقوقها ودينها وأقامت مع النبي محمد معاهدة على غرار الرابطة بين الولايات المتحدة وكان النبي يمثل الجهة الفيدرالية ومعاهدة المدينة احدى اقدم نماذج النظام الفيدرالي. ما هي الأسس التاريخية لهذا النظام الامريكي؟ يقول الامريكيون في كتابهم انهم لم يأخذوه عن أوروبا والاوروبيون لا يعرفون من أين اتى. ولو نظرنا الى الحقوق المدنية فيه وجدنا ذلك التشابه مع الاسلام اذ لا يحق لأحد دخول منزل احدهم دون اذنه حتى الشرطة باستثناء حالات مشددة (لا تدخلوا البيوت حتى تستأذنوا), اضافة الى حق الامريكي في التصويت والمحاكمة العادلة... لكن كيف تطبق هذه الحقوق والقوانين المدنية على المواطن المسلم؟ توضح د. الهبرى ان القاضي هو من يطبق القانون في المحكمة واذا كان نفسه عرضة لما يشاع عن الاسلام في الاعلام مما قد يؤثر على آرائه. ونحن نحاول ان نثقف الشارع الامريكي للوصول الى فهم صحيح عن الاسلام. هناك منظمات اسلامية عديدة بدأت تظهر في وسائل الاعلام لتدافع عن الدين وترد الاساءات والاشياء الخاطئة وصار لها مواقف حتى ان الاعلام غدا يستفسر عن شهر رمضان والصيام, وقد عرضت شبكة (سي.ان.ان) فيلما عن الحج, وهناك شركة تعمل برامج دينية وتجري اتصالات بالمسلمين بهذا الشأن, واعتبرت د. الهبري ان تحسنا جيدا طرأ على النظرة الامريكية للاسلام واظن الانظمة ستغدو اكثر احساسا بالمسلمين ودينهم وافكارهم. وحول هدفها من زيارة الامارات تحدثت عن جولة ستشمل عشر دول اسلامية تلتقي خلالها بشخصيات دينية وتحاول البحث عن حلول شرعية لحالات الزواج والطلاق, ففي الدول العربية لايتجاوز عقد الزواج صفحة واحدة ترد فيها اسماء المتعاقدين والقاضي والشهود والمهر مع ذكر الشروط الاضافية حسب الشريعة, وقد نقل هذا العقد الى امريكا واصبح الزواج على اساسه بينما الطلاق يتم عبر قاض لايعرف الشريعة فيعتمد مضطرا على الشهود الذين يجلبهم كل طرف, ولاننا لم نفسر لهم ديننا صحيحا ظهرت المشاكل والاخطاء, وربما طلبت المرأة او الرجل الى القاضي ان يسير على القانون الامريكي, فيدعي الزوج مثلا ان عقد الزواج فيه شراء وبيع قاصدا المهر فيرفض القاضي لان لا عبودية في بلاده وهكذا يرى في القانون الامريكي ربحا اضافيا فالمسألة حسابات مادية ومصالح للاسف, ويتملص الرجل من الدفع الا في حال كان المبلغ قليلا جدا وهكذا خلق بعض الاشخاص عقبات للمجموعة واقترحت تأليف كتاب بالانجليزية وبما يتلاءم مع المجتمع الامريكي شارحا كل تفاصيل شريعتنا اذ هناك بديهيات غير معروفة وقد يحسب الطلاق خلعا فتخسر المرأة, والغاية الاساسية من الكتاب هي عمل عقد زواج جديد خاص بامريكا وملحق يتناول بالتفسير كل بند على حدة حتى يستغني القاضي عن الشهود والتوقيع على العقد يستتبع اقرارا بالملحق, وتكلمت على المشكلات التي تتواجد لدى المسلمين الاتين من باكستان مثلا فالمهر لديهم رمزي قد لا يتخطى 50 او 100 دولار وحينما تبلغ المرأة سن الخمسين قد يطلقها وهي غريبة في امريكا ونازحة ولم تدخل نظام الانتاج وربما ذهبت الى الشارع وتشردت ولهذا تطالب بالعقد الامريكي الذي يعطيها نصف ما يملك الزوج احيانا, الشرع الاسلامي اساسه العدل وكل ما يخرج غير عادل علينا اعادة النظر فيه فهل يرضى الاسلام ان ترمى المرأة في الطريق, ان لدينا التكافل الاجتماعي كما تستعين بابيها او اخيها او عمها. الشريعة والقوانين الامريكية كيف نفسر الشريعة لتحفظ حقوق نسائنا في امريكا؟ وتجيب د. الهبري لاني اريد الجواب من داخل الشرع وليس من خارجه, اجتمعت الى رجال دين آخرين وسأتابع الجولة لكي تتبلور الافكار واوثقها واشتغل على امهات الكتب واراجع الجديدة فقط للعلم, واكدت على ان ايام الخلفاء الراشدين كانت تنصف المرأة اكثر وكانت افضل في اصول الفقه والفكر حيث الانفتاح والتفهم فلو عدت الى الوراء 800 سنة ارى العدل اكثر من 300 سنة خلت وعندما تأخذ الفكرة من الفقيه الذي ربطه بوضع اجتماعي يحق لك عدم الارتباط بفكرته حتى تجيء ملائمة للعصر, والرجوع الى الكتب القديمة لايكون ميكانيكيا بل مع اعمال الفكر من وجهة نظر المجتمع الذي نعيش فيه. وبشأن ارقام طلاق المسلمين في امريكا اوضحت ان العلاقات العائلية المسلمة هناك صحية ولا تعاني من نسبة طلاق مرتفعة وهي مستقرة, غير ان ثمة من يعامل المرأة بطريقة خاطئة ويظن فيها حقا دينيا وتطرقت الى قضية الزواج من الاديان الاخرى حيث يتفق المسلم على تربية الابناء على دينه حتى لو لم تدخل زوجته الاسلام, ولو لم ينجح الزواج وكثيرا ما يحدث بسبب الاختلاف الحضاري تحكم المحكمة للأم بالاولاد الا في حالة كانت مسيئة لهم ويحق لها بالتالي تنشئتهم وفق دينها وتعتبر المحكمة اتفاق الزوجين السابق لاغيا.وهذه عقبة يتعرض لها اليهود وهي من اكثر مشاكل الزواج المختلط. وعن زواج (البطاقة الخضراء) اي الزواج من امريكية للحصول على جرين كارد قالت د. الهبري انه غير منتشر بكثافة. اما فيما يخص الحضانة التي هي في الاساس مفهوم اسلامي يعطيها للمرأة والنفقة على الأب, فهي مشابهة في امريكا. ويلجأ الأب احيانا بطرق غير قانونية لتغيير الوضع وغالبية الحالات بريطانية غير مسلمة لكن التركيز على موضوع العرب كما في فيلم (ليس دون ابنتي) بغية اللعب على عواطف الشعب الامريكي. ورأت ان الحكومات العربية لا تتعامل بعدالة دائما مع الموضوع. اعرف امهات مسلمات حرمن من اطفالهن واعرف واحدة غير قادرة على رؤيتهم منذ سنوات اوزيارتهم مرة واحد لأن الولايات المتحدة لا تعطيها تأشيرة دخول, فأي تفسير اسلامي يمكنه حرمان ام من زيارة اطفالها. ولقد تحول بحث هذه المسائل سياسيا الآن. وتتابع د. الهبري عن الزواج المؤقت في امريكا فتصنفه زواج متعة ومسيار ولم تجد اختلافا فكريا بين النوعين, واضافت ان الشباب الذي يقترن مؤقتا شأن الطلبة لن يخبر المجموعة العربية المسلمة ودعت الأهل القادرين الى تزويج ابنهم قبل ارساله للتعلم في امريكا واعتقد ان المسألة ليست ظاهرة, واذا وجد الشخص نفسه في غربة يقيم علاقة داخل الاسلام وليس خارجه تحاشيا للنتائج الوخيمة. اما تعدد الزوجات فأكدت د. الهبري على ان المثقفين العرب والباكستانيين والبنجلاديشيين لا يقومون بذلك والمجتمع لا يتقبل المسألة وحكت قصة امام مسجد تزوج بثانية فرفضه زملاؤه ودفعوه للرحيل عن البلاد. وعادت الى القرآن الكريم لتدل على ان تعدد الزوجات له شروطه واحداها العدل وهذا لا يتحقق ابدا في امريكا حيث الاعتراف الرسمي فقط بالاولى, فاذا توفي عنها لا ترث مالم يكتب لها واولادها غير شرعيين وطلاقها لا يستوجب ان يدفع لها حقوقها وقانونيا قد يطاله السجن. واسمع عن معتنقين جدد للاسلام يطبقون تعدد الزوجات وقد لا تعرف الواحدة حقوقها فتسأل كم يعادل مهرها من اللحم! ويتبجج الرجل بحاجتها لمن ينفق عليها ويجد الفرصة لتمرير زواجه وهو يدرك انه قد يحل المسألة بالزكاة. واثارت موضوع تعدد الزوجات عند طائفة (مورمنس) المسيحية والتي مازالت قضاياها امام المحاكم رغم انها تخلت عن مبدأ التعدد. وبالعودة الى ماجاء في القرآن نبتهت الى عبارة (ولن تعدلوا) وبينت ان الفقهاء لم يتزوجوا سوى واحدة خوفا من الله اوالوقوع في المحظور, ونشاهد مسلما غير متدين على الاطلاق ويحلل لنفسه الزواج من اربع. في امريكا لا يتدخلون في العلاقات المدنية بين الناس والفرص كبيرة ليتم التحديد بين المتعاقدين, وعندهم ان تعدد الزوجات ضد السياسة العامة. والمفارقة انهم في حين لا يجدون ضيرا, في بعض الولايات من الزواج المثلي (الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة) ويعدونه في اطار العادي يستغربون من تعدد الزوجات وتبدو ان المسألة غير حيادية. ان الامرأة الامريكية الحديثة تعمل بجهد فائق لتبني اسمها وهي ربة عملها ولا تجد الوقت الكافي لتعطيه للرجل, في النهاية فان كثرة الزيجات تظلم المرأة ومن يخوض في هذه الامور بالولايات المتحدة الامريكية يعتقدون بمفاهيم خاطئة. وعندما سئلت عن تعدد الازواج لدى المرأة الامريكية شرحت وجود هذه الاوضاع ولكن الزيجات لا تحصل دفعة واحدة حتى تعرف من هو اب الوليد. واعتقد ان السبب بيولوجي بحت والقانون اصلا يحدد رجلا واحدا وامرأة واحدة. وعن التفريق بين اماكن الرجال والنساء قالت ان هذا الحل لا تراه سيئا وهو يبعث الراحة في نفسها شخصيا. واضافت ان امريكا تحتضن ما يفوق على 260 مليون نسمة بعشرات الافكار والاتجاهات ولو أردنا ان نفهم الشعب الامريكي لا نستطيع أبدا اطلاق التعميمات. فقد تبين ان 90% من هذا الشعب مؤمن بالله ومتدين على عكس ما نراه في الافلام وعلى شاشات التلفزة وهم يحاولون دعم الاخلاق التقليدية في المجتمع من خلال تحالف بين المسلمين والمسيحيين واليهود والاديان الاخرى في سبيل الحفاظ على الأولاد فكم نشاهد من المشاكل والحوادث التي لا تعجبنا في المدارس. الولايات المتحدة مجتمع محافظ لكنه يعطي المجال للحقوق المدنية. وبالمقارنة مع بريطانيا تقول د. الهبري ان الامريكيين محافظون أكثر من الاوروبيين ويجربون تجاوز الافكار العنصرية, فبلادهم بوتقة عالمية والمحاكم تحفظ حقوق المسلمين الدينية لأن الدستور يفعل لجهة حقوق الفكر والدين. أمريكا لم تنته من تطورها ومازالت تخترع نفسها, وعوضا عن ان تخاف كل العناصر والاديان والحاضرات التي فيها تستمد منها القوة وتتساءل عن كيفية الافادة من التنوع والتطور مع الوقت. وقالت ان من يسلم في امريكا يظل مرتبطا بالوضع الاجتماعي هناك, فالسود على سبيل المثال عاشوا مشاكل الماضي وتستمر معهم حتى حين يغيرون دينهم, ونشطت مؤخرا حركات تحاول تقوية الأسر وزيادة نسبة الوعي وتحسين الحالة الاقتصادية. وانتهت الى ان المهاجر غالبا ما يغدو محافظا أكثر من ابن البلد ذاته والسبب ربما يعود الى احساسهم بالغربة فيحتمون بالعودة الى الاصول. الجيل الجديد وحكت د. الهبري عن الجيل الجديد المولود من أهل نازحين فيكون امريكيا ينشد العيش في حاضره كأمريكي مسلم جيد دون الوقوع في فخ حضارات ذويه. واستأنست بالمحاولات لفهم الاسلام بأسلوب أصفى وتطبيقه على الواقع. ولاحظت ان صراع الاجيال لا يتبدى الا حين يرغب الاهل في تزويج ابنهم من بنت البلد, اضافة الى خلافات حول حرية المراهق والفتاة ونمط اللباس. وعموما فإن الجيل الجديد متفاهم مع الجيل القديم ومشاكل العرب أقل بكثير من غيرهم. وواصلت سرد معلوماتها لتقول ان العديد من السجناء دخلوا الاسلام نتيجة زيارات القيادات المسلمة المتخصصة في هذه النواحي ويسعون الى توزيع المصاحف وشرح أصول الدين, وعادة ما يحصدون النجاح وقلة هي التي تعود عن اسلامها. في حين أصبح الجيش الامريكي يضم بين ألويته مسلمين يخصص لهم طعام ويسمح للمسلمة بارتداء الحجاب وتراعي مواعيد الصيام. وفضلت ألا تسمي العرب المسلمين بالجالية لأنهم أكبر منها, وان الرئيس الامريكي الحالي بيل كلينتون وزوجته هيلاري يقومان بخطوات ايجابية ويوظفان مسلمات, وهذه أمور جيدة وتطورات تعكس الدور الاسلامي الايجابي في المجتمع الامريكي, غير انها لم تنكر ان دور اليهود أكبر بكثير خاصة لو نوقش سياسيا, وهناك متدينون مسيحيون ويهود يتعاملون مع القيادات الاسلامية الاجتماعية ويفتحون لها الابواب, ولا شك ان العناصر السلبية متواجدة كما الايجابية. وركزت على تطور الفكر الامريكي باتجاه التنوع, والمسلمون من أكبر الاقليات الدينية عددا. وأوضحت المهام الجيدة التي يأتي بها اكاديميون مثقفون لتفسير الاسلام بالاعتدال, وأمريكا تدرك ان استقرار التعددية هو استقرار مجتمعها, والقرار حول هذه التعددية قيادي واجتماعي واكاديمي وفكري وصولا الى التسلح القوي بها. وردا على سؤال حول حاجة امريكا الى اسلام امريكي, دعت الى الابتعاد عن المانشيتات والرجوع الى الفقهاء, إذ ان الاحكام تتغير مع الاماكن والأزمان, فالفقه الموجود في الامارات ليس ذاته الذي ساد في القرن التاسع عشر, حتى ان الامام الشافعي صاحب أحد المذاهب في العراق لم يمارسه حرفيا عندما ذهب الى مصر. وخلصت الى ان المسلمين الامريكيين متدينون مثل كل مسلمي العالم ويحرصون على تطبيق القواعد وفق معرفة الدين والفقه. تغطية: رندة العزير