أتى الصيف وللصيف عندي مكانة خاصة ومذاق لا تغير طعمه حرارة الجو, ولا ينقص من جماله وهج الشمس اللاهبة. في الصيف دفء لا تعرفه ليالي الشتاء الباردة الكئيبة الموحشة وصرُّ رياحها العاصفة والطرق المقفرة من دبيب الحياة وحركتها الهادرة . الصيف الذي أعني ليس حالة الطقس التي تطالعنا بها نشرات الاخبار ودرجات الحرارة ونسب الرطوبة الصاعدة الهابطة, بل هو ذلك الزمن الجميل الزاخر بالمعاني الرائعة التي غدت تسقط من حياتنا شيئاً فشيئاً كلما ارتدت هذه الحياة رداءً من أردية المدنية الحديثة, فدقّ ذلك الرداء في نفوسنا أسفيناً من أسافين الخواء الروحي محولاً هذه الحياة إلى مجموعة من الارقام نسجلها بالايام والشهور والسنين غير مدركين أنها تحصي علينا أنفاسنا وتغتال فينا البراءة والنقاء والطهر. الصيف الذي ترحل اليه الذاكرة عودة إلى أيام الطفولة الجميلة التي نحنّ إليها جميعاً وتسافر إلى مدنها الساحرة أمنياتنا الحالمة التي نعرف أنها صعبة المنال, ولكنها تظل حلقة في سلسلة الحنين إلى الماضي ذلك الزمن الذي غادرنا ليظل في وجداننا هو الأجمل ليس إلا لأننا نعلم أنه لن يعود أبداً بعد أن دفعنا به إلى زاوية الذكرى, فألقينا بالمؤلم منها في سلة النسيان واحتفظنا بالجميل منها متألقاً في الذاكرة متخذين منه زاداً لرحلة الحياة بعد أن أضحى الماضي بكل ما يمكن أن يكون قد حمل من ألم معلوماً لا نخشى نوازله, بينما يظل المستقبل بكل ما يمكن ان يحمل من فرح مجهولاً لا نأمن غوائله. الصيف الذي في خاطري مجموعة طقوس اختفت من حياتنا ضمن ما اختفى من المعاني الجميلة بعد أن طغت على مجتمعاتنا مظاهر الحياة العصرية محولة أيامنا إلى نسخة مكررة متشابهة يتساوى فيها الحر والبرد والصيف والشتاء والليل والنهار والابيض والأسود. ما عادت لتباشير الصيف تلك النكهة الخاصة التي كنا نحسّ بها, فـ (الرُّطَبُ) الذي كنا نترقب تباشيره الأولى ليعلن لنا قدوم الصيف أصبح متوفراً ومجمّداً في الثلاجات طوال العام, ونسمة الهواء العليلة التي كان يجلبها (البارجيل) في عز الظهر أصبحت صقيعاً تنفثه في وجوهنا المكيفات ليل نهار, والأهم من ذلك كله تلك الرحلة الجميلة التي كنا ننتظرها جميعاً ــ وهي بيت القصيد هنا ــ لم يعد لها مكان في حياتنا اليوم, وحلت محلها رحلات مسخ إلى خارج الوطن ليس لها طعم (المقيظ) ولا عاداته الجميلة ولا روعة لياليه. الصيف الذي عنه أتحدث وإليه أحنّ قصة ارتحال من المدينة إلى ضواحيها وأطرافها غير المأهولة, حيث مزارع النخيل والأرض الرملية الممتدة امتداد النظر لا تكسره عمارة شاهقة أو برج عملاق يرتد اليك منه البصر فلا يصافح زرقة السماء ولا يصل إليك منها السناء, هناك حيث يستقر الناس شهوراً عدة في البراحة وبوهيل والوَحْيدة وغيرها من مناطق (المقيظ) مغيّرين نمط حياتهم وطريقة معيشتهم لتغدو الحياة بالنسبة لهم أبسط مما هي عليه مع بساطتها أصلاً في المدينة, حيث لا متطلبات زائدة عن الحاجة ولا مصالح مادية تحكم علاقة البشر ولا أحقاد وأضغان تفرق بينهم. كان الاستعداد (للمقيظ) في حد ذاته قصة يستمتع الناس وهم يعيشون تفاصيلها الصغيرة, فبناء (العريش) أول فصولها, واقامة (المنامة) أمامه, وزاوية صغيرة للطبخ خلفه أو إلى جانبه, ثم حفر (الطوي) واختبار مائه الذي ربما خرج عذباً أو به شيء من الملوحة. بذلك يكون قد اكتمل بناء المقر الصيفي للأسرة دون أسوار عالية أو حواجز تفصل الناس عن بعضها لترتحل اليه الاسرة بعد ذلك حاملة معها أقل القليل من الحاجيات التي لا تتعدى المؤونة ومعدات الطبخ والفرش والملابس القليلة كأنى بهم قد ضاقوا ذرعاً بأعباء منازل المدينة وهي أبسط مما يتصور المرء. أما كيف كان الناس يقضون وقتهم في (المقيظ) فهو سر جمال تلك المرحلة من حياة الناس في ذلك الزمن غير البعيد, فالنهار بالنسبة للرجال يبدأ برحلة يقطعون فيها طريقاً رملياً إلى المدينة في سيارة (لاندروفر) حيث لا يمكن أن يصل أماكن (المقيظ) سوى هذا النوع من السيارات ذات الدفع الرباعي, ولم يكن متوفراً غيرها في ذلك الوقت, سيارتان أو ثلاث سيارات تطوف بين (العِرْش) لتجمع الذاهبين إلى المدينة لممارسة أعمالهم أو انجاز بعض الأعمال أو جلب ما نفد من المؤونة, ورغم ان المسافة كما نراها اليوم قريبة تقطعها السيارة في دقائق معدودة إلا أنها كانت تبدو في ذلك الوقت بعيدة شأنها شأن الوقت الذي كان يبدو طويلاً, أما النساء والاطفال فيظلون في انتظار عودة الرجال عند منتصف النهار أو آخره, تمارس النساء مهامها المعتادة, ويقضي الاطفال يومهم في اللهو واللعب البريء صانعين من جريد النخل خيولاً يركبونها, ومن علب الصفيح سيارات يبنون هياكلها بأنفسهم, وألعاباً لم توفرها لهم في ذلك الوقت محلات الالعاب الكبرى التي تستنزف اليوم جيوب الآباء والامهات, ومع ذلك لا يحس الابناء بقيمة اللعبة التي سرعان ما يملونها بعد ساعة أو أقل من شرائها ويعودون ليطلبوا لعبة أخرى, أما أطفال (البراحة) فقد كان الواحد منهم يحافظ على لعبته فترة الصيف كلها لأنه يعلم جيداً أن عليه حين يفقدها أو يرفضها أن يصنع لنفسه لعبة بديلة قد تستغرق منه أياماً أو يقضي بقية فترة الصيف دون لعبة. أما ليل (المقيظ) فهو ليل من نوع آخر طالما حملنا إليه خيال الشعراء ووصفته لنا ما جادت به قرائحهم, حيث يخيم السكون على المكان وتبدو السماء مكشوفة للجميع تتلألأ فيها النجوم بأنوارها وترسل أشعتها من على البعد لتضيء ليل (المقيظ) قدر طاقتها حتى إذا ما تجلّى القمر في ليالي ظهوره حوّل المكان إلى لوحة ساحرة متنوعة المشاهد, فالاطفال والصبية ينطلقون في مجموعات يمارسون ألعاباً خاصة لا تمارس بالنهار عادة حيث تحتاج إلى نوع من العتمة, أما الكبار وقد اطمأنوا على ابنائهم ولم يخشوا عليهم (شمّ الغراء) الذي لم يكن معروفاً أصلاً أو ادمان المخدرات التي لم يسمع بها أحد فقد كانت تجمعهم مجالس سمر لا تخدش حياءها فضائيات اليوم ولا يسلب منها روح الألفة والحوار والتواصل جهاز يفرض على الجميع الصمت ليظل هو المتحدث الأوحد, ويتنوع الحديث تبعاً لسنّ وجنس أصحاب المجلس, فللرجال موضوعاتهم وللنساء موضوعاتهن, وربما رأيت مجموعة من الاطفال يتحلقون حول جدتهم يتبارون في معرفة مجموعات النجوم وأعينهم تتطلع الى السماء, فهذا (نجم سهيل) وهذه (بنات نعش) .. حتى إذا ما فرغوا من ذلك بدأت الجدة تروي لهم (خرّوفة) جميلة يعيشون مع ابطالها ويسرح خيالهم الى مدنها لتنهل عقولهم من القيم التي تحملها وتتشبع نفوسهم بمعاني النبل والصدق والوفاء والشجاعة وكل الاخلاق الحميدة التي تغرسها فيهم, بدلاً من هذا الانبهار الذي تفرضه اليوم عليهم مغامرات (توم آند جيري) وتلك السلسلة الطويلة من القطط والفئران والسناجب والسنافر والضفادع والعناكب وحيوانات وزواحف سمعنا بها وأخرى لم نسمع, مما فرضته برامج الكرتون على عقول اطفالنا وأضحى يشكل وجدانهم ويدخل شئنا أم أبينا في بناء شخصياتهم. وهكذا تمضي شهور الصيف هانئة لا يكدر صفوها تذمر من حرارة الجو التي تآلفوا معها, وليس ثمة خلل في التركيبة السكانية يشغلون أنفسهم بالتفكير في ايجاد الحلول له وعقد الندوات ودبج المقالات للفت الانظار اليه ومعالجته. تلك الخواطر حملتني إليها سويعات انقطع فيها التيار الكهربائي عن مدينة دبي فهرب الناس بعائلاتهم إلى بعض الفنادق التي احتاطت لنفسها بمولدات كهربائية لمثل هذه الحالات, بينما طفق آخرون حاملين أسرهم في السيارات يطوفون بهم الشوارع ريثما يعود التيار.. وكم تمنيت ساعتها أن تبادر إحدى اذاعاتنا فتسمعنا رائعة الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة التي تغنى بها الفنان أحمد الجميري علّها تنقلنا إلى ذلك الزمن الجميل فتنضو عن نفوسنا ما ران عليها من غبار زمن المكيفات وثلاجات العواطف: أسف والله تغيرنا ومرّ الوقت وبدّلنا طوى أيام وهدم أحلام وبقي كل شىّ يذكرنا ليالي القيظ ما عادت مثل لوّل بتجمعنا ولا عادت غناوينا ورسايلنا وتشرّهنا ولا عاد القمر لي طلّ وقف يسمع سوالفنا ولا عاد الهوى لي هبّ يحرّك كل عواطفنا تغيّر واقفرت منّا عقب لوّل برايحنا وسْنين القيظ يجمعنا ومرّ الوقت وبدّلنا يا عِرْشْ القيظ ردّ القيظ ورحت اسأل منازلنا عصر قلبي وذكرني عريشٍ كان موعدنا وعنده سنين عند السيف كان الحب ثالثنا تعاهدنا وتواعدنا وعلينا القمر شهّدنا وغمضّنا على أحلام تلاشت يوم فتّحنا وسْنين القيظ يجمعنا ومرّ الوقت وبدّلنا يا عِرْشْ القيظ ردّ القيظ ولا حد ظلّ يذْكرنا قولولي اشلون ألقاهم أعزّ الناس حبايبنا عجب يا القيظ ما كنّا على سيفك تجمّعنا ولا كنّا ليوادتك ليالي طوال ساهرنا عجيب اشلون كل شي راح وحتى الوقت انكرنا وسْنين القيظ يجمعنا ومرّ الوقت وبدّلنا وللشاعر الاعلامي الرياضي الفنان (بو عبدالله) نقول: نعم, ردّ (القيظ) ولكنه لم يجد (العِرْش) ولا من يسكنها, فقد حلت محلها أبراج اسمنتية خرساء غاب عنها نبض الحياة التي بها تغنيت فحُرِم ساكنوها لذة الاحساس بطعم (المقيظ) ولم يعد لعودة (القيظ) معنى سوى الترحال في الذاكرة لمن كانت له ذاكرة تعي ونفس إلى الاصالة تنتمي.