كتبت في هذه الاستراحة اكثر من مرة عن وجوه قديمة نقشت في وعاء الذاكرة خربشات مثيرة ورمت من حيث لا تدري وبكل تلقائية نسيجا من التكوين الحميم بين رائحة المكان وتفاصيل الذاكرة , وها انا اعود مجددا لرائحة قديمة استمدها بعد ان اصبحت الاشياء لا تنفث الا كل ما هو صناعي, واصبح الجيل الحاضر فاقدا للوعي عندما مدت الوسائل الاستهلاكية يدها اليه, فاعطته مما جادت به تكنولوجيا عصر الآلة الكثير واخذت من نفسه وذاكرته الكثير ايضا, أعود بعد ان فقد الصغار حارتهم وفريجهم وأصحابهم وشقاوتهم واصبحوا مجرد دمى جميلة. هكذا بأمر باربي وسيجا وغيرهما من الالعاب الالكترونية ألغى اطفالنا ذاكرتهم, وبالتالي الغوا من زمنهم ماضيا جميلا, زمن (الفرجات) ورائحة الدنقو والباجلة التي اصبحت من تفاصيل التراث. اقف هنا واكتفي حتى لا ادخلكم في مقدمة تقطر وعظا وتأسيا على ذاكرة اصبحت مثقوبة بتواتر صفحات هذا الزمن الالكتروني, اقف فأرصد ذاكرة مكان, قد يبدو للبعض عاديا ومكررا, لكنه بالنسبة لجيل عاصره وتواصل معه وتركه عنوة يمثل فصلا مثيرا من فصول الذاكرة, اعود بذاكرتي قليلا إلى العام 1975 حيث منطقة الراشدية في بداياتها, البيوت وقاطنوها كانوا معروفين بيتا بيتا وفردا فردا, وكانت الراشدية القديمة عبارة عن فريج بن سوقات الذي يتخلله اماكن خدمات يتيمة عبارة عن مسجد ومطعم ومحل لاصلاح الاطارات بالاضافة إلى محطة للتزود بالوقود جميعها يقع على الشارع العام الذي يمتد طوليا من مطار دبي الدولي متجها إلى مناطق مشرف حيث الحديقة اليتيمة آنذاك قاطعا منطقة الخوانيج منتهيا بمنطقة العوير. بالقرب من محطة الوقود وقفت صندقة خشبية جاهزة وضعتها احدى شركات المرطبات الوطنية ومهرتها باسمها على سبيل الدعاية, وكان مثل تلك الظاهرة منتشرة آنذاك, ومن وسط تلك الصندقة نهضت مؤسسة ثقافية واجتماعية, اسست ذاكرة لجيل ابناء السبعينات الذي عاش فترة تلك الصندقة. قد تتساءلون كيف؟ فأجيب .. كان الموقع الذي اتخذ لبناء تلك الصندقة مثاليا جدا للكسب والشهرة ايضا, فموقعها هو الطريق العام الممتد الذي يربط المناطق ببعضها البعض, وموقعها كذلك هو وسط العقد بين منطقة بورسعيد بديرة ومنطقة مشرف التي تزدان بحديقة عامة وحيدة آنذاك, هي متنفس سكان دبي جميعا. من هنا كان لتلك الصندقة التي عرفت بمقهى خان اهمية كبيرة لمرتاديها. كانت الحياة بسيطة وسهلة ومتواصلة, وكانت الراشدية من مناطق دبي النائية البعيدة عن ضجيج المدينة بكل ما تحمله من تفاصيل, وقد فضل الكثيرون هذا الاختيار بعد ان زحفت البنايات بقامتها العالية وبدأت تكشف تلك البيوت المتناثرة هنا وهناك .. عموما جاء ذاك الوجه القديم الذي خطت السنون علامات بارزة فيه من باكستان بحثا عن رزق في مدينة عامرة بالاعمال وبمشاريع البنى التحتية, لكنه لم يسهم فيها ولم يقترب ذاك العمل المتعب لأسباب تتعلق به شخصيا, فأولا هو لم يعد ذاك الشاب القوي الذي تبادر الشركات بضمه إلى العاملين الاخرين فيها, كما انه لا يجيد الا فنا بسيطا هو عمل الشاي, لكن الرزق عندما يأتي لا يسأل احدا, وقد كان خان, وهذا الاسم الذي يطلق على جميع الباكستانيين, من الاشخاص الذين طرق الرزق بابهم من حيث لا يحتسبون, واصبح مقهى خان اسما على علم, لماذا؟ لان المقهى الصغير الذي لا تتعدى مساحته امتارا قليلة تميز بموقع هام جعله محطة توقف للذاهبين والقادمين من وإلى مناطق مشرف والخوانيج, في وقت كان الشارع الرئيسي ذا حارة واحدة ذهابا واخرى ايابا, لذلك كانت السيارات تقف على اطراف الشارع للتزود بشاي خان المعتبر لانه ذو نكهة لذيذة متميزة لا يستطيع ان يقلدها احد, واصبح من يحتسي كوبا واحدا من هذا الشاي لابد وان يعود اليه وتأتي به المقادير. ومن خلال تلك الصندقة بدأت تنتعش ثقافة المقهى لقاطني الراشدية في غياب مؤثرات ومعطيات اخرى, فمن يدقق في الوجوه يرى عجبا, لان كراسي المقهى المتواضع تجمع ذاك العامل المكدود بالشاعر الذي ترن قصائده النبطية فيسمعها القاصي والداني بفضل فنان الامارات علي بروغه, وبينهما يتسمر وجه ذو عينين, زائغتين ينادي بصوت متوار طالبا شاي خان الذي تصاحبه نكهة الهيل ... المكان عبارة عن سجادة فسيفساء, ذات الوان مختلفة, افكار متباينة, وجوه متناثرة, اعمار متفاوتة, ثقافات مختلفة يجمعها المكان وذاك الفنجان المثير الذي يكثف الجميع ويصهرهم تحت امره, بل ويقارب بينهم بشكل مثير وعجيب, فعندما تطرح قضية ايا كان مسماها ومحتواها تجد المشاركة جماعية, الكل له رأي وصوت في القضية ... ذاك الطالب الذي مازال يخطو خطواته الاولى, أو الخريج الجامعي الذي يحمل شهادته باحثا عن فرصة عمل ... وبين هذا الوجه وذاك يبتسم خان وتكبر قامته كلما علم ان احدا من رواده وجد مكانا له في زحمة الهم اليومي. ولان السنين لا تبقي شيئا على حاله تنتهي تلك الصندقة, ويكبر روادها ويجد خان لنفسه مكانا اسمنتيا عبارة عن مقهى حقيقي يليق بمرتادي المكان, ويحرق المقهى سنين سبعا تتغير خلاله الوجوه, فتغيب وجوه وتأتي اخرى جديدة, ويتغير المكان مرة اخرى الا ان من خبر ايامه واحواله يتواصل معه من جديد, فيتخرج جيل ويتواصل آخر, وتختلف المقاييس والمعطيات بعد ثقافة المراكز التجارية والمقاهي الفرنسية ولغة الاستهلاك اليومي, الا ان خان يظل صامدا بضع سنين, يتهاوى بعدها عندما يتساقط رواده القدامى امام لغة الكابتشينو والاكسبريسو وسلسلة المطاعم والمقاهي الامريكية والفرنسية والايطالية. لكن اغلبنا وخاصة ابناء منطقة الراشدية يذكرون جيدا ذاك المقهى العتيق الذي جمع وجوها صغيرة وبريئة اصبحت الان من الوجوه البارزة والفاعلة في اغلب الدوائر والادارات, بل واصبح اغلبها نجوم فن ورياضة واعلام.