في حديث سابق, عرضنا في لمحة سريعة إلى بضعة ابيات جميلة, هي قبس من روح شاعر مجيد مطبوع هو المرحوم احمد فتحي الذي كان اسما كبيرا بين الشعراء المعاصرين حتى رحيله في مثل هذه الايام من عام ,1960 وعلى كثرة ما كتبه احمد فتحي منذ بدأ انتاجه الشعري في اوائل عقد الثلاثينات, فقد قيض له القدر ان تذاع اشعار له على ألسنة الناس وان تشغف بها كثرة كاثرة من ابناء العروبة, اجيال من بعد اجيال, كيف لا وقد كان من حسن طالعه ان وصلت قصائده إلى اسماع الملايين موقعة على اوتار اكثر من حنجرة ذهبية ومزجاة ضمن اطار باذخ من اروع ما وعته الاذن العربية من الحان الموسيقى المعاصرة, على رأس هذه الالحان تأتي قصيدته التي شدت بها ام كلثوم من الحان رياض السنباطي بمطلعها المعروف: انا لن اعود اليك, مهما استرحمت دقات قلبي. انت الذي بدأ الملالة والصدود, وخان حبي. فاذا دعوت اليوم قلبي للتصافي, لن يلبي الاستاذ السنباطي نفسه كان يتمتع بصوت عذب رخيم وكان له اختيارات موفقة من جميل الشعر يعمد إلى تلحينها وادائها بنفسه ويأتي في مقدمتها واحدة من اشهر واعذب اغنيات عصرنا وهي من قصائد احمد فتحي نفسه وقد أداها السنباطي بعنوان (فجر) ومطلعها: كل شيء راقص البهجة حولي هاهنا.

ايها الساقي بما شئت اسقنا, ثم اسقنا.

واملأ الدنيا بهاء, وغناء وسنا.

نسيتنا كيف لا ننسى اغاريد المنى.

علنا ان تعرف النوم هنا .. أعيننا

ثم كان من حظ الشاعر أحمد فتحي ايضا ان شدت بابياته اسمهان بصوتها الصافي النبرات والفائق الحساسية, والقصيدة ايضا, ويا لحسن حظ الشاعر, من تلحين السنباطي ويقول مطلعها: يا لعينيك ويالي .. من تسابيح خيالي.

فيهما ذكرى من الحب, ومن سهر الليالي.

عبرات الامل المسحور في دنيا الجمال.

وشحوب من ضنى اللوعة والسقم بدا لي.

وسؤال يعبر الافق إلى رد السؤال.. الخ

قال الراوي: ان احمد فتحي اهدى هذه القصيدة إلى المطربة اسمهان في عام 1938 فكان ان غنتها لحساب الاذاعة البريطانية التي عمدت بدورها إلى احتكار اذاعة الاغنية دون ان يتاح للناس ان يسمعوها من الاذاعة العربية (على نفس المنوال احتكرت اذاعة لندن العربية اغنية جميلة لعبد الوهاب بعنوان أجْرِ يا نيل). بيد ان اشهر القصائد التي طيرت صيت الشاعر أحمد فتحي هي انشودة (الكرنك) الشامخة وهي من روائع الموسيقار عبد الوهاب في عصره الذهبي ــ عصر اكتمال موهبته اللحنية ونضج ثقافته الموسيقية وتألق ملكاته في التذوق الأدبي, وتلك فترة امتدت عبر عقد الاربعينات من هذا القرن وشهدت من ثم انضج أعماله الموسيقية وفي مقدمتها قصائد الجندول وكليوباترا للشاعر علي محمود طه وهمسة حائرة لعزيز باشا اباظة ثم الكرنك لأحمد فتحي بمطلعها الشهير: حلم لاح لعين الساهر

وتهادى في خيال عابر

وهنا ملء سكون الخاطر

يصل الماضي بحلم الحاضر

طاف بالدنيا شعاع من خيالي

حائر .. يسأل عن سر الليالي

ياله من سرها الباقي, ويالي

لوعة الشادي ووهم الشاعر

من يومها .. ومنذ اذيعت القصيدة النفيسة في اطارها اللحني الأخاذ الذي صاغه عبد الوهاب, حمل أحمد فتحي اسمه الذي دخل به سجل الشعر العربي الرومانسي الحديث وهو: (شاعر الكرنك) . وهو بالضبط عنوان الكتاب الصغير البليغ الذي عثرت عليه مؤخرا في مكتبتنا القاهرية وكان منزويا في تواضع جم في واحد من أركانها وكنا قد نسيناه وسط ما تراكم في الذاكرة من حصاد السنين. وكم أسعدتنا مصادفة العثور على هذا الكتاب الدقيق الحجم الذي اصدره الشاعر الراحل صالح جودت بعنوان: (شاعر الكرنك) أحمد فتحي, وكان مصدر سعادتنا أساسا هو ان استطعنا أخيرا ان نجيب على سؤال سبق الى طرحه منذ سنة أو أكثر صديقنا الشاعر المثقف محمد بن حاضر الذي قرأ لمحاتنا عن أحمد فتحي ثم عمد الى طرح السؤال: أليس للشاعر ديوان مطبوع؟ والسؤال حمله الينا عبر اجواء الفضاء صديقنا المشترك رئيس التحرير الموقر .. وما كنا نستطيع الاجابة وأنّى لنا أن نجيب اذ كنا رهيني الغربة في اصقاع أمريكا نصحب مكتبة معظم محتوياتها ناطق بالانجليزية وبغيرها من ألسنة الغرب ولايكاد يستعرب من محتوياتها الا تفاسير القرآن وتاريخ الطبري وسيرة ابن هشام ثم منثورات واشعار للثلاثي الكلاسيكي الذي ما انفك يرافقنا في كل مكان حللنا به طيلة اعوام تغريبتنا العشرين وهذا الثلاثي هو على الترتيب: أبو الطيب المتنبي, وأبو عثمان الجاحظ وأبو حيان التوحيدي وما كان أحد من هؤلاء, على عبقرية فصاحته وموسوعية معارفه ليستطيع ان يمدنا باجابة تشفي للسؤال المطروح: ــ الشاعر المعاصر أحمد فتحي .. هل له ديوان مطبوع؟ وكتر الله خير مكتبتنا القاهرية التي ظلت قابعة في وفاء الانتظار الى ان فزنا بغنيمة الاياب من بلاد الغربة فكان ان أمدتنا بالكتاب الذي أومأنا اليه ــ يقدم فيه صالح جودت عرضا ولو مكثفا لسيرة الشاعر وأطوار حياته ولم تكن حياة موفقة في كل حال. وها نحن نجيب بعد لأي على سؤال صديقنا بن حاضر فنقول: ــ أي نعم, أكثر من ديوان ــ على ما يبدو من أقوال الأستاذ صالح جوت, ولعل اشهرها هو الصادر بعنوان (قال الشاعر) ولا ندري ماذا كان عنوان ديوانه الاول ولكن الذي ندريه ان الديوان المذكور يحوي بالذات (انشودة الكرنك) التي اشرنا اليها التي يصفها الاستاذ صالح جودت بأنها صادفت هوى في نفوس الناس لأكثر من سبب. لانها ظهرت في عصر سادت فيه الاغنية الدارجة (باللهجات العامية). ولأنها تناولت غرضا من اغراض الغناء غير الحب في عصر لم يطرق فيه اهل الغناء باباً غير باب الحب حتى مله الناس.. ومن عجب ان تبلغ حفاوة الشاعر بانشودة الكرنك الى الحد الذي يوردها فيها ضمن ديوانه الاول ولكن تسبقها هي بالذات مقدمة بقلم المؤرخ الدكتور احمد بدوي ــ استاذ التاريخ القديم بجامعة القاهرة في تلك الفترة ــ عقد الاربعينات. ولك ان تتأمل كيف كانت حفاوة ذلك الجيل بالشعر البليغ الجميل.. ان يندب الشاعر استاذا جليلا متخصصا كيما يكتب مقدمة لواحدة من قصائد ديوانه. والاستاذ صالح جودت يصف مقدمة الدكتور احمد بدوي بأنها (تاريخية) ولا ندري كيف فات على ذائقته انها جاءت بمثابة قطعة رائعة من حيث المعنى, اخاذة من حيث المبنى في ادبيات التاريخ.. ولو كان الامر بيدنا ـ ونكرر للمرة المليون ـ انه لن يكون لرتبنا لنشر هذه المقدمة على حدة واوردناها ضمن مقررات المحفوظات الادبية لطلبة الثانويات كي يتعلم منها الدارسون بل والمدرسون كذلك كيف تكون الكتابة ادبا وفنا سائغا وجميلا ولو في مجال صعب متخصص مثل التاريخ القديم.. ومالنا لا نقبس لك بضع لمحات من ضيائها اذ تصف مقدمة الدكتور بدوي عظمة (طيبة) (وهي الاقصر القديمة) فنقول: .. هكذا عرف الدهر (طيبة) وشهدت ايامه تلك الدار الخالدة وقد حقق الله آمال اصحابها من حولها فجعل الدنيا تحت اقدامهم وجعل مدينتهم عاصمة الارض وزهرة المدائن.. اليها جاءت الدنيا, وباسمها هتف الكون وبمجدها وعظمتها تغنى فحول الشعراء فخلدها هوميروس (الاغريقي) وكان يؤمئذ إمام شعراء الدنيا.. ثم يدركها العرب وقد شاخت, وشاخت من حولها دنيا المصريين, ولكنهم يؤخذون بجمالها وتروعهم كثرة قصورها وعمائرها فيسمونها (الاقصر) جمع (قصر) .. ولما عاينوا دار آمون الكبرى, ورأوا تحت سقفها تلك النوافذ التي ترسل الضوء الى أبهائها ذكرتهم بقصر النعمان بن المنذر (ذي النوافذ) في اقليم الحيرة فأسموا الدار (خورنق) ثم حرف اللفظ بعد ذلك على السنة الاوروبيين فصار (كرنك) . هذا الكلام العلمي الجميل عمره اكثر من نصف قرن ولكن هاهو يأتي كي يمتعنا ويطلعنا على اصول التسميات.. يأتي لكي يصل بين مجد مصر في الزمن القديم وشخصية مصر العروبية وقد اتشحت بردائها القومي وقد أضاءها نور الاسلام. لكن.. ماذا عن شخصية الرجل الذي اثار كل هذه الشؤون والشجون؟ ماذا عن احمد فتحي ـ الشاعر والانسان؟ الى اللقاء